خرافة المرأة الحاكمة

منشور 08 نيسان / أبريل 2013 - 05:40
زنوبيا- ملكة تدمر
زنوبيا- ملكة تدمر

خالد ابوالخير

 

عدا ليلى شرف التي شغلت حقيبة الإعلام في حكومة أحمد عبيدات الأردنية 1985، واستقالت منها بطريقة مدوية، لم تترك أي امرأة أثرا في الحياة السياسية المحلية. معظم السيدات اللواتي مررن في الحكومات كن مجرد حلية تجميل لها، ليقال إن لدينا امرأة في مقعد وزاري. فقد شغلت عدة نساء وزارات التنمية الاجتماعية والسياحة والثقافة والآثار والتخطيط حتى وزيرة المرأة والناطقة الرسمية باسم الحكومة، لكنهن بمجملهن مررن بها مروراً عادياً، فلا تركن أثرا إيجابيا أو سلبياً ولم يؤثرن في أداء الحكومات.

تبقى مشاركة المرأة في الحكومات بعيدة عن الوزارات السيادية، كالخارجية والداخلية، عداك طبعا عن رئاسة الحكومة.

قد يعكس هذا الواقع عدم ثقة بالمرأة وقدرتها على تولي هكذا مناصب، كما يعكس عدم نضوج المجتمع لتقبل واقع كهذا. بيد أن من المهم طرح السؤال التالي: هل يمكن أن تغير المرأة، وتقدم نموذجاً مختلفا في حال وصلت إلى هكذا مناصب؟

حتى الآن تصرفت كثير من النساء اللواتي وصلن الى مقعد متقدم في بلادهن بطريقة الرجال، بل أحيانا أسوأ من الرجال.

من قائمة النساء اللواتي ارتكبن ما يضعهن في نفس القائمة التي تضم رجالا أشعلوا حروبا عبثية كجورج بوش مثلاً، وطبقن سياسات غير شعبية.. نذكر:

مارغريت تاتشر.

تعتبر رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر الأطول عمرا في هذا المنصب، فقد بقيت في "10 داونينغ ستريت" من سنة 1979 إلى 1990. أما لقبها فكان "المرأة الحديدية" ويا له من لقب مروع.

كان أبوها يمتلك محلا للبقالة! أما أمها فحائكة لملابس السيدات، وبالرغم من نشأتها وحياتها البسيطة المتقشفة إلا أن تربيتها كانت صارمة وشديدة، فخرجت للحياة بشخصية قوية.

شدَّدت أول حكومة لتاتشر (1979 - 1983م) من سياستها النقدية، وسمحت بارتفاع معدل البطالة، وألغت الرقابة على الأسعار. وفي سنة 1982 شنت حربا على الأرجنتين واستعادة السيطرة على جزر فوكلاند المتنازع عليها بين الدولتين، ورغم أن جيشها مني بخسائر كبيرة في تلك الحرب إلا أنها ظهرت بمظهر المرأة القوية والمنتصرة.

دخلت تاتشر في صراع مع نقابات العمال، ورفضت الرضوخ لمطالبهم.

اللقب الاشهر الذي التصق بتاتشر كان "الخطافة" و"سارقة حليب الأطفال" لأنها منعت الحليب المجاني عن طلاب المدارس ببلدها ضمن سياسة التقشف التي اتخذتها.

غونداليزا رايس

مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية الأمريكية، صاحبة مبدأ الفوضى الخلاقة التي فعلت فعلها في منطقتنا العربية، وذات المشاركة المؤثرة في قرار شن الحرب على أفغانستان والعراق التي قتلت مئات آلاف الرجال والنساء والأطفال.

نشأت غونداليزا رايس في منطقة تدعى بيرمينغهام التي تقطنها غالبية من السود، ورغم أنها تعلمت العزف على البيانو وجربت حظها في التزلج ورقص الباليه إلا أن "حظنا العائر" جعلها تأتي الى السياسة.

لا تفتقر كونداليزا الى الذكاء، فقد قبلت في الجامعة في سن الخامسة عشرة، وتخرجت وهي في التاسعة عشرة بنجاح. ونالت بكالوريوس في العلوم السياسية. وتتقن اللغات الانكليزية والروسية والفرنسية والألمانية والإسبانية. والدها كان أُسقفاً وواعظاً، وبروفيسورا يعمل كمستشار بمدرسة ثانوية للزنوج. وعين وكيل جامعة دينفير. وكانت أمها أنجيلينا تعمل مُعلمة. وغونداليزا رايس وحيدة أبويها.

