سينما الرافدين

تاريخ النشر: 23 مارس 2010 - 06:11 GMT

علي السوداني

قبل سبع سنوات من صبحيتكم المبروكة هذه ، كان أبو خليل مازال صامداَ على باب أم قصر وهو يتناوش بطلقات قليلة فقيرة متخلفة حشود الوحوش الأمريكان والأنجليز الذين أنسكبوا على جنوب الرافدين من بوابة الكويت الكريهة . الجندي أبو خليل لم يكن في متراس يمكنه من جرح الغزاة . معاشه الشهري لا يسد كروة الباص الذي سوف يرميه على أعتاب الساتر وان فاض منه شيء فهو ماعون تشريب باميا وهمي ورأس بصل وأستكان شاي أسود محروق عند بنكلة من جينكو يسميهاالعوام ومثيلاتها " مطاعم الطرق الخارجية " عدته وزاده وزوادته ، شواجير طلق بائد وكلاشنكوف حائل من زمن حصرم باشا وبسطال عتيق وبدلة من سوق هرج وزمزمية ماء مج وصمونة جيش سمراء مشهية وبقايا بلل آتية من أم طشّت وراء كبدها طاسة ماء كي تبعد عنه الشر ، وصورة طفل أو رسمة حبيبة أو حجاب محمي بمحاضرة العريف عبد الزهرة عن مزايا البندقية والفرضة والشعيرة وغرفة الدفع وقطع النفس حال الرمي والنيشان وجر العدو الى خانق قتل ضيق ، فأن نضبت طلقاتك فعليك بالحربة المسننة وباقي صنوف السلاح الأبيض التي منها البوكسات والراشديات والجلاليق والتفلات والعكسيات التي استعملها طيب الذكر والذاكرة عدنان القيسي وكسر بوساطتها ظهر الفيل الأيرلندي كوريانكو ورفيقه فريري في واقعة سبعينية مشهورة حدثت في ملعب الشعب الدولي البهيج ، وأيضاَ الفشار الذي يمكنك بمعجمه العراقي البهي أن تقول للجندي الأمريكي " تعال يا ابن الكحبة " لكن بأنجليزية مفهومة وقوية . العراقي الشهم ابو خليل كان يومها بمواجهة جيوش حديثة جبارة ومرتزقة شواذ أبناء زانيات اصطفاهم المجرم بوش الأبن ابن المجرم بوش الأب ، تدربت على منضدة العراق الرملية كما لو أنها في صالة " بلاي ستيشن "

في باب الرائعة أم قصر ، لم يقصّر الجندي أبو خليل ولم يبخل بعرقه ودمه وحلمه وذكرياته وآماله . وحده كان بمواجهة الموت . لا أناشيد وطنية ولا عفية ترس الحلق ولا حتى تلفزيون نص عمر يرى وينصت من مشوفته طقاطيق ولطائف وملحات وأطايب نجم تلك الواقعة من دون منافس ، محمد سعيد الصحاف باعث ومحيي مفردة العلوج وقد أسهب وأطنب وشحن مخياله ولغته بحكايات عن توريط العلوج وسحسلتهم الى فخاخ وشقوق الموت وبعثرتهم حتى يصبحوا أفعى تتلوى ، ذيلها في البعاج وخشمها في سوق الشيوخ وخواصرها تتدمى بين الهندية وجسر ديالى حتى لحظة فصل الرأس عن الجسد . عصريتها كان العزيز الصحاف يرسم بريشة الحروف المضيئة هذا المنظر المسعد والمبهج ، وكان العلوج يعاينون على مقربة ركضة منه بقيا عربانات الفشافيش بالبهارات الصفرة في حارة علاوي الحلة . بعد أسبوع أم قصر المدهش ، سقطت بغداد العزيزة المحبوبة . دبابة أمريكية فوق جسر السنك ترقب فضاء صوامع الخلاني والشيخ عمر واعدادية النضال وفندق ابن الهيثم ومنتدى المسرح والمقهى البرازيلية ، ودبابة ثانية أنزرعت فوق جسر الجمهورية الخالدة ، مرة تلتفت صوب اليمين وتحتفي برشة طلقات على بناء وزارة التخطيط ، ومرة تتأمل وجندها نصب جواد سليم الذي مرقت من تحته قبل قليل دبابة أمريكانية ثالثة ، لكن ثور النصب والمرأة والسجن والسجين ، لم يجفلوا ولم يخافوا وظلوا على نفس الوقفة الشريفة المباركة . الرئيس في رأس الحواش يلقي على أهل الأعظمية نظرة وخطبة الوداع الأخير وحفلة التمثال ما زالت قائمة في تدويرة الفردوس . حرب مصنوعة من كذب وتهويل ووهم وكراهية ، خلقت ديمقراطية منغلة في ارض ما بين القهرين . شعوب قريبة وأقوام بعيدة تحكمها دكتاتوريات وعوائل متخلفة متعفنة وسلاطين عرج ، تراها اليوم تشد على دكتاتورها بالنواجذ لانها تخشى من يوم ديمقراطي لا بلاد فيه ولا كرامة ولا تجارة ولا خلال ، تماماَ كما هي أحداث الفلم المعروض الآن من على شاشة سينما الرافدين العليلين . هل الحل في الدكتاتورية ؟ طبعا لا . تقبلوا محبتي وفي امان الله !!