خيارات عرفات المصيرية

تاريخ النشر: 05 مايو 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

البوابة- إيـاد خليفة 

شكك عدد من المحللين السياسيين العرب في الخطوات الإصلاحية التي تحدثت عنها قيادة السلطة الوطنية، وأجمع أغلب هؤلاء المحللين "للبوابة" على أن عدم اتخاذ الخطوات المناسبة في المشروع الفلسطيني المذكور ليس نابعا من عدم رغبة الرئيس الفلسطيني وقيادته من الإصلاح وإنما من الظروف الدولية والضغوطات الخارجية، بحيث أصبح الرئيس عرفات بين فكي كماشة داخلية تتمثل بمطالب الشارع بالإصلاح ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب وخارجية تريد تفصيل قيادة فلسطينية على مقاس الرغبات الأميركية والأمنية الإسرائيلية. 

إلا أن شبه إجماع كان في تدخلات المحللين يفيد بأن الرئيس عرفات سيخرج من فكي الكماشة باصطلاحات محدودة إلى حين هبوب الرياح المناسبة لإكمال العملية. 

يقول المحلل السياسي غسان الخطيب إن الرئيس عرفات لن يغير الشيء الكثير، حيث إن موازين القوى ليست في صالحه، بالتالي فعملية التغيير ستضعه في إحراجات كثيرة مع جهات لا تسعى إلى الأفضل بالنسبة للصالح الفلسطيني، وفي تقديري لن يكون هناك أمور كثيرة في هذا المجال، والآن القيادة الفلسطينية في وضع ضعيف نسبيا بسبب الضغوطات الإسرائيلية الشديدة وتعاظم الضغوطات الأميركية. 

ويرى الخطيب أن السلطة الفلسطينية مدمرة من جهة البنية التحتية، ولإعادة البناء فهي بأمس الحاجة للمساعدات الخارجية من طرف المانحين والتي ستكون بانتظار نوعية هذا التغيير. 

لذلك يقول غسان الخطيب ربما يكون المخرج بالنسبة للرئيس الفلسطيني هو إبقاء الوضع على ما هو عليه بانتظار ظروف مواتية أكثر للتصليح حسب الرغبة الفلسطينية وخاصة رغبة الشريحة الأكثر إخلاصا للقضية. 

إلا أن الشارع الفلسطيني يأمل بعد العدوان الأخير عليه بالإصلاح وضغط الشارع لن يكون سهلا على القيادة الفلسطينية ففي أحلك الظروف ظل متمسكا بالرئيس عرفات وأحبط مؤامرات خلق قيادة بديلة بالتالي فمن حقه أيضا الحصول على ما يأمل؟ 

يجيب الخطيب "نعم يطلب الكثير في هذا المجال وقد يكون التغيير القادم غير مريح له، لأن ظروف الرئيس عرفات لن تسمح له بالاستجابة لمطالب هذا الشارع في هذه المرحلة تحديدا، وربما الوضع الداخلي ليس في أفضل حالاته، فبالتوازي مع المطالبة بالتغيير فإنه لا يوجد حركة منسجمة تشير إلى المطلوب، فكل جهة وكل شخص يريد تغييرا معينا، وهذا مضعف بالتالي.  

هذه أمور تدعوني للتوقع بأنه لن يكون هناك تغيير، وهذه ليست المرة الأولى التي يطالب فيها شعب عربي بالتغيير ولا يحصل ونحن جزء من العالم العربي. 

أما غازي السعدي الخبير في الشؤون الإسرائيلية فيؤكد على أن هناك ضرورة ملحة ومنذ زمن طويل للإصلاح وإعادة تقييم الأوضاع، وقد أصبحت الأمور أكثر إلحاحا بعد الاجتياح الإسرائيلي الأخير والذي أظهر ثغرات كثيرة، أهمها تجسد بالفارق الشاسع بين القيادة والمواطنين، كما أن هناك حساسية بين سكان الضفة والقطاع الأصليين وبين الكوادر التي عادت إلى البلاد بعد اتفاق أوسلو. 

وهناك حديث عن قضايا مالية وفساد وشخصنة وعدم التنسيق بين المسؤولين السياسيين والأمنيين. وظهرت هذه الخلافات جليا عند اجتياح رام الله، كما ظهرت الخلافات بين قائدي الأمن الوقائي في الضفة وغزة، بالتالي هناك حاجة ماسة لوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وأن تكون هناك قيادة جماعية أكثر وديمقراطية أوسع كي تستطيع مراقبة سير العمل، سواء على الصعيد الأمني أو الصعيد الوطني ومتابعة نشاطات الإدارات والأجهزة الأمنية. والمراقبة ضرورية جدا وأعتقد أن هذه المرحلة أيضا تتطلب حكومة مقلصة من حيث العدد، وأن تكون الحكومة مهنية أكثر منها سياسية كي تأخذ بمصالح المواطنين إلى الأمام وتستطيع إعمار ما تم تدميره وإنعاش الوضع الاقتصادي، وإذا كان جميع الفلسطينيين متضامنين مع سلطتهم أثناء الاجتياح الإسرائيلي، والجميع قاتل ضد هذا الاجتياح، فالآن هناك حاجة ماسة كي يشعر المواطنون بتحسين ظروفهم وأوضاعهم المعيشية والأمنية. 