عينها الرئيس جورج بوش الأب مساعداً له في شؤون الأمن القومي، لكن انطلاقتها الحقيقة كانت مع جورج بوش الابن الذي عملت على تدريبه حين كان حاكما لتكساس ليكون رئيسا، ولعل اكبر كذبة أطلقتها عنه هو قولها: "إنه مفكر هائل وعملاق".. تخيلوا؟

ملكة سبأ

ومن النساء الحاكمات الشهيرات ملكة سبأ التي جاء ذكرها في القرآن الكريم كما جاء ذكرها في التوراة.

ومما جاء ذكره في القرآن الكريم قصتها مع النبي سليمان عليه السلام وإسلامها على يديه، وهو خير ما ذكر عنها.

وجاء في الحوليات الأشورية أن نساء حاكمات سدن في شمال الجزيرة العربية، ذكر منهن واحدة اسمها شمس وأخرى باسم زبيبة، وانهن تمردن على الحكم الأشوري، فجردت نينوى حملة على بلادهن.

ومن الحكمات العربيات الشهيرات شجرة الدر التي تأمرت على زوجها عز الدين أيبك بقصد قتله والتخلص منه؛ لأنه عاد الى زوجته الاولى، فأمرت تلك الزوجة جواريها بقتلها بالقباقب. وسبق أن عرضنا قصة شجرة الدر في حلقة سابقة.

سمير أميس

وما دام الحديث عن الأشوريين فلا بأس من ذكر أشهر ملكاتهم "سمور أمات"، أو سمير أميس كما عرفت باللغة الأغريقية.

ولا يوجد الكثير مما يمكن روايته عن هذه الملكة سوى الحكاية الأسطورية التي ألفت حولها، فقد قيل عن ولادتها: "انه انسابت سيول عارمة ذات يوم على منابع نهر الفرات ففاض النهر، وتدفقت مياهه، وخرجت الأسماك تستلقي على الشاطئ، وكانت بين تلك الاسماك سمكتان كبيرتان حيث سبحت السمكتان إلى وسط النهر وبدأتا بدفع بيضة كبيرة طافية على السطح إلى ضفة الفرات، وإذ بحمامة بيضاء كبيرة تهبط من السماء وتحتضن البيضة بعيدا عن مجرى النهر. ورقدت الحمامة على «البيضة» حتى فقست، ومن داخل البيضة خرجت طفلة رائعة الجمال من حولها أسراب من الحمام ترف بعضها عليها بأجنحتها لترد عنها حر النهار وبرد الليل".

ولا نريد أن نواصل سرد الأسطورة لكن المهم أن سمير أميس كبرت وصارت صبية جميلة وشاهدها اونس مستشار للملك، فتزوجها، وصار لهما طفلان هما (هيفاتة) و(هيداسغة).

ولأن سمير أميس كانت ذكية جدا بل فائقة الذكاء كان زوجها يصحبها معه حتى في معاركه الحربية، حيث أثبتت قدراتها كمخططة استراتيجية وحققت النصر للجيش الأشوري.

وفي إحدى المرات صادفها ملك نينوى "نينوس" ففرض على أونس أن يطلقها على أن يزوجه ابنته، لكنه رفض في البداية لشدة تعلقه بها، ثم وافق لكيلا يفقد رأسه وزوجته. فتزوجها الملك. غير أن اونس أنهى حياته بعد فترة لعدم قدرته على نسيانها. وخلفت من الملك طفلاً أسمياه (نيناس). وبعد موت الملك اعتلت العرش كملكة لنينوى عاصمة بلاد النهرين.

حسب الأسطورة، دام حكمها 42 عاما، لكن الواقع أنها كانت تحكم مع زوجها الملك، فقط السنوات الخمس الأخيرة حكمت بمفردها بعد وفاة زوجها. وقد بدأت حكمها ببناء ضريح فخم في نينوى تمجيدا لزوجها الملك (نينوس). لكن الأسطورة لا تذكر أن سمير أميس تذكرت زوجها الأول وأبا أولادها الذي ضحى من أجلها، ولو لمرة واحدة وكأنها تنفي عن النساء طبع الوفاء!

كاترين..

اسمها صوفيا اوجستا، لكن اسم كاترين ولقب الحمراء التصقا بها لكثرة ما سفكت من دماء.

هي ألمانية الاصل تزوجت وهي صبية صغيرة  قيصر روسيا بطرس 41 عاماً الذي كان ذميماً عليلاً وغبياً. في واحدة من الزيجات الملكية المرتبة.

الطموح هو مفتاح شخصية كاترين فحال ما أدركت المآل الذي آلت اليه، كتبت في مذكراتها "لم أكن لأهتم ببطرس أبدا، ولكن اهتمامي كان بالتاج الملكي".

