دمشق – (البوابة)
يقول الكاتب والسفير الفلسطيني السابق في عدة دول آسيوية علي فياض بأن وصول المرأة في آسيا الوسطى إلى الحكم جاء ثمرة تضحيات طويلة ومريرة، وقد رصد هذه التجربة في كتاب جديد تحت الطبع، والكتاب يتحدث عن نساء آسيويات حكمن بلادهن في العصر الحديث كما يتعقب خطواتهن، وآليات وصولهن إلى السلطة، والتراجيديات والمآثر التي عرفتها المرأة الآسيوية الحاكمة...
علي فياض، يقول لـ"لبوابة" عن المرأة الآسيوية بأنها خاضعة طوال قرون طويلة للاضطهاد المركّب، من الرجل، ومن الأسرة، من المجتمع، ومن السلطة السياسية، ويتابع : "لكن ما جرى في النصف الثاني من القرن العشرين، شكل ظاهرة ملفتة للانتباه والدهشة، تمثلت في الاقتحام الجريء والناجح للميدان السياسي الخطير، من جانب المرأة الآسيوية التي أظهرت شجاعة وجرأة كبيرتين بل نادرتين".
وعن كتابه يقول فياض:
"لقد تكشفت الظاهرة النسائية في آسيا، وعلاقة المرأة بالسياسة تحديداً، عن إمكانات ومهارات غير عادية لدى المرأة الآسيوية، وعن قدرات فائقة على احتراف العمل السياسي، بكافة أشكاله: إدارة الصراعات ونسج التحالفات وتوجيه التكتيكات وحياكة المؤامرات!.
وإذا كنت أحد المراقبين الذين شدتهم مبكراً هذه الظاهرة ودفعتهم لمتابعتها ودراستها، فإنني أستطيع أن أقطع بعد هذه السنوات، أن حركة المرأة الآسيوية ليست ظاهرة طارئة أو عابرة على المسرح السياسي، بل هي تطور نوعي جديد في الحياة السياسية، فلم يحدث قبل الآن أن تواصلت السلطة النسائية في المعارضة أو في الحكم زماناً ومكاناً على مثل هذه المساحة الكبيرة كما في القارة الأكبر(آسيا).
وبالمزيد من التدقيق والمتابعة لهذا الموضوع الشيق، تأكدت على نحو أكبر بأن علاقة المرأة الآسيوية بالسياسة ظاهرة راسخة جادة، لا يجب النظر إليها باعتبارها حالات مناخية طارئة أو مرضية مؤقتة أو فلولكلورية مسلية، كما لا يجب التعامل معها مجردة معزولة، دون خلفياتها الاجتماعية والثقافية والنفسية التي تستحق دراسة كافية.
قصة المرأة الآسيوية المعاصرة كما عذاباتها وآلامها بدأت مبكراً، لكن دورها ووظيفتها ومهماتها كانت قد شقت طريقاً قبل نضوج أحلامها السلطوية بكثير، لذلك لابد من التمييز بين فصول الظاهرة وتوزيعها على ثلاثة محاور زمنية: زمن الحرب العالمية، وزمن الحرب الباردة وزمن النظام الدولي الراهن".
امرأتان ودوران
ما الذي حدث في زمن الحرب العالمية وما هو حصاد هذه الحرب؟
يجيب علي فياض: "لقد تابعت وقرأت وشاهدت الكثير من الوثائق الثابتة والمتحركة كي أتعرف على مكانة المرأة الآسيوية ودورها في سنوات الحرب العالمية الثانية، عندما كانت آسيا مسرحاً لصراع الضواري، ولم يكن صعباً التمييز بين امرأتين:
المرأة التي كانت طعاماً رخيصاً يلتهمه الجنود اليابانيون في البلدان التي وصلتها أقدامهم في واحدة من أبشع الجرائم في الاضطهاد الجسدي والجنسي التي شهدتها منطقة "الازدهار" الياباني من كوريا شمالاً حتى سنغافورة جنوباً، بعد هزيمة الأميركيين وحلفائهم على جبهة آسيا ـ الباسيفيك.
