دجلة .. نهر يموت بغير كثير جلبة- خالد أبو الخير

منشور 13 شباط / فبراير 2018 - 02:04
خالد أبو الخير
خالد أبو الخير

"كارثة".. كلمة عنونت بها وكالات انباء توقف نهر دجلة عن الجريان، بشكل تام، في مدينة المجر الكبير بمحافظة ميسان.

 

 وما لم يقله الخبر، أن النهر ذي الهوى الجنوبي، ما عاد قادراً على إكمال المسير الذي استمر الالاف الأعوام، ليلتقي رفيقه الفرات في مدينة القرنة " 375 كم جنوب بغداد" فيمتزجا ليكونا شط العرب.. وينفتحا دفقاً تجاه الخليج، الذي قال فيه السياب :" خليج يا خليج.. يا واهب المحار والردى".

 

شراع دجلة

ما عاد ممكنا أن ينشد المنشدون، بيت شوقي:" يا شراعاً وراء دجلة يجري"، بعد ان لم يعد هناك شراعاً يرى، ولا نهراً يجري، في بلد قصفت فيه كل الاشرعة والشعر والأنهر أيضاً.

 

من ينزل إلى مجراه الآن، ويغوص في الطمي والطين، سيصعب عليه تذكر تدفق مائه العذب، وسحر اصيله، والذين مروا به، وغابوا.. والنخيل الذي يظلل سيره ويرميه، بتواضع العارفين، بطازج الثمر.

 

حين قدم أبو العلاء المعري من الشام إلى أرض السواد " كما كان العرب يسمون العراق " أنشد بعد ان آخذ دجلة بلبه، والنخيلا:

 

كلفنا بالعراق ونحن شرخ فلم نلمم به إلا كهـــولا

 

وردنا ماء دجـلة خير ماء وزرنا اشرف الشجر النخيلا

 

بالامس أعلن قضاء مدينة المجر الكبير بمحافظة ميسان جنوبي العراق، عن توقف جريان نهر دجلة في القضاء، محذرا من كارثة تهدد حياة المواطنين، بل وتهدد الحضارة نفسها.

 

على شطه نشأت أولى الحضارات

 

ينبع نهر دجلة، وشقيقه الفرات، اللذان اخذ العراق منهما تسمية " أرض الرافدين" من جبال طوروس في تركيا.

 

وإذا كان الفرات تميز بقوة مائه وسرعة جريانه وفيضاناته، فإن دجلة تميز بعذوبته، وهو الأمر الذي حدا بالسومريين إلى انشاء حضارتهم على شاطئيه، أولى الحضارات، حوالي 4 الاف سنة قبل الميلاد، وعلى ضفافه أنشأوا عاصمتهم لجش.

اسطورة النهر

تقول الاسطورة أن الإله أنكي حفر مجريا نهري دجلة والفرات بما يشبه أنهار الفردوس، ليجعل أرض الرافدين أحد جنان السماء على الأرض ولتزدهر الحياة على ضفافهما.

 

وفي العصر الاسلامي، إختار ابو جعفر المنصور النهر ليبني على ضفتيه مدينة بغداد، دار السلام.

 

يبلغ طول دجلة 1.718 كيلومتراً، منها 1400 كم في العراق، وتدفقه 1500م³ لكل ثانية، ومسطحه المائي 375000كم²، ومن روافده نهر الزاب الكبير، ونهر الزاب الصغير، ونهر الخابور، ونهر ديالي، والنهر العظيم، وتقع على شاطئه مدن الموصل، بيجي، تكريت، سامراء، بغداد، الكوت، المدائن، العمارة والقرنة.

 

أخطار تحدق بالنهر

 

بدات الأزمة بشأن نهري دجلة والفرات عام 1918، بهزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، حين خرج النهران من معطف الامبراطورية العثمانية، فقبل ذلك التاريخ كان النهران الرئيسيان في العراق يعتبران أنهاراً وطنية لأنهما كانا تحت السيادة العثمانية وبعد هذا التاريخ صارا نهران دوليان.

 

ويقول الخبير في الموارد المائية منذر خدام في تصريحات صحفية :ان المشكلة تتمثل في أن تركيا لا تعترف بهذا الطابع الدولي لهذين النهرين، وترى انه نظراً لأن مواردهما تاتي من تركيا فمن حقها أن تستثمر هذه المياه وفق مصالحها الخاصة".

سوء فهم تركي -عراقي

عملت تركيا على انشاء العديد من السدود على النهرين، من أكبرها سد اتاتورك الذي عارضته في حينه كل من العراق وسوريا لتاثيره على تدفق مياه النهرين، وهي الان في طور انشاء مشروع (GAP) العملاق " مشروع احياء منطقة جنوب شرق الاناضول" ومن ضمنه سد اليسو على نهر دجلة، الذي تقول وزارة المياه العراقية انه سيحرم (696) الف هكتار من الاراضي الزراعية العراقية من المياه، ويخفض الوارد المائي بمقدار (11) مليار متر مكعب.

وتتهم الوزارة الحكومة التركية بالتعنت في موقفها من موضوع السدود العملاقة التي انشاتها عموماً، وسد اليسو تحديداً، وهي السدود التي استنزفت الحصة المائية للعراق بشكل شبه كامل.

 

وعندما بحث رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان موضوع السد، أجاب اردوغان ان "بالامكان انشاء سد مشترك لتوفير بعض الماء للعراق".

يبدو أن ثمة سوء فهم تركي عراقي في هذه المسألة أو أكثر؛ وبسببه "تتعرض محافظات جنوبي العراق إلى أزمة مياه هي الأكثر سوءا منذ سنوات وباتت تهدد بتوقف مشاريع المياه الصالحة للشرب بعد أن أثرت بشكل كبير على جميع الأنشطة الزراعية في المحافظات التي تعتمد على مياه نهري دجلة والفرات" وفق تقرير، للمفارقة فقط، لوكالة الاناضول.

ماذا لم يجف بعد..؟

.. في ظل حكومات ضعيفة، وبلد ممزق، تتكاثر فيه الصراعات، وموقف عربي " هزيل"، وليس في افضل احواله، واستمرار سوء الفهم العراقي التركي، يجف دجلة عن الجريان.. ما يطرح السؤال: ماذا لم يجف بعد يا عراق!.

  • عن موقع ضد الارهاب

مواضيع ممكن أن تعجبك