بعد وفاة القيصرة الأم اليزابيث عام 1761، أصبح زوج كاترين قيصراً. ولكن غباءه خلال شهور حكمه الوجيزة أكسبه أعداء كثيرين. ولكراهيته زوجته وخوفه منها كال لها الاتهامات القاسية. وأعلن أنه يود الزواج من غيرها. عندئذ سنحت الفرصة لكاترين فاختطفت بطرس بمعونة أصدقاء لها من البلاط، وأعلنت نفسها امبراطورة رسمية على روسيا، وبكل قسوة سحقت كل من اعترض طريقها. ولم يلبث أن مات بطرس في السجن.. وقيل انه قتل بأمر منها.

حكمت كاترين روسيا 34 عاماً، ازدهرت فيها البلاد ونمت، وبنت المدارس والمستشفيات، كما كانت راعية للفنون والثقافة وارتبطت بعلاقات مع كبار الفلاسفة والأدباء من أمثال الفرنسيين فولتير وديدرو.

تميزت بالنشاط والاهتمام بكل التفاصيل تقريباً، وقادت سعيا إصلاحيا، لكن النبلاء كانوا معارضين للإصلاح، كونهم ملاكي أراض ومن عليها من الناس، وبعد أن وجهت بثورة كبيرة عام 1775، تمكنت من سحقها بقسوة وبكثير من الضحايا، اضطرت لتقديم تنازلات للنبلاء بأن منحتهم سلطانا كبيرا على عبيد الأرض، وسمحت لهم بفرض ضرائب فادحة.

تعرضت لمؤامرتين مهمتين الأولى قادها تحالف من النبلاء والاكليروس "رجال الدين" بهدف إجلاس ابنها بولس الذي بلغ 18 عاما على العرش مكانها، والثانية محاولة إحلال ايفان الرهيب مكانها، لكنها تغلبت على المتأمرين وقتلت ايفان الرهيب. لكنها اكتسبت نقم ابنها عليها.

وفي 1762 أذاعت كاترين على الأمة اعترافاً غير عادي، فقالت:

"إننا نعده واجباً أساسياً وضرورياً أن نعلن للشعب، بحسرة صادقة، أننا سمعنا منذ زمن مديد، وأننا الآن نرى في أفعال ظاهرة للعيان، إلى أي درجة استشرى الفساد في إمبراطوريتنا، بحيث لا يكاد يوجد منصب في الحكومة.. لا تعدو فيه على العدالة عدوى هذا الوباء. فإذا طلب إنسان وظيفة كان عليه أن يدفع ثمنها، وإذا شاء إنسان أن يدفع عن نفسه شر الافتراء، فبالمال، وإذا أراد أن يتهم جاره زوراً وبهتاناً ففي استطاعته بالهدايا أن يضمن نجاح خططه الشريرة".

بخلاف قياصرة سبقوها شهد عصر كاترينا تبدلا جذريا في سياسة الحكومة القيصرية بالنسبة للإسلام وسكان روسيا المسلمين، فقد كانت الإمبراطورة تعبر عن آراء ومواقف الفئة المتنورة من ممثلي الأوساط الحاكمة الروسية الذين أدركوا تماما فشل محاولات السلطات الرسمية الرامية إلى إزاحة الإسلام وإكراه المسلمين على اعتناق المسيحية.

أرهبتها الثورة الفرنسية فقطعت العلاقات مع فرنسا بل منعت كتب فولتير وهي التي كانت راعيته، وحثت الدول الاوروبية على تكوين حلف لمحاربة الثورة الفرنسية، بدون مشاركتها، لكي يخلو لها الميدان لكي تتم ابتلاع بولندا.

ماتت على فراشها، بانفجار شريان في رأسها، لكن أعداءها لم يغفروا لها قط تلك التناقضات بين مزاعمها التحررية وحكمها الاستبدادي، وضيقها بالمعارضة، وإخفاقها في تنفيذ الإصلاح المقترح للقانون الروسي، واستسلامها للنبلاء. 

زنوبيا

جهد أذينة ملك تدمر في محاولة انشاء مملكة عربية منفصلة عن روما، لكن الرومان عرفوا بأمره فأصدروا أمرا لأمراء موالين لهم على رأسهم معن "معينوس" ابن أخ أذينه باغتياله. وهكذا كان.

تولت زنوبيا زوجة أذينة عرش تدمر عام 267 م، وكان عمرها 14 عاماً، باعتبارها صاحبة حضانة ابنهما وهب اللات. وكان أول أوامرها اعتقال معن ومن ساعده، ثم أمرت بإعدامهم على الملأ. سرعان ما سيطرت زنوبيا على مملكتها الواسعة وفرضت هيبتها على تدمر.

