شاشة الاعتراف - علي السوداني

تاريخ النشر: 03 يونيو 2006 - 02:09 GMT

الليلة البارحة وقع لي امر عجيب لم اتبين ماهيته حتى لحظة تدوين هذا الانثيال. هي نصف اغفاءة حتي رأيت روحي وقد سافرت الى زمان كنت عشته قبل خمس عشرة سنة.

المكان كان بغداد العباسية والزمان هو زواج بين شباط اللباط وآذار المهذار والمهر كان سخام وطين "ام الهزائم الخالدة".

في دقيق ما تراءي لي انني وصحب كنا ارحنا عجيزاتنا فوق تخوت مقهى حسن عجمي وعلى طقطقة استكانات النادل المعروف ابو داوود الذي لم يخسر واوه هذه المرة فززنا من فرط الانذهال لكن كان بالمستطاع ان نرى الى بعضنا البعض وقد شالت خدودنا صلية صفعات غير مستردة.

انا لا اعلم ان كان هذا الذي اهذيه واسلقه واخبزه عليكم الآن حلما ام رحلة في مركبة سحرية تبرق ولا ترى وتتناوش ما شاءت واشتهت من زمان بائد سحيق لكنني اذكر ظهيرتها ان سيناريو الوجع لم يكن على هذا المهوى الذي آل أليه فقد استضافت خيمة صفوان ثلة من عساكر الدولة المهزومة الذين رفضوا شرب القهوة حفاظا على قطرة عرق ما زالت تتلألأ علي الجبائن لكنهم - قلبي عليهم - كانوا بصموا بالابهام او بالقلم على اشتراطات تطبيع الموت ووقف انهمار النار وفي هذه الاستدارة التاريخية ينقطع الحلم او تتوقف الرحلة الى الماضي ثم تتصل ثانية فتكون المركبة قد حطت رحائلها عند امسية الثامن والعشرين من شهر نيسان من سنة القحط لحظة قدم صاحب الاعلام المكنى بوزير الشعراء رئيس الدولة اوانها صدام حسين الذي لم يكن امسيتها على ما عرف عنه من اطناب واستطراد وأفاضة.

واجه الرئيس رعيته بشجاعة وبجلد وبصبر واخبرهم اننا خسرنا كل شيء وينبغي ان نتصرف ونقرر ونتلاسن من متن الهزيمة الشاسع ومن هامش الامل الضئيل وندعو الى تبديل الخطاب والعتاب وان امامنا شهرا نؤثث فيه دكة اقتراع حر نزيه شفاف تقول الناس فيه كلمتها الواضحة الواثقة.

هنا ثمة حرون جديد لذاكرة الحلم او الرحلة العجيبة لكن المرأى ما زال يلبط عند اوشال عام النكسة وبأستعادة فعل التذكر يكون الجزء المفقود هو قناعة امريكا بسيناريو الصفقة المتدرجة التي افضت في خواتيمها الى تبدل شمولي في حجر رقعة الشطرنج اتكاءا على حتمية لم تكن لتحتاج دورة تاريخية ممطوطة كي تكتمل وتنضج بل ان سحر مركبة الهجرة الى الوراء قد تكفل بأزاحة اي اثر او كدمة من كدمات عار الخسارة!

انفتحت وسائل الاعلام واجيزت نعم الاتصال وسمح بقول ما لا يقال وكرم من كتب ما لم يكتب وبيع من المجلد الاول لمذكرات صدام حسين مليون نسخة واشهرت على شاشات عملاقة علقت على ربايا الساحات والشوارع مقابلة نادرة مع الرئيس المستقيل دردشة غير مسبوقة باح فيها بما لم يبح من قبل ومما جاء عليه ان فرمان غزو واحتلال الكويت كان بحق فرمان كسر ظهر ورقبة البلاد لكنه جادل مطولا في مسألة حرب ايران ورمي تأويلاتها غير المستحبة في عب المعارضة العراقية في الشتات!!

ثالثة تنقطع مشعات الذاكرة فأجدني مع ندمائي ساكرين على ضوء الشموع في حانة الزقازيق الملطوشة في حشوة الميدان نتداول بما جرى ونتناوح كما سبايا وفينا واحد شهرته في بغداد انه "كليم الزار" ووصمته بين صحبه وخلانه ومريديه انه الأحكم الذي لا ينطق عن جهل ولا يهذي من سكر ولا ينام على ضيم ولا يعيد ماعون جوعان ولا يلبس الباطل بالحق ، قال يا صحب يا خلان يا حلوين ان انزلوا اللحظة من مركوب السفر الي الماضي وتعالوا معي الى سفينة فضائية عجيبة غريبة توصلنا الي سنة 2106 فأريكم بغداد اجمل الحواضر واهلها اطيب الناس وصالات السينما فيها ما زالت تعرض فيلمها الضخم الذي يحكي عن ليلة تحرير مدينة واشنطن من قبضة دكتاتورها الصغير جورج بوش الخامس!!

سؤال اليوم: اين يقع مطعم كبة الكبة واين ينزرع مصنع بطانيات فتاح باشا؟