عمان- نايجل ثورب
مضت سبع سنين مؤلمة وطويلة في الأراضي الفلسطينية منذ اقترف المتطرف اليهودي باروخ غولديشتاين المذبحة في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل صبيحة أحد أيام رمضان الباردة في الخامس والعشرين من شباط / فبراير عام 1994. وقد أعلنت إذاعة إسرائيل النبأ رسميا بأن 29 مسلما لقوا مصرعهم على يد مسلح مجنون معروف بآرائه الصهيونية المتطرفة وعدائه للعرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص.
وقد ظهرت إلى السطح من جديد أسئلة بشكل خاص حول الأحداث المأساوية في فجر ذلك اليوم الأسود وأهمية المذبحة مستقبلا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الطويل حين قامت حوالي مائة من النسوة وتلميذات المدارس بمسيرة حزينة إلى مقبرة المدينة لوضع أكاليل من الزهور على أضرحة أحبائهن من الشهداء.
بدأت قصة غولديشتاين في نيويورك حيث انضم طبيب شاب من الصهاينة المتعصبين إلى عصابة كاخ الخارجة على القانون والمعادية للعرب والتي كانت ناشطة جدا في الولايات المتحدة في ذلك الوقت، ولكن هذا الطبيب الذي تدرب أثناء دراسته لإنقاذ المرضى سرعان ما تحول إلى شخص يريد إزهاق أرواح العرب، وكغيره من المتدينين المتعصبين رفع باروخ غولديشتاين التوراة في إحدى يديه والبندقية في اليد الأخرى.
كان غولدشتاين مشغوفا بفكرة "الترانسفير" التي ابتكرها معلمه اليهودي الروحاني رابي مئير كاهانا الذي اغتيل فيما بعد على يد أحد المصريين.
ويدعو هذا الحل المتطرف للمشكلة الفلسطينية إلى ترحيل كافة الفلسطينيين من إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة إلى الأردن والدول العربية الأخرى، وقد غادر غولديشتاين الولايات المتحدة عام 1993 إلى إسرائيل لمساعدتها ضد العرب.
لم يكن غولديشتاين وزملاؤه من اليمين الإسرائيلي المتطرف وحدهم المتحمسين لطرد الفلسطينيين من وطنهم.. ففي الثاني والعشرين من أيلول / سبتمبر عام 1988، نشرت جريدة "معاريف" نتائج دراسة كشفت أن ثلثي اليهود الذين استطلعت آراؤهم في الدراسة أيد فكرة طرد العرب. وتدعم غالبية المستوطنين في الخليل وباقي الأراضي المحتلة جماعتي: "كاخ" و"مولدت" المتطرفتين اللتين طلبتا صراحة ترحيل الفلسطينيين واستعمال القوة إذا لزم الأمر.
أصبح غولديشتاين بسرعة شخصية دينية بالنسبة لغالبية المستوطنين والجناح اليميني في إسرائيل وقد أدى الضغط الذي مارسه الجناح اليساري عام 1999 إلى قيام الجيش الإسرائيلي بإزالة ضريح غولديشتاين الذي أقيم بالقرب من قبره في مستوطنة كريات أربع اليهودية جنوب شرقي الخليل.
تشير الدلائل التي تم جمعها والمقابلات التي أجرتها شبكة www.hebron.com مع الناجين من المذبحة إلى أن فرضية قيام شخص واحد مسلح (غولدشتاين ) بمفرده بالمذبحة لم تعد تصدق. ويقول محمد إبراهيم غيث( 18 عاما) على سبيل المثال إنه أصيب برصاصة في الصدر في مسجد خالد بن الوليد وليس في الحرم الإبراهيمي من قبل مسلح يهودي حليق الذقن لا يمكن أن يكون غولديشتاين. وتدعم هذه الشهادة النظرية القائلة بأن هجوم غولديشتاين في الحرم الإبراهيمي لم يكن سوى جزء من هجوم أوسع شن ضد المصلين المسلمين ذلك اليوم.
وهناك أيضا إثباتات متنامية تدل على أنه كان هناك أكثر من رجل مسلح في الحرم الإبراهيمي، وقد أدلى حربي أبو شيح (26 عاما) بشهادة قال فيها: "عندما بدأنا الصلاة سمعت صراخا بالعبرية يقول: هذه نهايتهم، وبعد ذلك سمعت رشقات من مدفع رشاش…
وكان المصلون يتساقطون على الأرض بسبب إصاباتهم أو مصرعهم. إن حقيقة تعرض بعض المصلين بالإصابة برصاص "دمدم"، بينما جرح آخرون برصاص عادي يحملني على الاعتقاد بأنه كان هناك أكثر من مهاجم".
يتفق محمود التميمي، مدير المستشفى الأهلي الذي عالج ضحايا المجزرة مع هذا التفسير، ويقول التميمي: "بعد معالجة الجرحى واستخراج الرصاص من أجسادهم وجدنا أنواعا مختلفة من الرصاص، فقد كان بعضه قد أطلق من مدفع رشاش نوع عوزي والبعض الآخر بما في ذلك رصاص "دمدم" قد أطلق من بنادق أخرى مختلفة، وقد كانت هناك إصابات نجمت عن شظايا تؤكد شهادات أولئك الناس الذين ذكروا أنه قد تم استعمال القنابل في الهجوم".
يتذكر مصعب نذير الذي نجا من المذبحة دون إصابة أن الرصاص الذي أطلق على المصلين جاء من ثلاثة مصادر مختلفة في الحرم، ويعتقد محمد الجمال (10 أعوام آنذاك) "أنه كان هناك أكثر من مصدر لإطلاق النار وأن مستوطنا واحدا على الأقل كان يساعد غولديشتاين في تعبئة مخزن رشاشه". ويذكر حسني الرجبي هذا المستوطن ولكنه يضيف "أن هذا المستوطن اختفى حين تعطل الرشاش".
ويصف حاتم قفيشة اللحظات الدراماتيكية الأخيرة لغولديشتاين قائلا: "عندما عدت إلى المسجد رأيت الناس يضربون الجندي ( غولديشتاين ) حتى الموت ورأيت أيضا مستوطنين وجنودا آخرين حاولوا إنقاذ غولدشتاين وذلك بإطلاق النار على المصلين وسقط بعض الناس صرعى بعد مقتل غولديشتاين، وكان من بين هؤلاء رجال إسعاف لم يكونوا ضمن المصلين". ويقول حاتم: "إن المؤذن الشيخ جميل النتشة قد شوهد حيا بعد مقتل غولديشتاين وإنه (أي النتشة) توفي بعد ذلك حينما فجرت رصاصة دمدم رأسه".
إن حقيقة كون غولديشتاين ميتا حينما لقي الشيخ حتفه تثبت مرة أخرى بطلان فرضية المسلح الوحيد الذي اقترف المذبحة.
شهود عيان أصروا أيضا على أن المذبحة لم تكن محصورة في الحرم الإبراهيمي فقط، قال مهند محمد أبو عيشة (16 عاما): "إن الجنود الإسرائيليين شاركوا في المذبحة.. لقد رأيتهم بأم عيني وهم يطلقون الرصاص على الناس بمن فيهم الجرحى قرب بوابة الحرم، لقد كانت وظيفة الجنود على الدوام حماية المستوطنين".
كان على الجرحى الذين تعرضوا لوابل من الرصاص داخل الحرم وخارجه الانتظار طويلا قبل الحصول على معالجة طبية. ذكر نادر الجعبري (20 عاما) "أن الجنود الإسرائيليين المتواجدين على البوابة الرئيسية للحرم رفضوا السماح للناس بالخروج من المسجد ورفضوا السماح لرجال الإسعاف بالدخول إلى المسجد لأكثر من 15 دقيقة". وبعد أن تمكن نادر في نهاية الأمر من الهرب خارج المسجد شاهد الجنود الإسرائيليين يطلقون النار على الناس والجرحى ورجال الإسعاف كذلك.
أدلى العديد من شهود العيان أيضا بشهاداتهم قائلين: "إن سيارات الإسعاف التي أرسلت من القرى المجاورة للخليل مثل حلحول وبيت أمّر لنقل المصابين تم احتجازها على الحواجز الإسرائيلية على الطرقات أثناء رحلتها إلى الحرم الإبراهيمي ومنه، وأن المدينة كانت خاضعة لحظر التجول. ويدعي الشهود أن المزيد من القتلى والجرحى سقطوا بعد أن قام جيش الدفاع الإسرائيلي بإطلاق النار على الضحايا الذين تم إخلاؤهم من الحرم الإبراهيمي إلى المستشفى. أصبحت مدينة الخليل خرابا.. الناس يصرخون هنا وهناك.. سيارات الإسعاف تسمع في كل مكان.. السيارات الخاصة تسير بسرعة لنقل القتلى أو الجرحى.. والجيش الإسرائيلي يعلن عبر مكبرات الصوت المثبتة على سيارات الجيب العسكرية أن المدينة خاضعة لحظر التجول. وقد أعيد أحد الشباب الذي انتهى لتوه من التبرع بالدم للعودة إلى المستشفى جثة هامدة بعد أن أطلق عليه أحد الجنود النار وقتله بالقرب من المستشفى".
وقد شدد العديد من الشهود الذين أجرى معهم موقع www.hebron.com مقابلات على أن هذه المجزرة لم تكن بفعل "رجل مسلح واحد" وحسب بل إنها لم تكن أيضا عفوية وكانت جزءا من عملية مخططة؛ فالأمور منذ البداية لم تكن تلك الأمور العادية في يوم الجمعة صباح يوم المذبحة؛؛ فقد كان الإسرائيليون قد ألغوا الصلوات مساء اليوم السابق قبل صلاة الفجر ولم يفتش الحراس الإسرائيليون القلائل الذين كانوا يحرسون الحرم كعادتهم المصلين وقاموا بفصل النساء عن الرجال بطريقة غير متوقعة. ومن نذر الشؤم فوق ذلك كله أن الحرم كان معتما بعد "انقطاع التيار الكهربائي". علق كريم الجولاني قائلا: "نرى عادة في صلاة الفجر ما بين 20 -25 جنديا إسرائيليا يحرسون أبواب الحرم، ويقوم هؤلاء عادة بتفتيشنا تفتيشا دقيقا ولكن هذه الجمعة (جمعة المذبحة) كانت شيئا آخر حيث أن عدد الحراس كان ثلاثة ولم يقوموا بتفتيشنا".
يقول محمد زكريا مجاهد: "عندما كنت أهم بدخول المسجد شاهدت جنديا إسرائيليا يمسك بصبي ويقول له: هل تريد قتل اليهود ؟ فأجاب الصبي: لا! توقف الجندي للحظة وقال للصبي: "اذهب إلى الصلاة!" وقد تولد لدي انطباع من هذا المشهد أن المذبحة كان مخططا لها.. ما سبب عدم قيام الحراس بالتفتيش ليلة المذبحة؟ ولماذا قام هؤلاء بعزل الرجال عن النساء تلك الليلة بينما كانت العادة أن تصلي النساء على الجهة اليمنى للرجال؟
حينما بدأ الإمام بالصلاة سمعت شخصا يصرخ بالعبرية، لم أعلم ماذا قال كان يقول، ولكن أشخاصا آخرين من يتكلمون العبرية قالوا إنه يقول: للمصليين "هذه نهايتكم!"
