لندن - هارون محمد- رئيس تحرير مجلة "القمة"
برحيل حسين جميل، السياسي الوطني الديمقراطي، ورجل المواقف الصعبة، يكون جيل كامل من ابرز دعاة التعددية الحزبية والفكرية في العراق، قد غابوا أو غيبوا عن الساحة السياسية، بعد سنوات طويلة أمضاها في خضم نضالات ومعارك سياسية كان فيها لاعباً أساسيا وصاحب كلمة ودور ووقفة، قبل أن يهمش ويعزل في أعقاب انقلاب 8 شباط 1963، وينزوي مع ذكرياته وكتبه، شأنه في ذلك، شان أقرانه محمد حديد وهديب الحاج حمود وفائق السامرائي وصديق شنشل وعبدالجبار الجومرد وعبدالقادر اسماعيل وعبدالفتاح ابراهيم وعشرات غيرهم، حوربوا واضطهدوا من قبل أطفال السياسة الجدد وعساكر السلطات المتعاقبة، لمجرد انهم رموز في ذاكرة الناس، أخبارهم وفعالياتهم كانت تشحن النفوس، ثقة بمستقبل العراق وتملأ الأسماع أملاً وتفاؤلاً.
حسين جميل، رجل من طراز خاص، فهو ديمقراطي النزعة منذ بدايات انشغالاته السياسية في الثلاثينات، عندما كان واحداً من مؤسسي جماعة (الآهالي) التي أرست اتجاهات ليبرالية شعبية ظلت وسطاً بين التوجهات العروبية التي كانت تجتاح العراق وقتئذ، وبين الأفكار الماركسية الوافدة من موسكو الستالينية، فقد ظل حسين جميل كما رفيقه الكبير كامل الجادرجي، يعتقد أن الوطنية العراقية يجب أن تكون الأساس والركيزة في أي عمل سياسي وحزبي، والإيمان بان العراق جزء من الأمة العربية وأي فصل بينه وبين محيطه العربي، محاولة متعمدة لمحاصرته وتصغيره، وفي الوقت نفسه كان لا يحبذ المشاريع الوحدوية الاندماجية، ويجد أنها تستلزم وعياً ووقتاً لتحقيقها من خلال الإرادة الشعبية.
وهو سياسي حيوي، ويوصف أحيانا بالمشاكسة، وفي هذا الصدد كانت تحصل خلافات بينه وبين رئيسه في الحزب الجادرجي، يكون فيها حسين جميل مغرداً خارج سرب (الوطني الديمقراطي) وقد يتقاطع مع ما يقرره الحزب، ولكن العلاقة استمرت بين الاثنين، حتى تهاوت قلعة الحزب عندما انحاز الركن الثالث فيه محمد حديد الى صف الزعيم عبدالكريم قاسم، وأنشأ حزباً أسماه (الوطني التقدمي) كان مثار سخرية الجادرجي نفسه، وموضع انتقادات لاذعة من حسين جميل الذي كان يداعب رفيقه السابق قائلاً:
محمد حديد وطني مسألة شك فيها، أما تقدمي فالقضية تحتاج الى دليل، في غمزة سياسية لها معنى، على أساس أن حديد كان يصنف سياسياً على يمين الحزب الوطني الديمقراطي، وله استثمارات صناعية وتجارية كمعمل الزيوت ومصنع الكارتون، وكانت في ذلك الزمان، مشاريع رأسمالية.
في كتابه (العراق .. شهادة سياسية 1908 - 1930) تناول فيه حسين جميل أحداث واحدة من اخطر الفترات في تاريخ العراق السياسي - أواخر العهد العثماني ومطلع الحكم الوطني - وما تخلل تلك الفترة من حركات وتطورات سياسية واجتماعية وما عكسته على رجال السياسة من أدوار ومهام، سجلها بتجرد وحيادية، ثم جاءت أوراقه ومذكراته التي نشرت في نهاية الستينات وأعيد طبعها في الثمانينات، مكملة لشهادته السياسية التي حاول فيها إعطاء صورة عن مجمل الأوضاع التي عاشها العراق في العقود الخمسة الأولى من القرن الماضي.
