عمان-بسام العنتري
اندفعت الى سطح القلق المتنامي في المنطقة بفعل الاحداث المسرعة باتجاه التدهور، وربما الانفجار، على الصعيد الفلسطيني، اسئلة لم تكن لتطرح من قبل، وتكهنات ربما كان اطلاقها ضربا من الرجم بغير المعقول قبل يتم "سجن" ياسر عرفات في رام الله، وتعيد اسرائيل احتلال المدن الفلسطينية الواحدة تلو الاخرى، وامام ناظريه.
وتمحورت الاسئلة حول المصير الذي سيؤول اليه اول رئيس لفلسطين في التاريخ..ومثل هذه الاسئلة، حاولت تقارير صحفية عديدة تقديم الاجابة عليها، وكان اولها تقرير اوردته صحيفة يديعوت احرونوت مطلع الاسبوع، وتحدث عن ان عرفات يدرس الاستقالة من منصبه "بعد ان وصل الوضع السياسي الى طريق مسدودة، واشتد التغاضي العالمي عن الاعتداءات الاسرائيلية ضد الفلسطينيين.
ولكن سياسيين ومحللين تحدثوا لـ"البوابة"، استبعدوا تماما صحة مثل هذه المعلومات، التي قالوا ان اسرائيل تقف وراء تسريبها، وادرجوها ضمن اطار المحاولات الاسرائيلية الرامية الى ممارسة المزيد من الضغط على عرفات "لقبول ما يملى عليه"، وكذلك لزعزعة مكانته في نفس الشعب الفلسطيني، الذي يرى فيه "رمزا للنضال ومقاومة الاحتلال".
وكانت يديعوت احرونوت نسبت معلومات تقريرها لمصادر فلسطينية لم تحددها، اكدت ان الأوساط المقربة من عرفات "تجري في الاونة عملية دراسة لإمكانية أن يوجه خطابا خاصا للشعب الفلسطيني، يعلن فيه عن استقالته من منصبه، ذلك لأن الوضع السياسي وصل الى طريق مسدود".
ولفتت مصادر الصحيفة في معرض كشفها عن هذه المعلومات الى ما وصفته بـ "إشاعات تقول بأن عرفات قد أعد تسجيلا لخطابه، وهو يفكر حاليا ببثه أم لا".
وفي جانب اخر، فقد تم تداول معلومات تحدثت عن ان وزير الخارجية اليوناني اندرياس باباندريو، الذي هاتف عرفات وشارون الاسبوع الماضي بطلب من نظيره الاميركي كولن باول، لم يعرض وساطة طلب الاخير اليه بذلها، كما اعلن في حينه، وانما حمل الى عرفات عرضا اميركيا تضمن تقديم استقالته، والقبول طوعا بالخروج الى المنفى الاخير، والذي تتكفل اليونان بتوفيره عن رحابة صدر.
هذه المعلومات، وصفها السياسيون والباحثون في حديثهم للبوابة بانها لا تمت لارض الحقيقة بصلة، وصنفوها بالاجماع ضمن قائمة المعلومات التي تسربها الحكومة الاسرائيلية في ذات سياق مسعاها لزعزعة عرفات.
طلب الصانع
هذه التقارير وبخاصة التي تحدثت منها عن دراسة عرفات خيار التنحي، سارع العضو العربي في الكنيست الاسرائيلي، طلب الصانع، الى ادراجها ضمن ما وصفه من "المحاولات الإسرائيلية المتواصلة والرامية للمس بمكانته، وزعزعة صورته أمام شعبه الذي يرى فيه رمزاً لمقاومة الاحتلال".
وقال "أن إسرائيل، التي ترى في عرفات ورمزيته بالنسبة للنضال الفلسطيني،عقبه في وجه استمرار احتلالها، تحاول من خلال المس بمكانته انهاءه، ان لم يكن جسديا،ً فسياسيا"، وذلك على امل ان ينعكس هذا على شكل وزخم نضال الفلسطينيين.
وقال "ان مثل هذه التقارير، إلى جانب الممارسات الإسرائيلية، ترمي في مجملها إلى زعزعة مكانة عرفات لدى الفلسطينيين، وزرع الاحساس في ضميرهم بأن مشكلتهم لا تكمن في الحكومة الإسرائيلية وإنما في القيادة الفلسطينية، هذا الى جانب محاولة دق الإسافين بين القيادة والشعب، وأيضاً بين أركان القيادة نفسها".
الى ذلك، واعرب العضو العربي في الكنيست عن اعتقاده بان "على عرفات البقاء في موقعه مهما كان الثمن، ذلك أن الخروج يعني الهروب وإعطاء إسرائيل الفرصة لتمرير مخططاتها، ومحاولة تنصيب قيادات تكون العوبة بيد الحكم العسكري الإسرائيلي".
وقال "ان خروج عرفات، سيعني حتماً إدخال المنطقة في حالة أشبه بما ألت إليه الأمور عقب خروجه من لبنان"، وذلك في اشارة إلى الاقتتال الدموي الذي نشب بين الفصائل اللبنانية، وكذلك مجزرة صبرا وشاتيلا التي دبرها آرئيل شارون.
وفي ما يتعلق باحتمال أن يكون عرفات قد وضع ضمن خياراته الخروج من فلسطين وإعادة كرة المقاومة من الخارج مجددا، فقد رأى الصانع "أن الواقع الدولي قد تغير كلياً عما كان عليه أبان المقاومة المسلحة، فحينها كان هناك قطبان في العالم، واليوم هناك قطب واحد يفر ض هيمنته على العالم، إلى جانب أن الأوضاع في الدول العربية، قد تغيرت بحيث لم تعد هناك دولة عربية يمكن أن تسمح للفلسطينيين بالانطلاق من أراضيها في مقاومتهم للاحتلال".