لكن هل تستطيع القيادة الفلسطينية تخطي الضغوطات الأميركية والإسرائيلية في ظل الضعف الذي خرجت به من العدوان الأخير؟ 

يقول غازي السعدي "أعتقد أن ميزان الشارع الفلسطيني ورغباته في التغيير أهم من الموازين الخارجية"، ويضيف السعدي: "ومن المهم جدا أن يكون المسؤولون الجدد في السلطة أصحاب أياد بيضاء ولهم سمعتهم وأمانتهم". 

ويتفق مصطفى البرغوثي مع السعدي في نقطة ضرورة إعطاء أل أولوية لرغبات الشارع الفلسطيني ويقول:  

"الإصلاح يجب أن يتم وفق أجندة فلسطينية وبهدف فلسطيني، ولذلك فالإصلاح الوحيد الذي يمكن أن يكون مقبولا هو الإصلاح بروح كفاحية من أجل تعزيز الصمود الوطني" 

ويحدد البرغوثي بدوره المطلوب شعبيا ويقول "بناء نظام قضائي مستقل مع حرية التعبير وفصل السلطات مع انتخابات نيابية حرة وديمقراطية لكل المؤسسات الفلسطينية، هذا ما يمكن أن ينظر إليه الشعب الفلسطيني". 

وبالنسبة للأجهزة الأمنية فهي بحاجة إلى إصلاح أيضا.. فوظيفتها حماية المواطن وتوفير الأمن له وليس التنسيق الأمني وحماية الإسرائيليين.. هذه الأجهزة يجب أن تخضع لسيادة القانون وهذا شيء أكيد. 

ويؤكد مصطفى البرغوثي أنه وفي ظل هذه الظروف فإن الرئيس عرفات باستطاعته بناء إصلاح حقيقي وبناء سياسة واضحة.. وقال إن على السلطة التخلي عن ازدواجية الخطاب السياسي وهذا من خلال إنشاء قيادة طوارئ وطنية موحدة تدير عمليات الإصلاح والبناء الداخلي وأيضا تدير الكفاح الوطني الفلسطيني وبلغة واحدة فـ الازدواجية في الخطاب السياسي أتاحت للكثير من القوى الخارجية لأن تتدخل في الشأن الفلسطيني.. وآن الأوان لإنهاء هذه الازدواجية.. ويجب أن يدار كل شيء من مركز واضح والمركز الوحيد الذي يمكن أن يدير الأمور بطريقة تخدم الشعب الفلسطيني هو إنشاء قيادة طوارئ وطنية موحدة وبأسرع وقت ممكن. 

من جهته يرى وديع أبو نصار أنه وعلى مدى المراحل الماضية كان هناك استياء في الشارع الفلسطيني على مستويين اثنين: 

المستوى الأول يتركز بالاستياء من الأداء الإداري في السلطة الوطنية الفلسطينية وقد ظهر ذلك في الداخل وفي الخارج أيضا، والمقصود بالخارج هنا هي الدول المانحة في ظل سوء الأداة والفساد في الكثير من دوائر السلطة الفلسطينية، في المقابل وبينما كان هناك استياء إسرائيلي معلن كان في الظل استغلال لهذه النقطة وخاصة من طرف الليكود واليمين لتشويه صورة القيادة الفلسطينية في الغرب. 

أما النقطة الثانية فكان الأداء السياسي ففي حين كان الفلسطينيون يطالبون بأداء سياسي أنجع بمفهوم أن على السلطة أن تطرح استراتيجية عمل واضحة وآلية عمل متزنة كان هناك تعدد الوفود المفاوضة واللقاءات السرية المتعددة بحيث لا تعلم يمينك ما تفعله شمالك. 

وفي هذه الغضون يطالب الأميركيون والإسرائيليون بسلطة تكون بمثابة "الختم المطاطي" تنفذ ما يطلب منها من تل أبيب وواشنطن. 

ويعود أبو نصار للاتفاق مع الآراء التي تتحدث عن خطوات محدودة في الإصلاح تماشيا مع الظروف الخارجية والتي ستكون بطبيعة الحال على حساب الشارع الفلسطيني ومطالبه ويقول: "بتقديري سيحاول عرفات المناورة بين مطلب الداخل ومطلب الخارج وأعتقد أن خطواته القادمة ستحدد في تعديل وزاري وتغييرات في بعض الأشخاص في سياق إعادة ترتيب الأجهزة الأمنية وبعض الطواقم المفاوضة". 

ويستبعد ابن نصار أن يكون هناك تغيير في استراتيجية التفاوض ويقول إن الرئيس عرفات هو زعيم للعالم الفلسطيني وطالما هو موجود فلن يكون هناك تغييرات جوهرية سواء على صعيد الأداء السياسي أو الصعيد الإداري، لأن أي تغيير جذري مرتبط بتغيير القيادة، وهذا غير وارد في الوقت الحاضر على أقل تقدير، وإن كان هناك تغييرات فإنها لن تتعدى التغييرات الشكلية وعلى صعيد الأجهزة الأمنية مثلا إحدى الأفكار المطروحة تسمية العقيد محمد دحلان المنسق الأعلى للأجهزة الأمنية الفلسطينية وتقديم بعض المسؤولين للمحاكمة بتهمة سوء الإدارة أو الفساد. 

ويختم أبو نصار تصريحه "للبوابة" بالقول إن هذه الخطوات ستكون وسيلة لإسكات الرأي العام الداخلي والخارجي.—(البوابة)