بعيدا عن ضوضاء الاعلام، ولكن بعلم واشنطن عبر القنوات الدبلوماسية، بدأت دمشق رحلة التنازلات امام الضغوط والتهديدات الاميركية واتخذت خطوات وصفها المراقبون بـ"مساعي تهدئة" فمن اغلاق الحدود الى منع العراقيين من دخول سوريا بدون تأشيرات إلى تخفيف لهجة الخطاب السياسي والاعلامي انتهاء باستعداد سوري "للتعاون مع واشنطن لمصلحة الشعب العراقي" تكون دمشق قد لبت المطالب الأساسية فهل سترضى عنها واشنطن وتل ابيب.
على نحو مفاجيء، وبدون اعلام مسبق وصل الرئيس المصري حسني مبارك الى دمشق اليوم في زيارة وصفتها وسائل الإعلام المصرية بانها "زيارة تضامن" مع دمشق التي تتعرض الى تهديدات وضغوط أميركية غير مسبوقة منذ سقوط بغداد في التاسع من الشهر الجاري.
والزيارة التي ستستغرق عدة ساعات سيلتقي خلالها الرئيس المصري حسني مبارك بالرئيس بشار الاسد "لتنسيق المواقف العربية" كانت سبقتها زيارة لوزير الخارجية السوري الى القاهرة حيث غادرها برفقة وزير الخارجية المصر، احمد ماهر الى الرياض.
وبعيدا عن صف الكلام الذي يقوله المسؤولون العرب عن الزيارات المتبادلة وتنسيق المواقف والتضامن فالزيارة تهدف أساسا، وفقا لمعلومات أكيدة، حث الجانب السوري على تقديم المزيد من التنازلات لواشنطن وتلين حدة الخطاب السوري على نحو يذكر بالدور المصري مع ليبيا في قضية تفجير لوكربي.
وقد بدأت دمشق تزامنا وع وصول اعضاء من الكونغرس واستباقا لزيارة باول، باتخاذ اجراءات بدون الاعلان عنها رسميا، بيد انها تسربت الى الصحافة ومن بين هذه الاجراءات منع كافة العراقيين من دخول سوريا بدون تأشيرات مسبقة.
ووفقا للمعلومات فقد اصدرت السلطات السورية الاثنين الماضي قراراً منعت بموجبه أي عراقي لا يحمل تأشيرة صالحة من دخول أراضيها. وكانت هذه التأشيرات تمنح للعراقيين لدى وصولهم الى المطار او المعابر الحدودية.
وجاءت الأنباء الأولى عن هذا القرار من القاهرة بعد منع عراقيين اثنين الجمعة من الصعود الى طائرة تابعة للخطوط الجوية السورية لأنهما لا يحملان تأشيرتي دخول. واكدت مصادر في شركة الطيران السورية صحة التقارير.
كذلك افادت مصادر أمنية في مطار بيروت ان السلطات اللبنانية كانت قد اعتمدت تدبيراً مماثلاً قبيل بدء الحرب الاميركية على العراق في 20 آذار/مارس الماضي.
كما منعت دمشق منذ الاثنين دخول كافة العراقيين والعرب من الذكور الذين تتجاوز اعمارهم 18 من دخول الاراضي العراقي والسماح للاطفال والنساء ومن بين الذين منعوا من العودة الى بلادهم امين الحافظ رئيس الجمهورية السابق. كما لم تسمح السلطات السورية للعشرات من المتطوعين العرب بالعودة الى بلادهم عبر الاراضي السورية.
وتنقل شبكة تلفزيون NBC عن مسؤولين في وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) تاكيدهم أن حكومة الرئيس بشار الأسد بدأت تدرك خطورة التحذيرات الأميركية وانها طلبت من الدبلوماسيين العراقيين مغادرة سوريا طواعية.
ووفي هذا السياق، قال مسؤول أميركي أول من أمس أن "هناك اشارات بأن سورية تدرس طرد مسؤولين عراقيين يلوذون بأراضيها".
وفي اشارة اخرى، الى رغبة دمشق في تهدئة التوتر مع الولايات المتحدة، اعتمدت صحيفة "الثورة" السورية لهجة معتدلة غير مألوفة حيال واشنطن مؤكدة ان سوريا تتعاون مع الولايات المتحدة على مستويات عدة وتسعى لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
ومن اللافت للنظر ان تعديل لهجة الخطاب السوري، بما في ذلك الاعلام، جاء تلبية لمطلب اميركي ايضا حيث تنقل صحيفة "الحياة" عن عارفين ببواطن الامور قولهم ان واشنطن طلبت ضمن قائمتها ان "على دمشق وحتى الاعلام العربي أن يتوقفا عن وصف تحرير العراق من نظام صدام بأنه احتلال، وأنه من أجل السيطرة على النفط، بالتالي يفترض تغيير الذهنية التي تتعاطى مع التحالف على هذا الأساس، فيحاكم على ما يفعل وليس على النيات، وانتظار ما سيؤول اليه وضع دستور جديد للعراق، بعد زهاء ستة شهور تمهيداً لإقامة نظام ديموقراطي...".
ويبدو ان رد واشنطن على التنازلات السورية اتسم "باستخدام العصا والجزرة" بدلا من استخدام "العصا لوحدها"، فمن جهة افادت مصادر اميركية ان نائب الرئيس ديك تشيني ومستشارة الرئيس الاميركي لشؤون الأمن القومي كوندوليزا رايس قررا تخفيف حدة المواجهات السياسية والديبلوماسية والاعلامية لأنها لا تخدم ما تسعى الادارة لتحقيقه من تعاون مرتقب ومتوقع من دمشق وخصوصاً ان هناك بعض المؤشرات لذلك. واضافت ان زيارة وزير الخارجية كولن باول المرتقبة لدمشق ستكون في هذا الاتجاه.
ومن الجهة الاخرى، واصلت واشنطن ضغطها ولم توقف حملتها واعلنت امس انها تعتقد بوجود سبعة على الأقل من المسؤولين العراقيين الكبار في سوريا بينهم سكرتير عام (مدير) الحرس الجمهوري والحرس الجمهوري الخاص كمال مصطفى التكريتي وهو الشخصية رقم 8 على قائمة المطلوبين التي اعلنتها الولايات المتحدة.
فيما نقلت وكالة "الاسوشيتد برس" عن مصادر في شركات الطيران ان السلطات السورية حظرت على أي عراقي لا يحمل تأشيرة مسبقة دخول أراضيها.
وكانت واشنطن قد سلمت دمشق قائمة باسماء عراقيين تعتقد انهم موجودون داخل سوريا.
وقد حرصت الادارة الاميركية على التأكيد ان لديها معلومات استخباراتية حول وجود قيادات عراقية في سوريا الا انها لم تكشف الاسماء، واكتفت بالقول انها على اتصال بدمشق وابلغتها قائمة الأسماء.
واشارت "النيويورك تايمز" الى ان الاعتقاد السائد بوجود التكريتي في سوريا مبني على تقارير استخباراتية. وكان الاسم الوحيد الذي ورد سابقاً هو السفير العراقي في تونس والمسؤول السابق في الاستخبارات فاروق حجازي.
اخيرا فان دمشق ستستقبل اليوم النائبان الجمهوريان من أصل عربي داريل عيسى وراي لحود الآتيان من القدس المحتلة—(البوابة)—(مصادر متعددة)