ولأنه رجل قانون، فقد سعى الى أن تكون مؤلفاته موضوعية في تناوله للأحداث، وتجنب الخوض في القضايا الهامشية والصغيرة، ودون انحياز الى هذا الطرف أو ذاك، بل انه في مواضع عدة، نلمس انتقاداً يوجهه الى نفسه وحزبه عن مواقف سابقة.
ومن المشاكسات الحزبية التي تسجل عليه، انه صار وزيراً للعدلية في حكومة علي جودة الأيوبي عام 1949، خلافاً لرغبة حزبه الذي كان في صف المعارضة، رغم أن بعض المؤرخين المعاصرين، يجتهدون بان قبوله المنصب الوزاري كان باتفاق جانبي مع زعيم الحزب كامل الجادرجي، لأنه عاد الى نفس موقعه القيادي الحزبي عقب خروجه من الحكومة، وبالنسبة اليه فانه يؤكد في الجزء الثاني من شهادته السياسية انه انخرط في عضوية الحكومة حينذاك، اقتناعاً منه بأهمية وجدوى المشاركة وكان يطمح في تغيير سلسلة من القوانين والتشريعات التي صدرت عن الوزارات السابقة، ولما لم يجد عوناً من زملائه الوزراء، قدم استقالته من الحكومة غير آسف.
ورغم الهجمات التي كان يقودها ضده، يساريو الحزب وأولئك الذين غادروه أمثال توفيق منير وطلعت الشيباني وتصل أحياناً الى حد التجريح، الا أن حسين جميل، ظل متمسكاً باعتداله السياسي والثوابت التي يؤمن بها غير عابئ بالانتقادات التي توجه اليه، وينقل عنه انه كان يردد القول الفقهي الشهير عندما ينسب الى خصومه أحاديث وأقوال تمسه (والبينة على من أدعى).
في عام 1953 وكان العراق يشهد مرحلة حاسمة من تأريخه في أعقاب الوثبة الثانية، ونجاح الثورة المصرية وبداية التفكير في انشاء حلف بغداد، خاض حسين جميل انتخابات نقابة المحامين العراقيين، التي كانت واحدة من الهيئات القوية والمؤثرة، ممثلا عن قوى المعارضة الوطنية، وفاز فيها مستمراً في قيادتها ثلاث سنوات متصلة، انتخب خلالها أميناً عاماً مساعداً لاتحاد المحامين العرب، وفي عام 1956 زار القاهرة والتقى الرئيس جمال عبدالناصر، الذي بدأ نجمه يصعد في تلك الفترة واعجب به.
وعندما حدثت ثورة 14 تموز 1958، اختارته حكومة الثورة سفيراً لها في طهران، ويقال بهذا الصدد، أن وزير الخارجية أيامها، عبدالجبار الجومرد، رشحه لهذا الموقع بالتشاور مع الجاردجي، إدراكاً من الاثنين لقدراته السياسية والقانونية في تهدئة المخاوف الإيرانية من الثورة العراقية، ونزع فتيل التوتر الذي أصاب شاه ايران وجزعه من امتدادت الثورة الى بلاده، وقد نجح حسين جميل في مهمته الدبلوماسية، وتمكن من إطفاء الخلافات والمنازعات الحدودية التي حصلت بين البلدين في الأشهر الأولى التي أعقبت الثورة.
ويكاد يكون حسين جميل، الوزير الوحيد في الدولة العراقية الحديثة، الذي بقي في منصبه الوزاري 48 ساعة واستقال منه احتجاجاً على تدخلات رئيس الوزراء الزعيم عبدالكريم قاسم والحاكم العسكري العام اللواء احمد صالح العبدي في شؤون وزارته.