المرأة التي كانت في صفوف الحركات الوطنية التحررية ومجموعات المقاومة السرية، التي استطاعت أن تقدم نماذج مشرقة سواء في العمل العسكري أو الجهد التنظيمي أو الإداري الاجتماعي، والتي انتزعت من الرجال مجموعة من المكاسب والحقوق.
لذلك كان لابد من التعرض في الدراسة للآثار التي تركتها الحرب العالمية على مكانة المرأة الآسيوية وتطور وضعها في المجتمع والدولة.
ومن المفارقات الطريفة أنه رغم انقضاء أكثر من نصف قرن على نهاية الحرب العالمية الثانية، إلا أن نساء الصين وكوريا والفليبين وفيتنام وسنغافورة مازلن يعانين من آثارها وما زلن يطالبن اليابانيين بالتعويض لهن عما ارتكبوه ضدهن في سنوات شبابهن، رغم أن الزمن قد ترك على وجوههن شهادته القاسية!، فأضاع زهوة الشباب وأبقى مر الذكريات".
ويتابع فياض ليقول عن الزمن الثاني:
"في سنوات الحرب الباردة، ونحن ضحاياها وشهودها في نفس الوقت، شهدت القارة الآسيوية أكثر عروض الصراع بين المعسكرين المتنافسين دموية، وقدمت الشعوب الآسيوية نساءها مع رجالها وقوداً لتلك الحروب الإقليمية والمحلية التي امتدت من الشرق الأقصى (كوريا، الصين والهند الصينية) إلى الجنوب (الهند وباكستان) إلى الجنوب الغربي (البلدان العربية)، لكن موقع المرأة لم يتبدل كثيراً، المرأة الضحية والمرأة المناضلة والمرأة العاملة:
- من ناحية أولى استمرت المرأة الآسيوية طعاماً رخيصاً ولكن هذه المرة للجنود الأميركيين الذين رابطوا وقاتلوا مع حلفائهم المحليين في جنوب شرق آسيا، فكان على الشعب الفيتنامي مثلاً أن يقدم في عاصمته الجنوبية (سايجون) نصف مليون امرأة تمتهن الدعارة لتغطية الحاجة الجنسية لمليون ونصف مليون جندي أميركي وحليف محلي شاركوا في حرب الهند الصينية الأكثر دموية، ثم تحولت عواصم البلدان الديمقراطية المزعومة في بانكوك ومانيلا وسيؤول وهونغ كونغ وتايبيه وسنغافورة حيث القواعد الأميركية والسياحة الرخيصة أسواقاً مفتوحة للجنس والرقيق الأصفر، فتكرست القيمة الاستهلاكية للمرأة باعتبارها سلعة للتداول الذكوري، من فتيات "الجيشا" اليابانية المطيعات، إلى مضيفات "الساونا" البارعات، إلى صبايا "الميكونغ" الرشيقات!.
- ومن ناحية ثانية استمرت المرأة الآسيوية في لعب دور متزايد في العمل الوطني لبلادها، سواء بانتمائها إلى التنظيمات الشيوعية واليسارية الطليعية أو في منظمات الجبهات الوطنية والقومية والإسلامية أو في انخراطها في الوحدات العسكرية وشبه العسكرية، إضافة إلى دورها المتزايد في المجهود الحربي والدفاع المدني.
وقد قامت المرأة على هذا الجانب بمهمات مثيرة في حروب التحرير الوطنية، سواء في إطار العمل السري والفدائي وفي النشاطات الخاصة والاستخبارية، وبرزت نساء تبوأن مراكز قيادية هامة، مثل "تشيانغ شينغ" زوجة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ وزعيمة المعارضة الشيوعية بعد وفاته، ومدام "نجوين بنه" وزيرة خارجية فيتنام التي قارعت ببراعة وزير الخارجية الأميركي الأشهر هنري كيسنجر في مفاوضات باريس، ومدام "نجوين دينه" التي وصلت في القوات الثورية الفيتنامية إلى موقع نائب رئيس الأركان، إضافة إلى عشرات المناضلات اللواتي برزن في سنوات الخصب النضالي.
