سوريا .. اسئلة الداخل وتحديات الخارج

تاريخ النشر: 21 أغسطس 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

دمشق – البوابة 

 

السؤال الابرز في سوريا الآن، وهو سؤال يشترك فيه الحزبيون، والنخب الثقافية، والشارع العفوي يتفرع الى شقين: كيف ستكون متغيرات الداخل، ونحو أي اتجاه سيكون المتغير الخارجي ازاء سوريا؟ 

فيما يتعلق بالشق الاول ، والذي يتناول الوضع الداخلي لسوريا، فان الاجابة تبدو اكثر تعقيداً واحتداماً، فهو يمتد من الشأن الحزبي- السياسي والجبهوي، الى الوضع الاشكالي للجيل الشاب، وعند كل منعطف تبدو ازمة ، ومع مجمل الازمات القائمة، تبدو الحلول التي تطرحها اجهزة الدولة اكثر عجزاً، ومساحات التشاؤم تغلب على المساحات الاخرى، والتشاؤم يبدو من ضخامة الموروث. 

التساؤل السوري الاول الآن هو دور الجبهة الوطنية التقدمية في المرحلة المقبلة، ومدى فعاليتها بناء على ماض من السلبية، التي كان سببها على حد تعبير احد اعضاء مجلس الشعب السوري، وضع تحالفي مع الحكومة حينما قبلت الاحزاب المغانم، مقابل السكوت على الفوارق الاجتماعية، والغاء دور هذه الاحزاب وتحويلها الى مجرد واجهة احتفالية للحزب الحاكم ، ورغم اسبقية سوريا في طرح التعددية السياسية وتجميع الاحزاب حول ميثاق غايته البعيدة تكريس الاستقرار والوحدة الوطنية، الا ان ذلك وبسبب سلبية الاحزاب المنضوية في الجبهة، لم يتحقق على يد الجبهة. ففي سوريا لغتان : لغة البيوت والمجالس الخاصة واللغة الرسمية، وهناك تفاوت ما بين اللغتين، وحجم المسافة بينهما لا يدلل على الوحدة الوطنية المأمولة، فالوحدة الوطنية ما تزال بيد السلطة المركزية، فيما حقائق الوضع تتراجع نحو صياغات ما قبل الدولة. 

ومجمل الأوضاع السورية تشير الى ان المجتمع السوري شهد انقساماً ما بين اجياله، جيل الحرس القديم الذي استولى على البلاد والجيل الثاني الذي ترافق مجيئه مع فورة النفط فحقق فائدة اقتصادية بهروبه للعمل في الخارج، والجيل ثالث وهو جيل الشباب الذي ولد منتصف السبعينات واوائل الثمانينات، وهو الجيل الذي لم يجد امامه سوى الازمات المتراكمة، فالجيل الاول اشرف على جميع مقاليد الامور والحكم، منذ نهاية الستينات حينما كان تعداد سوريا ستة ملايين نسمة، ورغم وفاة اكثر من ثلاثة ملايين منهم، خلال الثلاثين سنة الماضية، كان هذا الجيل وما زال يمثل (كل السوريين) ويسيطر ويحتكر مفاصل اساسية في جسم الدولة ، على حساب الجيلين الاول والثاني، وهذا ينطبق على الاحزاب كما ينطبق على اجهزة الدولة، واذا ما علمنا ان ثلثي المجتع السوري، هم الآن تحت سن الخامسة والعشرين، فان هذا يعني ان ثلثي الشعب في سوريا هم سلفاً خارج الفعل السياسي، وهذه ازمة تتبدى مظاهرها في الجريمة، وفي الضياع السياسي والانساني الذي يعانيه الشباب السوريون، بحيث يمكن القول عن هذا الجيل بأنه جيل الهوية الضائعة، وهو جيل من الصعب على احزاب الجبهة احتواؤه، او التقاط ايقاعه، فيما يأخذ اتحاد شبيبة الثورة بتنظيم هذا الجيل داخل صفوفه دون الالتفات الى المشاكل التي تعترض هذا الجيل لتزداد غربته وتبتعد المسافة ما بينه وبين الفعل السياسي. 

المشكلة السياسية تتفاقم، والاحزاب تجد نفسها غريبة عن الناس، وبذات الوقت تحول دون امكانية اطلاق قوى سياسية اخرى، لاعتقادها بأن هذه القوى يمكنها ان تأخذ المبادرة من يدها . 

والسؤال الثاني المطروح على سوريا هو سؤال الدور الاقليمي، وما هو موقع سوريا في الصياغات المستقبلية للمنطقة ، وما هو ارتباط ذلك بالاوضاع الداخلية لسوريا، ومن المعلوم ان الصراعات الاقليمية، والدور الاقليمي كانا المظلة الدائمة لتغييب حقائق الوضع الداخلي، واستحقاقاته، ويظهر في سوريا من يقول انه برغم النجاحات التي تحققت في السياسة الاقليمية للدولة، غير أن الديبلوماسية السورية كانت تعمل بشكل مشخصن، ولم تستفد من مكانتها الاقليمية، فالمكانة الاقليمية لدولة ما هي ان تكون فاعلة في السياسة، وهذا يتوقف ليس على نظرة الدولة الى نفسها بل على نظرة الآخرين للدولة، ومصادر قوتها الداخلية، واهم هذه المصادر الاقتصاد والقوى البشرية، والتكنولوجيا، ولقد ادى تجاهل هذا الى شرخ كبير ما بين المواطن والدولة. 

في الاستخلاص الاخير فان الارتباك ما بين الدور الاقليمي ووضع المواطن هو الذي يحدد هوية الدولة، والسؤال المتعلق بأولوية احدهما على الآخر بات سؤالاً غير مسموع، ومع ذلك فما بدا متغيراً على مستوى الخطاب الرسمي السوري، خلال فترة قصيرة ماضية تم التراجع عنه ، وهذا الذي بدأ .. بدأ في الحديث عن الديمقراطية والرأي والرأي الآخر، والمحصلة. 

عاد الحديث عن الدور الاقليمي، والصراع، على حساب حقائق الوحدة الوطنية والمواطن، دون ان ينفك الاشتباك، ما بين وحدة السؤالين، وكأنهما الواحد ضد الآخر أبداً.