سوار الذهب: قاد انقلاباً ليصير ديكوراً لانقلابات

منشور 29 تشرين الأوّل / أكتوبر 2018 - 03:34
سوار الذهب
سوار الذهب

خالد أبو الخير

اعتدنا أن نقدس الموتى ونضرب صفحاً عما ارتكبوا، بيد أن الواقع كثيراً ما يكون مغايرا لتلك النظرة، ولعل في قصة الفريق عبد الرحمن سوار الذهب ، الذي إحتفت بموته وسائل الإعلام ومنحته القاباً وأوسمة كلام، ما يقال..

يذكر السودانيون صباح السادس من نيسان / أبريل عام 1985، حينما أطل وزير الدفاع الفريق عبد الرحمن سوار الذهب ليعلن ان الجيش استولى على السلطة انتصاراً للشعب الذي هب ضد حكم المشير جعفر نميري، وفي ظنهم ان انقلاباً أطاح برجل الانقلابات، وأن حكماً عسكرياً جديداً أطل عليهم.

 

 لكن الرجل الذي قاد الانقلاب كان زاهداً في الحكم، وذو تطلعات ديمقراطية، إذ سرعان ما تنازل عن السلطة   وأعلن عن تشكيل حكومة انتقالية برئاسة الجزولي دفع الله لتمهد لإجراء الانتخابات.

 

 الحدث.. بدا غريباً على المستويين السوداني والعربي ، أن يسلم الرجل الذي اسلم الروح اليوم السلطة، في بلاد درج الذين يقودون انقلابات فيها على الإدعاء بانهم جاءوا مرحلياً ريثما تنظم انتخابات، ثم يبقون في الحكم لسبب أو لأخر، باعتبارهم  "أمل الأمة وقادتها الافذاذ".

 

سوار الذهب لم يسر على خطاهم، وإن لم يأخذ بالرأي القائل أن للديمقراطية شروطها، وربما ندم حيث لا ينفع الندم، فقد فشلت الثورة في تحقيق أهدافها بسبب أنها قامت بلا أهداف، عدا التخلص من حكم النميري، وجراء الخلافات بين السياسيين، الأمر الذي أدى فيما بعد إلى انقلاب عسكري قاده زعيم الجبهة الاسلامية القومية حسن الترابي ضد الحكومة المنتخبة ورئيسها الصادق المهدي،تحت ذريعة حملت ربما للمفارقة اسم " ثورة الانقاذ"، التي استدعت أحد كوادرها بالجيش لاستلام مهام الرئيس بحكم انه الاعلي رتبة.. وكان ذلك بداية حكم عمر البشير المستمر حتى الآن.

 

والمثير أن الترابي كان يشغل منصب نائب رئيس الحكومة الصادق المهدي، وأن أول ما فعله البشير هو أن زج بالترابي في السجن ، مهندس الانقلاب ورأسه المدبر!.

 

بل أن  الانقلاب الذي لم يكن يتوقعه، وفي ظنه انه وضع البلاد بتسليمه السلطة على طريق الديمقراطية،  لم يتسع لسوار الذهب، الذي انقطع عن العمل العسكري والسياسي وتفرغ لأعمال الدعوة الإسلامية من خلال منظمة الدعوة الإسلامية كأمين عام لمجلس الأمناء، فتعرض الى مضايقات وتضييق، ففهم الرسالة، وأكد مراراً انه لا يرنو إلا للعمل التطوعي والخيري، وقصر جهده فيهما، فنال احتراماً.

 

عمل ايضاً  رئيساً للمجلس الإسلامي بالقاهرة ونائباً لرئيس الهيئة الإسلامية العالمية في الكويت، ونائباً لرئيس إئتلاف الخير في لبنان، ونائباً لرئيس أمناء مؤسسة القدس الدولية، وعضواً مؤسساً في العديد من المنظمات والجمعيات الخيرية و الاجتماعية الإسلامية والعالمية، ويذكر له مقربون منه انه خدم الكثيريين، وخصوصا في مسقط رأسه " أم درمان".

 

لا يعرف بالضبط كنه الدافع الذي اعاد سوار الذهب إلى السياسة حين أعلن في العام 2007 عن تشكيل هيئة لجمع الصف الوطني مع مجموعة من القيادات الوطنية على رأسها وزير الدفاع الأسبق في الحكومة الانتقالية اللواء عثمان عبدلله، "بهدف  توحيد كلمة أهل السودان إزاء التحديات التي تواجهه".

 

لكن السودانيين لم يرضو عنه حين اختارت الهيئة الشعبية لترشيح مرشح المؤتمر الوطني المشير عمر البشير في انتخابات 2010، سوار الذهب ليكون رئيساً لها، بل إن  أحزاب المعارضة استنكرت وانتقدت الخطوة، كونه كان بنظرهم شخصية قومية واستكبرت عليه أن   يتحدر نزولا.

 

رحل سوار الذهب.. أول انقلابي عربي يتنازل عن السلطة دون إكراه، لكن تنازله ذلك، أودى به في النهاية ليكون مجرد ديكور في سلطة يقودها انقلابيون آخرون!.

 


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك