في التراث قصة مشهورة عن شاعر بدوي هو علي بن الجهم جاء الى الخليفة المتوكل ومدحه بهذه القصيدة :
فقال :
أنت كالكلب في حفاظك للود وكالتيس في قِراع الخطوب
أنت كالدلو ، لا عدمناك دلواً من كبار الدلا طويل الذنوب
"الذنوب : هي الحبال التي تربط بها الدلا"
واستنكر جميع الحاضرين في مجلس الخليفة هذا القول، بل هم بعضهم بسبه والفتك به الا ان الخليفة استوقفهم وقال انه مجرد اعرابي تحدث بما يعرفه .
وامر باسكانه في بغداد.. وأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة ، فيها بستان حسن ، يتخلله نسيم لطيف يغذّي الأرواح ، والجسر قريب منه ، وأمر بالغذاء اللطيف أن يتعاهد به ، فكان – أي ابن الجهم – يرى حركة الناس ولطافة الحضر ، فأقام ستة أشهر على ذلك ، والأدباء يتعاهدون مجالسته ومحاضرته ، ثم استدعاه الخليفة بعد مدة لينشده ، فحضر وأنشد :
عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فقال المتوكل : لقد خشيت عليه أن يذوب رقة ولطافة.
اما الغريب في هذه القصة فانها وردت– بتصرف يسير – في محاضرات الأبرار ومسامرات الأخيار لابن عربي الصوفي وعنه نقل محمد أحمد جاد المولى وصاحباه في قصص العرب وخليل مردم في تحقيقه لديوان علي بن الجهم. فالمصدر واحد لا ثاني له . .
واسند ابن عربي روايتها إلى مجهول فقال: ( حكى لنا بعض الأدباء …) مما يزيد من وهن هذه الرواية بحسب تقرير لمجلة العربية.
والقول بان علي بن الجهم كان بدوياً جافياً فيه مغالطة بالتاريخ يقول خلاف هذا ، ففي معجم الشعراء للمرزباني أن أصله من خراسان ، ولا يعني هذا أنه غير عربي ، ونقل عمر فروخ ( تاريخ الأدب العربي) أنه ولد ببغداد عام 188هـ ، وفي طبقات الشعراء لابن المعتز ما يدل على أنه حضري لا صلة له بالبادية .
وفي تاريخ الطبري أن علي بن الجهم مدح الواثق بعد أن ولي الخلافة ، وهذا يدلّ على صلته بالخلفاء قبل المتوكل ، وعلى معرفته بما يلائم وما لا يلائم من فنون القول وضروب التشبيه.
الخلاصة ان ابن الجهم تعرض لمؤامرة ومكيدة من حساده ومنافسيه الصقوا به هذه الحكاية ليقولوا انه محدث نعمة. ولا يستحق ما هو فيه.
ع فكرة.. ايام علي ابن الجهم والخليفة المتوكل ما كانش في سيارات مفخخة ولا بهائم مفخخة.. وهذا من حسن حظه..!