عمان – مالك العثامنة
طاولة تلفزيون متوسطة الجودة لن يتجاوز ثمنها أكثر من 20 دينارا في السوق الأردني، لكن يمكن أن تشترى طاولة مشابهة وبنفس الجودة بما لا يزيد عن خمسة دنانير، في سوق أردني مختلف يعرفه معظم الأردنيين، وهو سوق "الحرامية" في منطقة سقف السيل في وسط عمان العتيقة.
(جمال قنديل) سائق التاكسي وابن المنطقة العارف بتاريخها يعيد تاريخ السوق إلى 30 عاما مضت، وقبل أن يكتمل سقف السيل، حيث كانت الساحة المكشوفة القابعة على أطراف السيل، سوقا للألبسة والأحذية الأميركية والأوروبية المستعملة، أو ما يسمونها (بالبالة)، وهو اسم يطلقه أهل بلاد الشام على أسواق وبازارات المواد المستعملة.
ويتذكر قنديل الذي يعرف السوق جيدا، ولا يشتري منه بتاتا كما يقول، أن السوق كان عبارة عن ساحة مكشوفة (كما هو الآن) وكانت مياه السيل تصل إلى أرضه، فيضع التجار أرضيات خشبية يقفون عليها، ويعرضون بضائعهم المتنوعة من ملابس وأحذية ومعاطف مستعملة. ومقابل الساحة كان سوق الخردة حيث البضائع المتعلقة بالخردوات ومواد البناء البسيطة، ويطلق العمانيون على الساحة إسم (الجورة) نظرا لانخفاضها تحت مستوى الأرض.
ويضيف سائق التاكسي البالغ من العمر 50 عاما أنه ومع مرور الأيام، كان بعض "الحرامية" وشطار عمان أيامها يقومون، مع بواكير الفجر، ببيع مسروقاتهم الخفيفة إلى تجار السوق، الذين يقومون ببيعها إلى رواد السوق بدورهم. وطبعا أصبحت تلك هي العادة الدارجة، لانخفاض كلفة البضاعة على التاجر والمستهلك، ولعدم تقدير "الحرامي" قيمة البضاعة الفعلية.
عمران قاسم، تاجر في السوق ويعرض على بسطته الغريبة مختلف أشكال وأنواع البضائع الخفيفة، والتي ليس بينها أي رابط، فمن أجهزة مطبخ كهربائية، إلى هواتف أرضية وخلوية، إلى أشرطة فيديو لأفلام عربية قديمة، إلى أوان منزلية وميداليات وأقراص كمبيوتر ممغنطة، والمثير للدهشة وجود "ناسخ سي دي" C.D. Copier حديث بين حنفيات نحاس مستعملة. وحين سألناه عن ماهية "الجهاز الغريب" الموجود بين الحنفيات، أجاب أنه لعبة "أتاري" يتم تركيبها على التلفزيون، وأن ثمنها النهائي بدون مساومة خمسة وعشرون دينارا!!. طبعا لا يمكنك المجازفة رغم كل هذا الإغراء بالخمسة وعشرين دينارا ثمنا لجهاز باهظ الثمن في السوق الأردني العادي.. وذلك لأن الإلكترونيات والكهربائيات في هذا السوق العجيب "الموازي" غير خاضعة للفحص، وقد تشرب مقلبا أكيدا في حال كان الجهاز (على الأغلب) غير صالح للإستعمال بالمرة.!.
وبالإضافة إلى هذا السبب، فهناك مكمن حذر آخر في المساءلة التي قد يتعرض لها أي مشتري في أي لحظة بعد الشراء، كما يقول عادل عبد الله أحد رواد السوق المواظبين على التفرج، وشراء بضائع رخيصة وغير مسروقة (نظيفة) كما يدعي.
ويفسر هذا المواطن الأردني، الذي يعمل سمسارا دون أن يوضح مجال السمسرة التي يعمل بها، أن شراءك أي بضاعة خصوصا الإلكترونيات والكهربائيات من سوق الحرامية لا يعفيك من مسؤولية الملاحقة القانونية، وزيارة غير محببة من الشرطة إلى بيتك في نصف الليل.