ومن ناحية ثالثة تضاعفت نسبة مشاركة المرأة في العمل والإنتاج والإدارة عما كانت في المرحلة السابقة، ورغم استمرار تعرضها للاستغلال الاقتصادي والاضطهاد الاجتماعي إلا أنها حققت حضوراً ملموساً في قطاعات الاقتصاد المختلفة ولعبت دوراً في تشكيل ظاهرة "النمور الآسيوية" التنموية.
طبعاً قد يكون هذا التطور النسائي حدث في قارات أخرى غير آسيا وحيث وجد القهر والذل والاستغلال خاصة في أميركا اللاتينية وإفريقيا عندما شاركت المرأة في النضال التحرري، لكن المسألة في آسيا اتخذت شكلاً أوسع وأعمق، وحملت معها مفارقاتها، فالظاهرة الآسيوية تقول:
أولاً: أن المرأة احتلت أيضاً موقعها السياسي المتميز في المعارضة ضد السلطات الديكتاتورية والقمعية، وفي السلطة مع القوى السياسية المحترفة، أكثر مما أتيح للمرأة في القارات الأخرى رغم أن آسيا لم تكن مركز انطلاق حركة تحرر المرأة المعاصرة كما نعلم.
ثانياً: إن المرأة احتلت ذاك الموقع وقامت بذلك الدور المتميز في الأقطار الآسيوية الجنوبية الأكثر تخلفاً. وإذا استثنينا "تانسو تشيلر" في تركيا الأوروآسيوية! تبقى أمامنا سيريلانكا والهند وباكستان وبنغلاديش وبورما.
ثالثاً: أن المرأة الآسيوية تقدمت في البلدان ذات الأغلبية الإسلامية والهندوسية والبوذية ووصلت إلى مراكز الرئاسة، بينما في بلدان متقدمة صناعياً كاليابان وتايوان وكوريا لم تصل إلى أكثر من زعيمة حزبية أو برلمانية نشيطة.."
وحول كيفية وآليات الوصول إلى الزعامة السياسية يقول علي فياض:
"إذاً، إنها القارة الآسيوية المتفردة، خلال العقود القليلة الماضية أوصلت إلى سدة السلطة والرئاسة، بعضاً من صباياها وسيداتها اللواتي كن موضع حسد النساء الأخريات في القارات الأكثر تقدماً وحضارة وتكنولوجياِ!
وكنت أراقب، وأتساءل في كل مرة تنتصر سيدة شرقية: ما هو السر"؟
سر الانتصار
ويجيب فياض بالقول:
"بالإضافة إلى الحق الطبيعي، والطموح المشروع والتوق إلى الشهرة والمجد، كان هناك على الدوام عامل آخر مساعد لكن مهم، وكانت هناك قوة خفية لكن فاعلة تدفع تلك النسوة إلى الأمام، في بعض الأحيان كانت الرغبة في الانتقام للوالد أو الزوج أو الأخ، وفي أحيان أخرى كانت جذوة المراهقة وأحلام الصبا وعشق النضوج، وفي أحيان ثالثة كانت الصدفة، اللحظة التاريخية، القدر، سيد الخطى!.
بالغرام أو بالانتقام أو بالقدر لكن بالإرادة صعدت السيدة الآسيوية إلى القمة: قمة المعارضة كما قمة السلطة، وبينهما كان الفرق كبيراً والطبائع متغيرة.
رأيت السيدة الآسيوية على رأس المعارضة، تأتلف الأحزاب حولها، وتتوارى الزعامات خلف شعبيتها، لتصبح جسراً إلى السلطة!.
رأيت ذات السيدة، في قمة السلطة، تتآمر الأحزاب عليها، وتتلاعب الزعامات خلف ستائرها، ليضيع دمها بين العشائر!.