فقد أسندت وزارة الإرشاد (الأعلام فيما بعد) الى حسين جميل في أعقاب استقالة وزيرها صديق شنشل في شباط 1959، متضامناً مع رفاقه القوميين ناجي طالب وفؤاد الركابي وجابر عمر ومحمد صالح محمود وعبدالجبار الجومرد وعضو مجلس السيادة الشيخ محمد مهدي كبة وزميلهم الكردي بابا علي الشيخ محمود، ولم يكن راغباً في تسلمها، لاحتدام الخلافات السياسية بين التيارين القومي والشيوعي، وملاحظاته على أداء الحكومة التي كان يرأسها عبدالكريم قاسم وانحيازه الى الشيوعيين.
ويبدو أن الحزب الشيوعي في ذلك الوقت، كان يأمل في تسلم الوزارة من قبل أحد قادته أو المحسوبين عليه، لرد اعتباره وأهميته، وهو الذي استبعد من حكومة الثورة الأولى، على عكس أحزاب الوطني الديمقراطي والاستقلال والبعث والأكراد، ولكنه فؤجئ بإسناد تلك الوزارة المهمة الى حسين جميل، الذي كان على غير وفاق مع الشيوعيين وكثيراً ما وجه انتقادات لاذعة الى سلوكهم وشعاراتهم، فأراد الحزب إحراج الوزير الجديد وهو في الساعات الأولى من تسلمه المنصب الوزاري، فأوعز الى صحيفته (اتحاد الشعب) بنشر مقال فيه تجريح بالوزراء القوميين المستقيلين ومساس بأشخاصهم، وتحريض السلطات الحكومية والعسكرية على اعتقالهم باعتبارهم خونة ومن أعداء الثورة لأنهم استقالوا من حكومة الثورة، كما جاء في المقال، ورفض الوزير المقال التخويني والتجريحي، وعد ذلك سلوكاً منافياً للعمل الديمقراطي، وشماتة بالتيار القومي، فاصدر تعليماته كوزير مختص ومسؤول بتعطيل الصحيفة الشيوعية، موضحاً الأسباب القانونية والموضوعية لقراره.
ولكنه صدم في اليوم التالي، بالصحيفة وهي تصدر رغماً عنه، وعلم أن اتصالاً جرى بين ممثل الحزب الشيوعي عامر عبدالله والزعيم عبدالكريم قاسم، تفاهما على ضوئه بنقض قرار الوزير والاستهانة به وإصدار الصحيفة وكأن شيئاً لم يكن.
والذين يعرفون حسين جميل، على اعتداله وتسامحه السياسيين، ودماثة خلقه وتهذيبه، يدركون سلفاً انه ليس من أولئك الذين يسكتون عن الحق مهما كانت النتائج، فقدم استقالة مدوية من الحكومة، رافضاً العروض والاغراءات التي قدمت إليه في حينه، بسحب استقالته، وعاد الى بيته ومكتبه، راض ومقتنع بما اتخذه من قرار.
وكما هو معروف، فان حسين جميل كان من أوائل السياسيين الذين وقفوا مع ثورة 14 تموز، وقدموا لها خدمات وإسهامات أبرزها مشاركته في قانون الإصلاح الزراعي وتشكيلة من القوانين والأنظمة وتعديلاتها.
ومنذ ذلك الوقت، رفض حسين جميل تسلم أي منصب حكومي، وظل حراً يمارس حياته السياسية رغم تلاشي الحزب الوطني واعتزال قادته.
وعقب انقلاب 8 شباط سعى الانقلابيين الى حسين جميل وصديقه الاستقلالي فائق السامرائي للانضواء الى وفد شعبي أو هكذا أسماه البعثيون وقتئذ للسفر الى القاهرة واللقاء مع الرئيس جمال عبدالناصر، والبحث معه في قضايا الوحدة والتعاون بين البلدين، وفي القاهرة اكتشف الصديقان، أن أصحاب السلطة الجديدة، أرادوا استغلال اسميهما وتأريخهما في تمرير مواقف مناهضة للمشروع القومي الذي نادى به عبدالناصر، وان الهدف من تشكيل الوفد الشعبي من سياسيين بارزين من وزنهما والطلب منهما مرافقة وفد حزبي وحكومي، يقصد به ابتزاز عبدالناصر، فقفلا عائدين الى بغداد، وكان للسامرائي، تذكير حسين جميل بتلك الواقعة ساخراً بالقول (الأولاد ويقصد بهم قادة حزب البعث الصغار السن، لعبوا الأساتذة).