ويضيف أن كشف السارق الذي سرق البضاعة في أي يوم سيؤدي وبعد (التحقيق العنيف) إلى التاجر الذي اشترى منه وباعك البضاعة، والتحقيقات تستمر، و"الضرب المبرح في المخفر، يعيد الذاكرة إلى التاجر، لكي تكون أنت الضيف الأخير".
وملاحظة ساخرة من عادل عبد الله كهذه لم تكن مجرد مبالغة يتهكم فيها، بل إنه قد أشار إلى شاب لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره كان جالسا على صندوق خشبي ويراقب المارة، وقال "هذا مثلا، هو سارق أجهزة كهربائية، ويبيعها لعمه، وهو صاحب أحد البسطات في السوق.. لكن الاتفاق بينه وبين عمه ينص على عدم الاعتراف في حال القبض عليه، مقابل تعويض مالي مجزي حال خروجه من السجن، الذي لن يمكث فيه كثيرا نظرا لأنه حدث!!" ويتابع دليلنا العابر قائلا "وهكذا فإن عمه هو من أنجح تجار السوق..!!".
وبينما نحن نراقب الحركة المستمرة في السوق المزدحم بشكل لا يمكن وصفه يوم الجمعة، وبنفس الوقت نتحسس جيوبنا كل لحظة خوفا من "ضربة جيب" على حد تعبير جمال قنديل سائق التاكسي الذي حذرنا منذ البداية من هذه "الضربة"، وهي تعني حركة خفيفة في وسط الزحام في جيوبك تجد نفسك بعدها بلا نقود، لفت انتباهنا شاب في الثلاثين يرتدي بذلة أنيقة وكان وجوده في السوق حالة شاذة وصورة غريبة، وكان الشاب يتجول كالعارف تماما ببواطن السوق. ولم يمانع حين اقتربنا منه من الإجابة على استفسارنا حول وجوده وأسباب تجوله ليقول لنا "أنا طالب ماجستير، وأبحث في البسطات هنا عن كتب قيمة وحسبما تيسر لأنها (لقطة)".. ويضيف مفسرا باحتجاج "أسعار الكتب القيمة في عمان عالية جدا، والحرامي الذي يسرق مكتبة، أو التاجر الذي تقع تحت يديه بأي طريقة كانت، كتب قيمة لا يعرف قيمتها، يبيعها بدينار.. أو على أكثر تقدير بدينار ونصف، مقدرا قيمتها من نوع وشكل الغلاف".. وأشار لنا إلى بسطة ثقافية لنتفاجأ بمعروضاتها المتنوعة من مجلات عربية بعضها يعود إلى السبعينات، ومجلات أجنبية إباحية (بورنو)، وكتب تجارية حول الجنس "أسرار شهر العسل"، وبنيها تقبع كتب مهترئة وعناوين مثل "العقد الفريد" و"أعمال نزار قباني" و "رأس المال" و"روايات دوستويفسكي" .. والتي لم يمانع البائع بيع مجلداتها بشكل فردي أي أن يبيعك الجزء الثاني لرواية واحدة من دون الجزء الأول.. فهو لا يعرف الفرق!!.
ومن المثير أيضا –كما ذكر طالب الماجستير- "أن بين المعروضات أدوات وبضائع انقرضت من سوق الإنتاج العالمي" .. أو أجهزة تسجيل من فترة الستينات ذات البكرات، أو ربما تجد وبالصدفة بين كل هذه الأكوام ساعات من نوع رولكس الثمينة تباع بما لا يتجاوز الثلاثين دينارا!!".
الكاتب الأردني يوسف غيشان وفي كتابه الساخر (برج التيس)والذي رصد فيه صورا غاية في الإتقان لعمان المدينة يقول في مقال حول سوق الحرامية تحت عنوان "سوق الكحيانين" (أعتقد أن إطلاقنا اسم "سوق الحرامية"على هذا المكان هو جزء من تعويذة تطهيرية نبخر فيها أنفسنا لنبتعد عن الإعتراف بمسؤوليتنا الاجتماعية حول صعوبة الحياة على الطبقات والفئات الاجتماعية التي تحيا خارج إطار الدائرة الاستهلاكية..).
"سوق الحرامية" في قاع المدينة من إحدى عجائب عمان.. وبجواره لا يزال السيل الذي سقفه العمانيون .. فجف السيل وبقي السقف.. علامة بارزة لإحدى مظاهر القاع في مدينة عمان..!!—(البوابة)