رأيت السيدة خائفة، مرتبكة، مهجوسة... تستسلم لقدر "القوّامين" عليها، ورأيتها متماسكة، شجاعة، واثقة"
وما ضريبة كل ما سبق، هذا ما يتحدث عنه الكاتب ليقول:
"لا بد من الاعتراف أن المجتمعات الآسيوية المتخلفة قدمت أمثلتها النسائية البارزة التي تستحق كل منها دراسة خاصة بها لأن لكل منها تجربتها الخاصة والفريدة ذات الدروس الغنية والعبر القيمة، والجروح البليغة!، فالظاهرة الآسيوية قدمت لنا:
في الستينات تجربة سيريمافو بندرانيكة في السلطة في سريلانكا بعد وفاة زوجها حيث أصبحت أول رئيسة للوزراء في العالم وقطباً من أقطاب حركة عدم الانحياز والتي واجهت العزل والتآمر والاعتقال أكثر من مرة، واكتشفت أن السياسة لا ترحم لكنها لم تيأس ولم تتراجع وواصلت نجاحاتها عبر ابنتها!.
في السبعينات تجربة أنديرا غاندي في قيادة حزب المؤتمر الهندي الحاكم، والتي استطاعت أن تحكم واحدة من أعرق وأكبر الدول في العالم، والتي دفعت وأولادها ثمن الموقع وبعد وصولها إلى الرئاسة وقعت بين براثن رجال المال ودهاقنة السياسة وجنرالات الجيش، قدمت تجربتها وسلمت السلطة للجنرال لكن في ثياب مدنية!.
وفي الثمانينات أيضاً تبرز بنازير ذو الفقار علي بوتو أحد النماذج الآسيوية المتميزة، والتي شكلت تعبيراً صارخاً عن العلاقة النسائية المعقدة والمكلفة مع العمل السياسي، في المعارضة والسلطة، مع السياسيين والجنرالات، مع الحزبيين والمستقلين، مع الشبان المتحررين والشيوخ المتدينين، وأخيراً تعقيدات العلاقة مع الأم والأشقاء والزوج!
في التسعينات تجربة السيدتين المتصارعتين في بنغلادش الأكثر فقراً وتخلفاً، حسينة واجد ابنة مؤسس الدولة الذي غيّر خارطة المنطقة "الشيخ نجيب الرحمن" الذي دفع حياته ثمناً، وخالدة ضياء أرملة الرئيس الجنرال "ضياء الرحمن"، الذي دفع هو الآخر ثمناً باهظاً لموقعه الرئاسي، ذهب الرجلان المؤسسان، وبقيت النسوة يتصارعن على سلطة الفقر والجوع والأفاعي!.
وفي التسعينات أيضاً تبرز على المسرح السياسي كوماراتونغا ـ شاندريكا السيريلانكية لتصبح ثاني امرأة تحكم بلادها على خطى والدتها، وتكتسح ميغاواتي الإندونيسية الانتخابات بعد سقوط الجنرال سوهارتو، تعيد الاعتبار لوالدها زعيم الاستقلال وتصبح نائبة رئيس الجمهورية الحالي، وتتزعم سان سووكي البورمية، على خطى والدها أيضاً، صبايا المعارضة الآسيوية المشاكسة في صراع عنيد مع العسكر، وتطل عزيزة وان على المشهد السياسي الماليزي بحزبها المعارض دفاعاً عن زوجها المطعون في كرامته، وعن الديمقراطية المهددة بالسلطة المركزية".
ويجدر بالذكر أن الكتاب يشتمل على مقدمة وخمسة فصول عناوينها:
الأول: المرأة في التاريخ السياسي الآسيوي، الخلفية التاريخية
الثاني: دور المرأة الآسيوية في الحركة الاستقلالية والتحررية
الثالث: العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في صعود المرأة.
الرابع: المؤسستان الدينية والعسكرية وحكم المرأة.
الخامس: تجربة المرأة: البصمات ـ الدروس ـ الآفاق.