عمان - خالد ابوالخير
يوما اثر يوم تزداد وتيرة التعقيدات الناتجة عن الهجمات الارهابية التي تعرضت لها مدينتنا نيويورك وواشنطن على المستوى الدولي، وسط حالة غليان أمريكية وقرع لطبول الحرب وعزم على الرد بضرب المنظمات الإرهابية والدول التي تؤيد الإرهاب وتؤويه وتموله..!
وتكتسب تلك التعقيدات أهمية كبرى جراء حاجة الولايات المتحدة لغطاء عربي وإسلامي للسير في حربها المعلنة ضد الإرهاب، فيما يجري العمل على قدم وساق على إنشاء تحالف دولي لذات الغرض.
ولعل السؤال الأبرز في هذه المرحلة هو هل سيشارك العرب في هذا التحالف الدولي؟ أم أنهم سيبقون خارج إطاره ؟ وإذا شاركوا .. ما هو الثمن الذي سيقبضوه؟
الكثير من المحللين يرون أن ليس من مصلحة العرب البقاء خارج التحالف، مؤكدين على الثمن المطلوب هو تحقيق العدالة في الشرق الأوسط وتحديداً في القضية الفلسطينية، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي، صرح أثناء كتابة هذه السطور، في خطوة تعد إستباقية، أنه لا يقبل أن يكون ثمن دخول العرب في تحالف ضد الإرهاب على حساب إسرائيل؟! الأمر الذي أعاد المسألة إلى المربع الأول.. على الأقل في الملعب الأمريكي.
فيما يلي أراء نخبة من الصحفيين والكتاب في هذا المحور .. وسواه:
د. الشريف: أميركا تتحرك بقوة الغريزة
الدكتور نبيل الشريف، رئيس تحرير صحيفة الدستور الأردنية، قال: المشكلة في هذا الموضوع أن أميركا تتحدث عن هجوم على مواقع معينه، رغم أن العدو غير واضح، وغير معروف.. فالتحقيقات لم تسفر بعد عن تحديد الجهة التي نفذت العملية، كما أن هناك مشكلة في المصطلحات المستخدمة، فالإرهاب.. ما هو الإرهاب؟ هل مقاومة الشعب الفلسطيني إرهاب مثلاً؟ طبعا هي ليست كذلك، لكن إذا سألت أشخاصاً في الإدارة الأميركية أو شارون، فالمؤكد أن أجابتهم مختلفة.
من مصلحة الدول العربية أن تنصح أميركا بالتروي الآن، وأن تلجأ إلى العقل قبل أي شيء آخر، والمؤسف أن ما نسمعه من وسائل الإعلام الأميركية وكأن أميركا ستشن حرباً على الأسلام وليس على جماعات خارجية عن الإجماع العربي والإسلامي، وكأن الإسلام نفسه أصبح العدو الجديد لها، وهذا ليس في مصلحتها.
أعتقد أن على الدول العربية أن تلعب هذا الدور الآن وأن تدعو أميركا لمراجعة سياساتها التي تعد الحاضنة الطبيعية لأي توتر في المنطقة فهي لا تستطيع أن تقنع أي عربي ومسلم أن قتل الفلسطينيين بأسلحة أميركية جائز ومقبول.
نحن نجمع على إدانة الهجمات التي تعرضت لها مدينتا نيويورك وواشنطن باعتبارها عملاً إرهابياً، وبنفس الوقت نرى أنه يجب التركيز في هذه المرحلة على معالجة الأسباب التي أدت إلى وقوعها.
والسؤال الذي يبرز الآن أيضاً أين الأمم المتحدة، أين دورها في كل ما يحدث؟ لقد حيدت الأمم المتحدة في حرب الخليج الثانية، لكن تحييدها هذه المرة غير مقبول مطلقاً، فأي عمل سيجري يجب أن يتم في إطار الشرعية الدولية.
والغريب أن محاضر التحقيق في الهجمات لم تنشر، وأنا أفهم أن يظهر التحقيق تورط أسامة بن لادن مثلاً، وتطالب أميركا عندها حكومة طالبان بتسليمه، وإذا رفضت طالبان فهذه مسألة أخرى.. ولكن أن يستعدوا للضرب والتلويح بعمل عسكري قبل أن يسفر التحقيق عن نتائج بينة فهذا ما لا أفهمه.
أخشى أن تكون الرغبة بالانتقام هي التي تحرك أميركا ، وأن الإدارة الأميركية تتحرك تحت ضغط الشارع الذي يريد انتقاماً بأي شكل ومن أي طرف كان، هناك تنام في الحقد والرغبة بالانتقام الأمر الذي يشكل ضغطاً، وربما تشعر الإدارة نفسها بهذا الضغط، فقد ضرب البنتاغون الذي يمثل الهيبة الأميركية، وتريد الإدارة أن تستعيد تلك الهيبة.
أخشى حقيقة أن تكون أميركا تتحرك تحت ضغط الغرائز، ومن هنا الأجدر نصحها بأن تتروى.