حسين جميل.. ثار وهاج رغم شيخوخته عندما طرق سمعه أن طه جزراوي، تهكم عليه في اجتماع صوري عقدته القيادة القطرية لحزب السلطة في عام 1989، لمناقشة ما سمي في حينه بقانون التعددية الحزبية، أراد صدام من خلاله التنفيس عن الأزمات الداخلية التي عصفت بسلطته واحتواء الغضب الشعبي الذي تصاعد في تلك الفترة، احتجاجاً على سياسات صدام ومغامراته المجنونة، فقد ورد على لسان جزراوي وهو يعقب على رأي طرحه سعدون حمادي جاء فيه أن الظروف الراهنة لا تسمح بتأسيس أحزاب جديدة، دعونا نجس نبض حسين جميل وصديق شنشل، ونحاوا اقناعهما بلملمة من تبقى من اعضاء حزبي الوطني الديمقراطي والاستقلال في منبرين يوحيان بالحزبية.. أن الرفيق سعدون يريد أحياء الموتى).
للمعلومات.. فان تلك المناقشات نشرت في مجلة "اليوم السابع" لصاحبها الصحفي الفلسطيني بلال الحسن، لمن يريد العودة إليها.
وكان حسين جميل، في تلك الفترة يرد على من يستفسر منه عن هذه الواقعة الجزراوية بالقول، حسناً فعل.. أمات أناساً أحياء.. هذه هي الديمقراطية الحقيقية! وكان من الطبيعي ان يرفض الفكرة من اصلها، وهو الذي يعرف مسبقاً ان السلطة ليست في وارد البحث عن التعددية الحزبية أو أي شكل من أشكال الديمقراطية.
والمثير في شخصية حسن جميل، ذاكرته العجيبة رغم انه باعترافه من مواليد 1908 وحفظه لنصوص طويلة من كتابات ومقالات غيره، ودأبه على جمع الكتب والمؤلفات في مكتبته التي تعد واحدة من أغنى وأكبر المكتبات الشخصية في العراق، وهو معروف بالحرص على مقتنياتها ولكنه لا يبخل على زواره وطلبة الدراسات العليا الذين يقصدونه، فالرجل يقدم لهم بنفسه ما يريدون ويرشدهم الى ما يحتاجون إليه.
وأذكر من مواقفه التي تتسم بالجرأة، انه حمل سنواته الثمانين، وذهب لزيارة الزميلة هناء العمري، أرملة المرحوم علي صالح السعدي، نائب رئيس الوزراء وزعيم حزب البعث في مطلع الستينات، التي أعتقلت في سجن (الفضيلية) متكئاً على كتف ابن شقيقه الزميل ماجد مكي الجميل.
ورغم انه كان يدرك ان زيارته الى هناء وهي المعتقلة بأمر من صدام شخصياً، لانتقاداتها وملاحظاتها على السلطة وتصرفاتها، الا انه لم يبال بالعواقب وما يترتب على زيارته لها، خصوصاً وهو الذي لا يرتبط بها بعلاقات أسرية أو زمالة عمل، ولكنه أراد تسجيل موقف ضد السلطة، وهو الفقيه القانوني، الذي يعرف ان سجن السيدة العمري، كان مخالفة للقوانين حتى تلك السائدة في ذلك الوقت.
حسين جميل .. آخر شيوخ السياسة في العراق، رحل في السابع من الشهر الحالي، وهو في مكتبته يقلب في صفحات تأريخ العراق الذي تعرض الى التشويه من قبل أقزام السياسة والطارئين عليها والمتسلقين على سلالمها.
أبا علي..سلاما.