نايجل ثورب –البوابة
في غمرة تزايد عدد الإصابات بين الفلسطينيين بعد الزيارة الاستفزازية التي قام بها أرييل شارون، زعيم حزب الليكود الإسرائيلي المعارض، للمسجد الأقصى في القدس، أخذت صحيفة القدس ومركز بتسيلم (مركز إسرائيلي لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة) تبرز ثانية استخدام الجيش الإسرائيلي لنوع جديد من "الرصاص المطاطي" القاتل ضد المتظاهرين.
وصف تقرير لرويترز حول تظاهرة عنيفة للفلسطينيين جرت في الخليل في أواخر شباط / فبراير عام 1999 كيف ردت القوات الإسرائيلية بإطلاق الرصاص المعدني المغلف بالمطاط وكذلك بالذخيرة الحية. وكان هذا التقرير أحد التقارير النادرة التي وصفت هذا النوع من الذخيرة بغير الاسم الحميد "الرصاص المطاطي" بل وصفه بأنه "رصاص فولاذي مغلف بالمطاط".
بدأت قصة "الرصاص المطاطي" قبل ما يزيد على الثلاثين عاما في شوارع بلفاست الباردة والمغمورة بمياه الأمطار في ايرلنده الشمالية بعيدا عن حرارة الصيف المغبّر في القدس. وقد تم تطوير هذا النوع من الرصاص على عجل ليستخدمه الجيش البريطاني للسيطرة على المتظاهرين في إيرلنده الشمالية. وكانت "الرصاصة المطاطية" الأصلية عبارة عن أسطوانة مطاطية صلبة وغير حادة تزن 150 غراماً ويبلغ طولها 5.75 بوصة (14.6سم) وبقطر يبلغ 1.5 بوصة (3.8سم). ووجد بعد إجراء التجارب الأولية على الأغنام، أن استخدام هذا النوع من الرصاص ضد الايرلنديين يعتبر عملاً بربريا. وبالرغم من ذلك فقد تبين أن هذا النوع الجديد من الذخيرة لم يكن بتلك البربرية أو الدقة، كما كان مؤملاً. ولذا جرى استبدال الرصاصة المطاطية نموذج 1 على وجه السرعة برصاصة بلاستيكية تنطلق بسرعة تصل إلى 200 كلم/ الساعة. وبذا تحولت "الرصاصة المطاطية" غير الضارة إلى المرحلة الأولى من تطورها القاتل.
وقد أثبتت الرصاصة البلاستيكية من النموذج 2، أنها مميتة بالفعل أكثر من "الرصاصة المطاطية" نموذج 1 والتي حلت مكانها. وفي نهاية تموز / يوليو 1981م كانت رصاصة واحدة من بين 4000 من الطلقات البلاستيكية تؤدي إلى الوفاة مقارنة مع واحدة من كل 18000 من الطلقات المطاطية.
وبعد ذلك تم تطوير النموذج 3 من الرصاص المطاطي في الثمانينات. وكانت هذه عبارة عن رصاص فولاذي مغلف بطبقة رقيقة من المطاط. واستمرت قوات الأمن باستخدام هذا النوع من الرصاص اعتقاداً منها أن "الرصاص المطاطي" أقل ضرراً من الذخيرة الحية، ولذا فقد اعتبرته السلاح المناسب لاستخدامه في تفريق المتظاهرين.
وتبدو أعداد الإصابات في إيرلنده الشمالية بفعل هذا النوع من الرصاص شيئا لا يذكر إذا ما قورنت بأعداد الإصابات التي حدثت مؤخرا في الأراضي المحتلة. وقد قتل 57 فلسطينيا على الأقل من جراء إطلاق "الرصاص المطاطي" منذ بدء الانتفاضة وحتى نهاية شهر تشرين أول/ اكتوبر عام 1998م. وكان من بين القتلى 28 طفلا تقل أعمارهم عن 17 عاماً منهم 13 تقل أعمارهم عن 13 عاماً. وقد جرح المئات من الفلسطينيين. وعندما تتوفر الإحصاءات النهائية الخاصة بالإصابات أثناء تظاهرات تشرين أول/ اكتوبر فسيتبين بالدليل القاطع أن المقذوفة المتواضعة قد حصدت أعداداً كبيرة من الضحايا في الألفية الجديدة.
كيف يمكن تفسير التباين بين أعداد الاصابات في إيرلنده الشمالية وفي المناطق المحتلة؟ يبدو الآن أن هناك عاملان: الأول هو سوء استخدام هذا النوع من السلاح في مكافحة الشغب، والثاني يتعلق بالتغييرات التي استحدثت في تصميم الرصاصة. وتبرز قصة الطالب الفلسطيني، ناصر عريقات، التي تحدثت عنها صحيفة القدس لأول مرة قبل عامين تقريبا كلا من هذين العاملين.