سمعان : امريكيا تتصرف بمنطق الكاوبوي
سمعان جورج سمعان، رئيس تحرير صحيفة "الحياة" اللندنية، قال:
من ملاحظتنا للحملة الإعلامية وليس السياسية الدائرة حاليا في أمريكا وغيرها من الدول كبريطانيا يتضح أن فيها نزوعا تجاه العنصرية ضد العرب والمسلمين، ومحاولة لإلصاق تهمة الإرهاب بالعرب والمسلمين.. وتتضمن أيضاً قرع الطبول والتجييش المستمر حتى وصل الأمر ببعض الصحف للحديث عن حرب دينية طويلة الأجل، وكأننا نعود إلى الوراء عدة قرون، إلى أيام الحروب الصليبية.
العرب يجب أن يثبتوا أنهم جزء من الشرعية الدولية وإذا لم يدخلوا هذا التحالف، وليس ضرورياً أن يكون دخولهم عسكرياً، وانما سياسياً وأمنياً عن طريق تقديم معلومات وإلى ما ذلك، فإنهم سيخسرون بالتأكيد.. مثلاً حتى الآن ليس هناك توافق على تعريف العرب والمسلمين للإرهاب كمفهوم وتعريف الغرب للإرهاب، كما أن كلمة مقاومة التي تعطي الحق لأي شعب احتلت أراضيه شرعية أن يقاوم ذلك الحق الذي كفلته التشريعات الدولية، ليس هناك توافق على تعريفها. وإذا كنا كعرب ومسلمين سنغيب عن هذا التحالف، فهذا يعني أن هذه التعريفات ستفصل وفق الرؤى الأميركية والأوروبية والإسرائيلية، وعلى حسابنا بالتأكيد، مما يعطي شرعية لإسرائيل لضرب الفصائل الفلسطينية المعارضة والتفرد بالشعب الفلسطيني وحتى التنصل من الاتفاقيات.
بهذا المعنى يجب أن يكون العرب جزءاً من الشرعية الدولية، لكي تكون لهم كلمة في هذه الشرعية.
وهناك ما هو أكثر من ذلك، فالولايات المتحدة بدأت تعد لوائح ومطالب من العرب، وإذا لم يتم التوافق عليها بالنقاش والتفاهم بين الحكومات العربية وأميركا فقد تؤدي إلى توترات داخل المجتمعات العربية، فإذا طلب الأميركيون، على سبيل المثال، منع تنظيمات إسلامية تعمل في هذا البلدان وملاحقتها وإقفال مكاتبها ووقف نشاطاتها وإقفال المؤسسات الخدماتية العائدة لها، فهذا يعني خلق شروع حروب أهلية أو إحداث توترات داخل المجتمعات العربية لا يستطيع أحد تحمل نتائجها.
وحول إن كانت غريزة الانتقام هي التي تحرك الولايات المتحدة الأن، قال: بالتأكيد فما تعرضت له الولايات المتحدة مرغ وجهها بالتراب و شكل إهانة كبيرة لأقوى قوة عسكرية تعتبر نفسها قائدة العالم.
ما حصل في واشنطن ونيويورك ليس بالقليل، فالضربة وجهت إلى مراكز سياسية وأمنية واقتصادية مهمة، تشكل بمجملها القوة الأميركية، ويجب أن ترد الولايات المتحدة، ولكن هل تستطيع أن تتصرف بمنطق الكاوبوي في مطالع القرن الحادي والعشرين، أم أنها ستتصرف بمنطق الزعيم العالمي الذي يحتكم بتصرفاته إلى العقل والمنطق.
هم يسمونها حرباً على الإرهاب، واعتبروا ما حصل إعلان حرب عليهم، أما إذا تحول كل هذا إلى ما يشبه الهوس، وتحللت أميركا من كل القيود الأخلاقية والمنطقية، وتصرفت كما حدث في أعقاب هجوم بيرل هاربر عندما تعرض اليابانيون من أصل أميركي لعقاب جماعي وزجوا في معسكرات اعتقال ( وبعض مظاهر ذلك بدأ العرب والمسلمون في الولايات المتحدة يتعرضون لها) فأن ذلك يعني أن أميركا تتصرف بمنطق الرجل الذي لا يخضع لقوانين، وهي الدولة التي ترعى النظام العالمي الجديد وتحض على احترام حقوق الإنسان ومبادئ العلاقات بين الدول.
أعتقد أن على الولايات المتحدة إذا أرادت أن تحظى بتغطية وشرعية دولية أن تكون بإطار الأمم المتحدة وبالتفاهم مع المجتمع الدولي والعرب جزء من هذا المجتمع.
طلب: لامصلحة للعرب في أن لا يكونوا ضد الإرهاب!
رجا طلب كاتب صحفي أردني، قال: أعتقد أنه قبل التساؤل حول إن كان من مصلحة العرب البقاء خارج التحالف الدولي الذي تعمل الولايات المتحدة على إقامته، أن نسأل: هل من مصلحة العرب أن يكونوا ضد الإرهاب؟ الإرهاب لا يملك لا هوية ولا عقيدة مثل أي جريمة منظمة في العالم، ومثله مثل الأجرام المنظم يمكن أن يكون مؤذياً لأي طرف، وبالتالي تعاني منه كل الشعوب، هذا من حيث المبدأ.
