سأحدثكم الليلة عن خصلتين قويتين بائنتين ثابتتين ، من خصال الشاعر عبد الوهاب البياتي ، الذي أدركتُهُ في عمّان سنوات عيشه فيها ، حتى مغادرته المدينة صوب دمشق ، في تسعينيات القرن البائد وأعوام الرمادة والقحط .
كنت سهيرهُ وجليسه ونديمه وثلة صحبٍ يقوم هو باصطفائهم ، مع بدء الرحلة اليومية من جاليري الفينيق حتى حانة الياسمين ، المشتولة بخاصرة شارع وصفي التل ، الذي ما زالت الناس هنا تحتفظ بتسميته القديمة الجاردنز .
أما الصفة الأولى فكانت أناقته ، التي تشبه كثيراً أناقة صديقه الروائي فؤاد التكرلي .
كان يختار ملابسه بدقة عالية ، فكل قطعة فيها ستكون منسجمة مع الأخريات ، بما في ذلك الجورب والشال الذي يستعمله بليالي برد عمّان .
عطره الرائع كان فخماً من دكان ” أبو شقرة ” المجاور ، وكان يحرص على حلاقة وجهه بصورة يومية ، وفي هذا الباب كان يحثني على تجريب وجهٍ بلا لحية كثة ، فأضحك وأقول له إن ذلك لن يحدث أبداً ، ولم أكن أدري ان الشاعر كان يخطط لنزع لحيتي ، وقد نجح في ذلك بمعاونة من النادل صلاح المصري ، وفي ليلة باردة كنا كرعنا فيها بحر عرقٍ وجبل ذكريات معتقات ليست مشتركات ، تعزف كلها على سلّم بغداد العزيزة ، التي كانت تئن تحت جبل الحصار المجرم الأسود الذي فرضه الوحوش الأمريكان والإنجليز .
من أشكال ملبسه الثابتة النابتة ، هي أنني لم أره يوماً وهو يلبس قميصاً ليس فوقه جاكيت ، حتى في أيام الصيف ، وكان ينوع في ذلك بين البدلة الكاملة ، ولبس السبورت الجميل .
حذاؤه لامعة على الدوام ، وأظافره مقلمة ، وشعره مقصوص ومشذب ، حتى يخال للناظر أن أبا عليّ ، يقوم بغزوةٍ لدكان الحلاق كل ثلاثة أيام .
أما خصلته العزيزة الثانية ، فهي أن لا أحد من الغائبين قد سلم من لسانه السليط ، حتى لو كان من حجم الشاعر محمد مهدي الجواهري ، حيث كان يتلذذ بوجهٍ مضيء مائل الى حمرة العوافي ، وهو يقص على جلّاس ليلته ، واقعة تقبيل الجواهريّ لقدم علي خامنئي بطهران .
واذا كان منزعجاً من أحد الجالسين الذين فرضوا أنفسهم على طاولته السكرانة ، فسوف يلجأ الى ابتكار طرق ذكية يستلها من مصطبة الإحتياط الناعم ، ويقوم برشّها على الضيف الثقيل ، ومنها إشارة تكاد تكون ناطقة من رأسه صوب الآخرين ، مزفوفة بابتسامة ساخرة ، حال انشغال الضيف الغير مرحب به ، بإعمار كأس أو سلتة سيجارة .