ما زال حلم العودة إلى الحربية، قريته التي باتت حقلا داخل دولة إسرائيل على بعد كيلومترات من غزة، تنعش آمال احمد عبد الجواد الذي يعيش لاجئا في مخيم جباليا منذ 52 عاما.
ويقول الرجل المسن البالغ 74 عاما والذي يعتمر الكوفية البيضاء بتحسر "أنها ليست حياة". فذكرى 1948 تاريخ إنشاء دولة إسرائيل والنزاع العربي الإسرائيلي الأول ما زالت حية متقدة في ذهنه.
فهو لم ينس كيف "وصل الإسرائيليون وبدأوا يطلقون النار في كل اتجاه. فأخذنا عندئذ الناقة والحمير وسرنا يوما بطوله واتينا إلى جباليا".
ومن الخيمة انتقل احمد إلى بيت صغير جدرانه باهتة اللون ما زال يؤوي عائلته المكدسة في غرفتين متواضعتين تمد فيهما الفرش أرضا، في قلب هذا المخيم الذي يعد مئة الف نسمة ويعتبر اليوم الأكثر سكانا في قطاع غزة.
تكون جباليا شيئا فشيئا، مثله مثل المخيمات السبعة الأخرى في الأراضي المحتلة، وهو مهد الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1993) إلى أن اصبح مدينة أشبه بمدن الصفيح بأكواخها الفقيرة ومجاريرها المخربة وأزقتها الرملية التي لا يتعدى عرضها أحيانا عشرات السنتمترات.. وجدرانها المغطاة برسوم ميكي او بآيات قرآنية.
ويعيش نحو 800 الف لاجئ من اصل تعداد إجمالي يبلغ 2،1 مليون نسمة في قطاع غزة، اكثر من نصفهم في مخيمات.
وأولاد احمد الذين ولدوا في غزة يعرفون عن ظهر قلب قصته حتى "افضل منه" كما يقول رياض (39 عاما) مازحا. وهم يحبون الأرض مثل أبيهم.
ويروي رياض وهو أب لسبعة أولاد بينما كان يعلم ابنته الكتابة "عندما اذهب للعمل في إسرائيل أرى قريتنا من شباك الباص".
ويستطرد قائلا "كنا نملك هكتارات عدة إما اليوم فنحن محصورون مسمرون هنا ويسموننا لاجئين. لكني لا أريد أن أبقى لاجئا طوال حياتي".
فخلال أربعين سنة اشتغل احمد كعامل زراعي بينما يعيل رياض ألان أحد عشر شخصا من عمله بضعة أيام في الشهر في مصنع ألبسة في إسرائيل يتقاضى منه حوالي 150 شاكلا (35 دولارا) في اليوم.
وهذا ما يسمح له بدفع الحد الأدنى الضروري مثل المياه والكهرباء فيما تؤمن منظمة غوث وتشغيل اللاجئين (الاونروا) المكلفة مساعدة اللاجئين الفلسطينيين التدريس والطبابة.
وفي أحد أيام 1985 سمح لاحمد بالعودة.. فقط لرؤية قريته الحربية من وراء سياج يحيط بقطاع غزة.
لكن البيوت اختفت والمكان الذي كان يرعى فيه ماعزه توارى أيضا ليجد مكانه حقولا ومسبحا.
رغم ذلك يؤكد احمد "يستطيعون أن يبنوا مدينة بكاملها فاني سأعرف ارضي من بين كل شيء.. أني مستعد لكل شيء من اجل العودة إليها".
وعلى غرار اخوته شارك رياض في الانتفاضة الأولى وسجن أثناءها خمس مرات. ثم "جاءت اوسلو لكننا لم نر شيئا يحصل" في إشارة إلى اتفاقات 1993 حول الحكم الذاتي الفلسطيني.
ويطالب الفلسطينيون بان تعترف إسرائيل ب"حق العودة" للاجئين المقدر عددهم بحوالي 5،3 ملايين. لكن إسرائيل ما زالت ترفض عودتهم بأعداد كبيرة خشية أن تصبح الدولة اليهودية مزدوجة الجنسية.
إلا أن الانتفاضة الثانية "تعيد الأمل" إلى رياض المؤيد لحركة فتح التي يتزعمها الرئيس ياسر عرفات، رغم الحصار الإسرائيلي الذي يرميه غصبا عنه في أحضان البطالة مثله مثل 60 في المئة من سكان المخيم.
والى ذلك أوضح مدير مكتب الاونروا في جباليا عبد الحميد الهايل أن "معظم الناس مستعدون لتحمل عواقب هذا النزاع" مؤكدا "منذ سبع سنوات اصبح الفقراء اكثر فقرا والأكواخ هي نفسها فيما تزايد الضيق والبؤس والشقاء"—(أ.ف.ب)