ازدهرت تدمر في عهدها وامتد نفوذ المملكة الصحراوية على جزء كبير من الشرق، ثم أخذت بالتوسع حالمة بامبراطورية تضاهي روما قوة وسعة، حتى سيطرت على سوريا كلها وامتدت حدودها من البوسفور الى النيل.

التوسع التدمري قوبل باعتراف روما بها، مما دعا الإمبراطور الروماني أورليانوس للتفاوض مع زنوبيا لتأمين حدود امبراطوريته ولوقف زحف جيوش تدمر مقابل الاعتراف بألقاب ابنها وامتيازاته الملكية.

أصدرت الملكة زنوبيا العملة الخاصة بتدمر وصكت النقود في إنطاكية وطبعت عليها صورة وهب اللات على وجه وعلى الوجه الثاني صورة الإمبراطور أورليانوس، وأزالت من النقود صورة الإمبراطور، مميزة النقود السورية التدمرية عن نقود روما، لكن اروليانوس الذي ما فتئ يخشى التوسع التدمري صمم على التصدي لها.

في سنة 271م أرسلت روما جيشاً قويا مجهزاً إلى أطراف المملكة وجيشاً آخر بقيادة الإمبراطور أورليانوس نفسه توجه به إلى سوريا وآسيا الصغرى ليلتقي الجيشان وتدور معركة كبيرة بين مملكة تدمر والامبراطورية الرومانية، لكن هزيمة جيشها في مصر جعلها تنسحب لتدمر، فتقدم أورليانوس إلى تدمر وحاصر أسوارها المنيعة حصاراً محكما، وكانت زنوبيا حصنت المدينة ووضعت على كل برج من أبراج السور اثنين أو ثلاثة من المجانيق تقذف بالحجارة المهاجمين لأسوارها وتمطرهم بقذائف النفط الملتهبة، وقاومت الغزاة بشجاعة معلنة القتال حتى الموت دفاعا عن مملكتها. عرض أورليانوس عليها الاستسلام والخروج سالمة من المدينة التي لن تمس، لكنها رفضت ووضعت خطة وحاولت إعادة الالتفاف على جيش اورليانس فتحصنت بالقرب من نهر الفرات إلا أنها وبعد معارك ضارية وقعت في الأسر.

وقيل إن زنوبيا هذه الملكة التي بلغت شأواً عظيماً انتحرت  في الاسر، وقيل ايضاً ان اورليانوس قبض عليها وأحسن معاملتها وماتت في روما بعد عامين من ذلك في ظروف غامضة.

كليوبترا

هي كليوبترا السابعة والأكثر شهرة، ولدت العام 69 قبل الميلاد، ابنة الملك بطليموس الثاني عشر، انتقل بعد وفاة والدها العرش إليها وأخيها الصغير، بطليموس الثالث عشر بالمشاركة.

ومن المعروف أن كليوباترا ابنة الـ18عامًا كانت تكبر شقيقها بنحو ثماني سنوات، فأصبحت هي الحاكم المهيمن. لكن بطليموس الثالث عشر لم يلبث ان  وقع تحت تأثير مستشاريه الذين عملوا على إبعاد كليوبترا وطردها من الإسكندرية للانفراد بالسلطة.

هذا التطور جعل كليوبترا ترى انها في حاجة لدعم الرومان، أو بشكل أكثر تحديدا دعم قيصر، إذا كان عليها استعادة العرش وحدها. فتقربت من يوليوس قيصر وأقنعته بشرعية قضيتها فناصرها وقرر الوقوف إلى جانبها وإعادتها إلى عرش مصر. لكن أوصياء أخيها حرّضوا جماهير الإسكندرية ضد كليوبترا، وزحف الجيش الموالي لهم وحاصروا قيصر وكليوبترا في القصر الملكي، فبدأت حرب الإسكندرية التي حسمها يوليوس قيصر في مطلع عام 47 ق.م وانتهت بمقتل الملك بطليموس الثالث عشر وأعوانه.

عادت كيلوبترا الى العرش غير آبهة بدماء أخيها التي أريقت، وتحت حماية يوليوس قيصر الذي لم يلبث أن قتل هو الآخر في المؤامرة الشهيرة.

دخلت كليوبترا دهاليز السياسة وحاولت جهدها أن تكون الملكة، وفعلت كل شيء في سبيل تحقيق غرضها، بما في ذلك العلاقة التي ربطتها مع القائد الروماني مارك انتوني، الذي هزمت وإياه في معركة اكتيوم مقابل جيش روماني عرمرم. وانتحرت بعدها بتجرع السم او بقرصة افعى. .. وبعد.

تلك مجرد سطور من حكاية النساء في الحكم، دون أي بينة على قدرتهن على خط سياسة جديدة، أو إظهار تميز عن نظرائهن من الرجال، إذ يبدو أن النساء والرجال في السياسة سواء.


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك