وهذا كائن لطيف ظريف كردي طيب من كائنات السينما العتاة . أما دار السينما مقصدنا اليوم فهي سينما بابل المبنية في مؤخرة شارع السعدون ببغداد العباسية على مبعدة شمرة عصا من ساحة الجندي المجهول العتيق ، واما الكائن فهو حجي محمد ابو ثائر مدير الدار ومدبرها منذ افتتحت حتى بادت . واحدة من شغلات حجي محمد الكثر هي فحص ومشاهدة الفلم قبل عرضه على النظارة ولقد حضرت غير مرة ومرة تلك الفعالية الرحيمة في سبعينيات القرن الفائت بوصفي وأبي وأخي ملّاك عربانة الحب والسكائر والعلك المزروعة بباب السينما وتفرجنا على الحجي والذين معه وماذا يصنعون بالفلم قبل عرضه . المهمة كانت تتصل بقص كل المشاهد المثيرة والملتبسة ومنها صدر ناهد شريف مستور بربع حمّالة أثداء ولسان عبد الحليم حافظ وهو يتمادى في الغوص في فم نادية لطفي أو ميرفت أمين وهي تراود الفتى المفتول رشدي اباظة عن نفسه من أجل انتاج أعظم طفل في الكون او هتاف شادية وهي تدعو الفلاحين للثورة ضد عتريس وكان حينها في عب الحجي الف عتريس وعتريسة وهو بذلك لا يكترث لصيحات الجمهور المكبوس في بطن الصالة الظلماء والتي كان أشهرها " لك ليش ، أعور " . أما اقوى فعلات حجي محمد على الأطلاق فكانت في تقصيص وتقصير زمن الفلم من ساعتين مثلاَ الى ساعة ونصف كي يعرض على ثلاثة أدوار يبدأ الدور الأول في تمام السادسة عصرا والثاني في الثامنة والأخير في العاشرة والعبقرية هنا تكمن في قص لقطات ومشاهد من الشريط من دون أن يؤثر الأمر على الثيمة والقصة كما لو انه روائي كتب رواية من ثلاثمائة صفحة ثم شرع بحذف ما وجده وقع في باب الحشو والفائض والمقحم على النص .
قلت أن العرض ألأخير يبدأ في العاشرة وينتهي في الحادية عشرة والنصف ، اما انا فأبقى مشتولاَ خلف عربة الكرزات بأنتظار خروج زبائن محتملين أحدهم يشتري باكيت روثمان ويشعل تبغه قهراَ وكمداَ على ما آل اليه حال شامي كابور وثانية تشتري باكيت كلينكس لمسح وتنظيف الوجنتين من آثار كحل ممزوج بدمع حار وثالث يبتاع ربع فستق عجم ويعود به الى الدار ضامناَ رضا الله والزوجة والضمير ووغد سافل يمر على سور العربانة ويخمط منها كمشة حب ابيض مصلاوي مقابل ابتسامة حلوة يرميها عليّ ويرحل . شارع السعدون في تلك الساعة المبروكة كله يمشي ، من سينما بابل وسينما النصر وسينما سميراميس وسينما أطلس وسينما النجوم وسينما السندباد ، محطتهم الأولى ساحة النصر والباصات 2 و 3 و4 و30 و21 وفولكات ساحة الميدان ، والمحطة الثانية ، الباب الشرقي لصق حديقة ألأمة والباصين رقم 46 الى الثورة جوادر ورقم 49 الى الثورة داخل وفورتات سريعة واحدة اسمها رف والثانية اسمها ستة وستين والثالثة مارسيدس عنجة ، وفي درب الآلام هذه ثمة وقفات عند أعتاب شربت فوزي الكربلائي ولبن حجي كاظم الطيب الذي يثلم بعضاَ من واجهة مطعم تاجران وللجوعانين والجوعانات ، لديك عربانة علي ولفّات العمبة والبيض والّلب الهندي الحار أو عربانة ابو أحمد السوري الذي يشيل سطحها خروفاَ محشياَ مزيناَ بالكرفس والبصل والصنوبر وشرحات الليمون والطماطة ويخيّم فوقه وجه الرجل الشامي الذي ينقط صحة وعافية واللفة بتسعين فلسا بعد تأميم النفط وقبل خراب الحلة !!
أنا الليلة اريد تلك السنين الجميلة من سينمات شارع السعدون وناسه ودكاكينه ومقاهيه وحاناته ومطاعمه ومسارحه وازقته وشناشيله وعرباناته وقناديله وشرطته وشحاذيه وأشقيائه وملاهيه وصعاليكه وغلمانه ومجانينه ونشّالته وسياسييه وأدبائه ومصوريه وكلاواته ونيوناته ، علّ الناس تهدأ وتتصالح وتتسامح كما تصالح من قبل ، انصار عبد الحليم حافظ مع أنصار فريد الأطرش .