كان لدى حربي أبو صبيح (26 عاما) شعور بـ "أن قطع التيار الكهربائي جزئيا عن الحرم في تلك الليلة لم يكن مجرد صدفة". ويعتقد حسني عيسى الرجبي (42 عاما) "أن الكهرباء قطعت عن بعض أجزاء المسجد لخلق البلبلة ولتمكين مستوطنين آخرين من الهرب".
ومهما كانت الأحداث الحقيقية التي جرت صبيحة ذلك اليوم من شهر شباط/ فبراير فإن العرب وخاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة يشعرون بالمرارة مما يرونه تحيزا في الصحافة الأميركية في تناولها لأحداث مذبحة الحرم الإبراهيمي. ويعتقد الكثير من العرب الأميركيين أن الأحداث في الصحافة الأميركية أفرزت "مذبحة أخرى في الصحافة الأميركية"؛ فقد وصفت الصحافة الأميركية غولديشتاين بالمجنون وليس بالإرهابي، "كما أن مذبحة الأقصى وصفت في وسائل الإعلام الأميركية بأنها مأساوية وليست عملا إرهابيا".
بعد مذبحة الحرم الإبراهيمي لم تقم كبريات الصحف الأميركية وشبكات التلفزيون ووكالات الأنباء بتغطية إلا القليل من آلام العائلات الفلسطينية، وفي نفس الوقت فقد قامت هذه الوسائل بتغطية شاملة لسبب قيام غولديشتاين بفعلته وليس بمكان وزمان وضد من اقترف المذبحة. المنظمات الإرهابية الصهيونية تردد شعار محاربة أعداء السامية 24 ساعة في اليوم، وربما أن هذا الشعار هو من القوة بمكان بحيث يستطيع إسكات الأميركيين الذين يعارضون التدخل الفاضح للحكومة الصهيونية في الشؤون الأميركية.
وقد وجه الفلسطينيون والعرب الأميركيون النقد الشديد لإدارة كلينتون. قال أحد المعلقين: "إن مبعوثة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة مادلين أولبرايت كانت الممثل الوحيد الذي لم يندد بالمذبحة في التاسع عشر من آذار/ مارس عام "1994. وقال معلق آخر: "إن الرئيس كلينتون لم يشر أبدا إلى المذبحة على أنها عمل إرهابي بينما أشار دون تمييز إلى أعمال فلسطينية مماثلة إلى أنها إرهاب". ووصف الرئيس كلينتون غولديشتاين بالمجرم على الرغم من أن الرئيس يعلم جيدا أن غولديشتاين كان عضوا في منظمة إرهابية هي منظمة كاخ المحظورة. وفي إسرائيل نفسها، تلقي ذكرى مذبحة الحرم الإبراهيمي الضوء على الانقسام بين الجناح اليميني والجناح اليساري منذ بداية عهد شارون في قيادة السياسة الإسرائيلية.
وحينما تذبل الزهور التي وضعت على قبور شهداء مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل ستخبو أيضا الآمال في السلام.. فبينما تعيش مدينة الخليل وباقي المدن في الأراضي المحتلة تحت الحصار الاقتصادي والعسكري وحظر التجول أثناء الليل.. فإن التوتر المتنامي سيقود إلى المزيد من المجازر لذلك الطرف ضد الآخر.. وفي الوقت الذي يساعد فيه الوضع المتنامي في الكنيست المتطرفين على استعراض عضلاتهم فإن الحمائم فيه أصبحوا نادرين.
إذا تمكن المفجوعون من مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل من إيجاد أرضية مشتركة مع الساسة الإسرائيليين الذين أمروا الجيش بإزالة ضريح غولديشتاين فإن الطريق إلى السلام ستظل مفتوحة حيث أن الحي يتذكر الميت ويأمل في مستقبل أفضل.
إن حمامة السلام تحتاج إلى جناحين أيسرين لتستطيع الطيران—(البوابة)