قبل عام من الان كنت وصحب كثر لي نعيش اوشال سنوات الغربة او الوحشة او الهجرة او التهجير او المنفى ان لم تكن تلك المفردة المريبة الملغزة القاسية سوف تؤدي اىي قطع العلاقة الاجتماعية بيني وبين صديقي الذي عبر بعدي بست سنين منفذ وقوس طريبيل واذ حطت قدماه فوق محيط الساحة الهاشمية صاح بالمحتشدة يا قوم يا صحب لتقر اعينكم فانا الان اشرق علي منفاكم البارد!
صاحبي الذي سيقرأ الان ويتذكر ويستعيد ويطرق ويتفكر ويكره، كان عمل في البلد مقاولا رئيسيا ترسو عليه مزايدات ومناقصات مطبخ (أم الهزائم واخواتها).
قبل عام من اللحظة، كنا نسهر ونغفو ونصحو قدام جهاز التلفزيون وهو يرش علينا اولى لقطات فلم خلناه اول وهلة طويلا لا نهاية له لكن الخاتمة جاءت اقرب من حبل الوريد او هي المسافة بين الابهام والخنصر.
الفلم العراقي كان من طراز ما يحاك ويصور ويخرج وينتج ويمنتج ويؤسكر في فجاج هوليود وكان ينطوي على مقاطع تشلع القلب وتسحق الروح حتى تكاد من فرط الوجع تموت علي صراخ وانين بغداد العباسية التي انكسر ظهرها وانهرس جسدها المبارك وتجرح تحت قسوة ووحشية اسنان (الكروز) واوهام وخيالات وربما حقائق القنبلة النووية التكتيكية التي هيأها لنا العم (سام) وحينها لم يكن بيد وبمستطاع وبقدرة صدام حسين مواجهة العصف القادم والرد عليه سوى بأشهار فايلات مهلهلة ومتربة استلها من تلافيف مخيلته المعطوبة والتي كان اشهرها يشير الي امكانية اسقاط طائرات الشبح بالهلاهل واغراق (ابراهام لنكولن) بالهوسة!
في العشرة الاوائل من الفلم الذي حدث قبل سنة من اليوم قلت لصديقي الذي اكتشف مؤخرا قبر اخيه في مدفن جماعي وكان قلبه محروقا ومفطورا علي البلد، انه ما دامت الحرب قد وقعت وما دام الامريكان في البلد فأن مرأى ومشهد اسقاط طائرة امريكية ــ ولو ببرنو صدام حسين الشهير ــ سيسعدني ويفرحني تماما كما صرح وقال وكتب ملايين الامريكان المعترضين علي الحرب وعلي رئيسهم لكنهم وجدوا انفسهم فجأة يشعلون الشموع ويطلقون الادعية وينثرون التمائم التي تحفظ حياة الجند والأبناء فالحرب وقعت شاءوا ام ابوا.
بعد انفناء سنة على احداث ذلك الفلم الهوليودي الرهيب اود ان اسركم بأنني كنت قضيت ــ على وجع الليالي وسوادها وسخامها ــ اوقاتا سعيدة واطلقت انا والعائلة ضحكات مترعات خاصة في مشاهد الفلم التي يظهر فيها عزيزي محمد سعيد الصحاف الذي يعيش الان منفاه الاماراتي ليطش في حضن السهرة نكاتا وقفشات وطقطوقات وطرفا وملحا اشهرها علي الاطلاق تلك التي تتصل بمسألة (العلوج) التي اتبعها مرة وهو في اعلى فورات الحماسة بجملة: (موت الكرفهم)!