وديع أو نصار
ومن ناحيته، استبعد المحلل السياسي الفلسطيني وديع ابو نصار احتمال أن يقدم عرفات استقالته، وقال" انه ليس من النوعية التي تهرب من أرض المعركة".
واضاف " لقد مر عرفات في السابق بظروف اصعب بكثير من الظروف التي يمر بها حاليا، ولا يجب أن ننسى أيام حصار بيروت، والتي كانت أصعب بأضعاف، وبرغم ذلك لم يهرب".
وفيما يتعلق بالتقارير حول احتمال استقالة عرفات، فقد نظر اليها ابو نصار على انها "مجرد بالونات اختبار، تطلقها جهات فلسطينية من جهة، فيما تجسد أمنيات إسرائيلية من جهة أخرى".
وفي الوقت الذي توقع ابو نصار "أن استقالة عرفات أن حدثت، ستتسبب بالإضرار بكافة الأطراف"، فقد اتفق مع ما ذهبت إليه تقارير صحفية من أن عرفات قد تم هجره من قبل العالم، وترك يلقى مصيره وحيداً في مواجهة شارون.
وقال في هذا الصدد "أن هناك صمتاً عربياً رهيباً إزاء ما يحدث لعرفات، حتى أن بعض القيادات العربية تتجنب حتى مجرد الاتصال به ولو هاتفيا،ً للإطلاع على وضعه".
وتساءل في السياق حول ما إذا كان الواقع الذي يعيشه عرفات "يلقى ارتياحا لدى بعض الدول العربية، أم أنه يعبر عن عدم قدرة هذه الدول على فعل شي له؟"
إلى هنا، واستبعد المحلل السياسي الفلسطيني صحة تقارير تحدثت عن ان باباندريو اتصل بعرفات وشارون بطلب من باول، وذلك لكي يمهد لاقناع الرئيس الفلسطيني بالتنحي، وليعرض عليه استضافته في منفاه الاخير في اليونان.
وقال مفندا مثل هذه المعلومات ان "عرفات ما زال في نظر الأميركيين وغيرهم، الرئيس الفلسطيني الشرعي، كما أن واشنطن تعلم جيدا أن البدائل المطروحة لعرفات أضعف منه بكثير".
واضاف ان "الأميركين إذا كانوا يبحثون عن المزيد من المتاعب والمشاكل، فسيكونون جادين في مثل هذا الطرح.. وبتقديري أن هذه المعلومات لا تعدو كونها مناورات إضافية تهدف لممارسة المزيد من الضغط على عرفات".
وحول رؤيته لما يمكن أن تؤول اليه الأوضاع على فرض استقالة عرفات، فقد تنبأ ابو نصار بحصول "فراغ قيادي هائل داخل هيكلية القيادة الفلسطينية وذلك في ضوء أن أياً من القيادات الفلسطينية سوف لن تحاول عرض نفسها لأخذ مكانه، هذا من ناحية، آما من الناحية الثانية، فإن إسرائيل ستجد نفسها مضطرة لخوض حرب عصابات مع الشعب الفلسطيني".
ومن هذا المنطلق، فإن أبو نصار يؤكد أن أوساطاً سياسية إسرائيلية عديدة ترفض فكرة اقصاء عرفات، لما تراه من أن هذه الخطوة ستحمل ضررا أكبر مما يمكن أن تجلبه من فائدة لإسرائيل".
غازي السعدي
وفي اطار تحليله ورؤيته لما ورد في تقرير يديعوت أحرونوت حول استقالة عرفات، فان الباحث المتخصص في الشؤون الاسرائيلية غازي السعدي، يقدم خلاصة ما استنتجه وهو ان التقرير "لا أساس له من الصحة".
وزاد السعدي ان "المقصود من التقرير هو تهيئة الأجواء ضمن المسلسل الإسرائيلي الذي بدأه شارون منذ وصوله إلى الحكم قبل حوالي السنة، للتخلص من اتفاقيات أوسلو، وجميع الاتفاقيات الموقعة، والتي تعتمد على قراري 242 و338".
وقال "أن الحكومة الإسرائيلية، ومن أجل تنفيذ هذه المخطط ترى، أنها بحاجة إلى التخلص من ياسر عرفات الذي يشكل رمزاً للشرعية الفلسطينية، وبشتى الوسائل والطرق، ومنها محاصرته في رام الله، ومحاولة قطع جميع اتصالاته بالخارج، ثم إطلاق الشائعات والبالونات الاختبارية".
واضاف "إن إسرائيل، وفي صعيد أخر، تسعى الى تهيئة الرأي العام الفلسطينيي والعربي لاحتمال التخلص من عرفات".
الى هنا، وتناول السعدي حالة الصمت العربي ازاء ما يحدث لعرفات، وقال "أن العرب، وعلى ما يبدو، يعتقدون أن تنحي عرفات أو أقالته يرحمهم من المسؤولية الملقاة على عاتقهم تجاه القضية الفلسطينية، وهو ما يمكن أن يفسر حالة الصمت التي يبدو حيال ما يجري لعرفات".
وانتهى الباحث المتخصص في الشان الاسرائيلي الى الاعراب عن توقعه بان "عرفات سيستمر في المواجهة"، مضيفا ان "احتمال استقالته غير وارد".—(البوابة)