قال واصف عريقات الذي يبلغ الثانية والخمسين من عمره، وهو عم ناصر، لصحيفة القدس "إنه في الساعة الواحدة وخمسة واربعين دقيقة، وبعد انتهاء الاحتجاجات (التي قام بها الطلاب في جامعة القدس في عام 1988)، جاء إبن أخي إلى المنزل في البلدة القديمة. وعندما كان يهم بدخول المنزل وهو يحمل حقيبة كتبه، وصلت دورية شرطة إسرائيلية إلى المكان. ترجل قائد الدورية من سيارة الشرطة وأطلق الرصاص مباشرة على رأس ناصر. وقد تناثر دمه (من الدماغ) في ارجاء المكان. وعندما حاول والده وأخواه أخذه إلى المستشفى، منعهم الجنود الإسرائيليون وقاموا بضرب الوالد مما أدّى إلى إلحاق اصابة برأسه من جراء هجوم الجنود الإسرائيليين".
ووفق للتعليمات التي تصدرها قوات الاحتلال الإسرائيلي والخاصة بإطلاق النار، فإن "الرصاص المطاطي" يجب أن يطلق فقط على ساقي أي شخص يثبت أنه اشترك في أعمال الشغب أو رمى الحجارة. وتحظر التعليمات صراحة إطلاق "الرصاص المطاطي" من مسافة تقل عن 40 مترا أو إطلاقه على الأطفال. ومن المستحيل إجراء مواءمة بين حالة ناصر وأعداد الإصابات التي حصلت مؤخراً وبين هذه التعليمات.
وفي نفس السنة التي قتل فيها ناصر، كان مراسل صحيفة النيويورك تايمز جويل غرينبرج شاهد عيان على إطلاق النار على طفل يبلغ الثامنة من عمره يدعى علي جوارش من القدس وإردائه قتيلاً. وقال المراسل لبتسيلم: "كان الجندي عندما أطلق الرصاص على بعد 15 إلى عشرين متراً من الطفل الهارب. وقد احتجز بعض الأطفال في ذلك الوقت وهرب آخرون، ولم يكن هناك إلقاء حجارة.
انسحب الجنود بعد إطلاق النار، وعندما قاموا بذلك لاحظت أن طفلاً يبلغ التاسعة أو العاشرة من عمره ملقى بلا حراك على الأرض".
وعلاوة على ذلك، فإنه لا يتخذ في معظم الحالات إجراء قانوني ضد الجنود الذين يطلقون "الرصاص المطاطي" ويقتلون فلسطينيين. وفي الحالات الثلاث التي اتخذت السلطات الإسرائيلية فيها إجراءات، تم تبرئة جندي واحد، وحكم على آخر بالسجن لمدة شهرين ومثل ثالث أمام محكمة تأديبية.
والأمر الثاني الذي توضحه قضية ناصر عريقات هو أن سوء استخدام الرصاص المطاطي والتحسينات المتتالية التي أجريت عليه هي المسؤولة عن تزايد عدد الإصابات.
سمحت القوات الإسرائيلية بعد تأخير طويل لعائلة ناصر بأخذه إلى مستشفى المقاصد في القدس حيث أعلن انه ميت سريريا. وبعد ذلك بيومين، اقتحمت قوة كبيرة من رجال المخابرات الإسرائيلية المستشفى واستولت على الرصاصات التي اطلقتها القوات الإسرائيلية على ناصر.
قال سلميان طرقام من مستشفى المقاصد لوكالة الأنباء الفلسطينية وفا إن "وحدات المخابرات الإسرائيلية قدمت إلى المستشفى في ساعات الصباح الأولى أمس وطلبت الرصاصات التي استخرجت من رأس الطالب".
واستمر طرقام في التعليق قائلاً: "لدينا المئات من الرصاص المعدني المغلف بالمطاط والرصاص الحي ولم يأت رجال المخابرات الإسرائيلية لجمعه من قبل أبداً". ويمكن أن يكون الاهتمام الغير عادي بهذه الرصاصات قد جاء بسبب أنه نوع جديد يتكون من "اسطوانة تحتوي على ما يبدو أنها مادة متفجرة بداخلها".
وأكدت مصادر طبية في مستشفى بيت جالا أيضاً أن النوع الجديد من الرصاص المعدني المغّلف بالمطاط استخدم من قبل القوات الإسرائيلية خلال اليومين الأخيرين من التظاهرات. وقد وصفت هذه المصادر الرصاصة الجديدة بأنها "اسطوانية الشكل ذات قاعدة مستطيلة من المطاط ورأس معدني على شكل رمح. ويحتاج ضحايا هذا النوع الجديد القاتل من "الرصاص المطاطي" سيئ الحظ إلى عمليات جراحية لاستخراج هذه القذائف من أجسامهم.
وفي خلال السنتين اللتين مضتا بعد مقتل ناصر، أصيب عدد كبير من الضحايا الأبرياء، ليس برصاص مطاطي في سيقانهم، بل برصاص فولاذي مغلف بمطاط ومصنوع بتقنية عالية نفذ إلى رؤوسهم.
إذا كانت الكلمات هي ذخيرة الدبلوماسيين والمفاوضين المنشغلين بالمفاوضات التاريخية، فإنه قد آن الأوان لاستخدام هذه الكلمات بصورة دقيقة وموضوعية؛ الأراضي المحتلة هي بحق أراضي محتلة ولكن "الرصاص المطاطي يجب الإقرار بأنه رصاص قاتل، يستخدم في أحيان كثيرة وبصورة متعمدة، من قبل قوات الأمن التي توجههُ نحو رؤوس الأبرياء.