وإذا كان العرب والمسلمين سيدخلون التحالف المشار إليه، فإن عليهم أن يتفقوا سلفاً مع الأمريكان على تعريف جذور الأشكال الحادث في الشرق الأوسط وطبيعة الصراع ومخرجاته.
ويجب أن يكون الثمن الذي سنقبضه يتعلق بسلوك الإدارة الأمريكية تجاه الصراع في الشرق الأوسط، أي بمعنى أن تتفهم الإدارة الأمريكية أن الظاهرة الشارونية المتطرفة (تنامي اليمين المتطرف في إسرائيل وعلى رأسه شارون) لا يمثل خطراً على الفلسطينيين والعرب فحسب، بل يشكل خطراً على الأمن الإقليمي والدولي.. كيف؟
تنامي التطرف لدى اليمين الإسرائيلي سيولد بالضرورة تطرفاً مقابلاً، هو الأصولية الدينية الموجودة في العالم العربي والإسلامي، وبالتالي ستدفع الأنظمة العربية المعتدلة والديمقراطية التي لا تستطيع أن تمارس القمع كما هو الحال في الأنظمة الشمولية، والتي هي صديقة للولايات المتحدة، ستدفع الثمن، من قبل الأصولية المتنامية في رحمها، لأنها ستتناقض وستتواجه معها، كما أنها ستدفع الثمن عندما تسيطر إسرائيل عسكرياً بتطرفها على مجريات الواقع السياسي في المنطقة، وفي المحصلة النهائية سيدفع الأمريكان في الوقت الذي سيدفع فيه حلفاؤهم المعتدلون الثمن نفسه.. من هنا أقول أن المصالح الأمريكية في خطر، بمعنى أن التطرف الإسرائيلي يصنع الخطر على المصالح الأمريكية المباشرة في العالم وفي الولايات المتحدة نفسها، وغير المباشرة عبر حلفاؤها العرب.
حسن : نتفهم ما حصل ونتحفظ على الجري وراء مشاعر الأنتقام
طارق حسن، المتخصص بالشؤون العربية في صحيفة الأهرام، قال:
أولاً توجد مصلحة عربية وإسلامية في أن نكون جزءاً من أي تحرك للمجتمع الدولي، لأننا عضو أصيل في هذا المجتمع.
لكن هذا التحرك يجب أن يتوقف على عنصرين: الأول أن الولايات المتحدة كدولة عظمى مسؤولة قانونياً وسياسياً وعليها التزامات دولية في هذا الإطار، وبالتالي فإن أي تحرك يجب أن يتوافق مع هذا المسؤولية. وبالرغم من تفهمنا للظروف الحالية التي تلم بالولايات المتحدة حكومة وشعباً إلا أنه يجب أن لا يجري الاندفاع وراء مشاعر الانتقام كعاطفة لوحدها، وأي فعل يجب أن يكون في إطاره القانوني السياسي المسؤول، وأقصد أن يتم ذلك عبر مجلس الأمن والأمم المتحدة واتخاذ القرارات التي تناسب هذه الحالة، والكف عن تغييب أدوار الأمم المتحدة والأستفراد الأميركي بالقرار، ومن المؤكد أن أحداً لن يرفض التحرك إذا ما خرج بهذا الإطار.
وحول إن كان الغطاء العربي المطلوب أميركيا، ينبغي الاستفادة منه، بربطه بدور أميركي أكثر عدالة تجاه قضايانا، خصوصاً القضية الفلسطينية، قال: لأن الولايات المتحدة تريد من خطوتها المقبلة تحقيق عدالة معينة فيجب بنفس المنطق أن تكون العدالة شاملة لجميع الحالات، وبالتالي على واشنطن أن تلعب دوراً مسؤولاً كقوة عظمى في العالم عن طريق إثبات قواعد العدالة، بالأخص في المجال الفلسطيني، وأن تقف موقفاً نزيهاً تجاه ما تفعله إسرائيل حالياً، وإذا كانت الولايات المتحدة تطلب دعماً عربياً وإسلامياً لمواجهة الإسلام، فبالأحرى أن يتم إرساء قواعد العدالة في الشرق الأوسط وعنوانها الصريح إزالة الظلم الواقع على الفلسطينيين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.
أعتقد أن ذلك أمر أساسي في أي تحرك عربي ومسلم في هذا الإطار، لأنه سيبدو شاذاً جداً أن تحصل الولايات المتحدة على الدعم العربي دون ثمن لهذا الدعم يتلخص بتحقيق العدالة في القضية الفلسطينية.
الخلاصة:
بالمجمل يبدو أن لامناص امام القيادات العربية واسرائيل من اتخاذ قرارات مهمة في غضون الأيام والأسابيع المقبلة، في إطار تحرك امريكي واسع وطويل الأمد، قد يؤدي الى ان العالم لن يعود كما كان؟! –(البوابة)