القاهرة – محمد البعلي
مر شهر تقريبا على التعديلات الأخيرة لنظام صرف الدولار الجديد في مصر، وهي التعديلات التي تمت في 5 آب/أغسطس الماضي بتحديد سعر مركزي للدولار الأميركي يساوي 4,15 جنيهات مصرية بتخفيض 6% عن السعر المركزي السابق وبهامش حركة 3% صعودا وهبوطا عن السعر المركزي.
ورغم أن الوقت ما زال مبكرا للحكم على مدى كفاءة وفاعلية النظام الجديد إلا أن استقراء المؤشرات الأولية التي أفرزها النظام في شهره الأول ستكون مفيدة بالتأكيد في دعم إمكانية التنبؤ بمستقبل النظام على المدى القصير والمتوسط.
أولى المؤشرات التي يمكن متابعتها بالنسبة للآلية الجديدة هي النشاط الكبير في عمليات تداول الدولار في القنوات التقليدية للتعامل في الصرف الأجنبي بمصر حيث تشهد البنوك إقبالا من العملاء سواء لبيع أو لشراء الدولار الأميركي خاصة وأن أسعارها تقترب من أسعار شركات الصرافة (وهي الشركات التي تقتصر أنشطتها على المتاجرة في العملات الأجنبية بمصر) هذا بالإضافة إلى تشديد البنك المركزي المصري على البنوك بضرورة تلبية جميع طلبات العملاء من الدولار لدعم الثقة في النظام الجديد وذلك مع التزام المركزي بتلبية جميع طلبات البنوك من الدولار، وأيضا يشهد السوق إقبالا من حائزي الدولار من الأفراد على بيعه لشركات الصرافة للاستفادة من القفزة السعرية الكبيرة للدولار أمام الجنيه، هذا بينما تشهد القنوات الغير تقليدية لتجارة العملات الأجنبية في مصر تراجعا ملحوظا سواء لدى التجار الأفراد أو في التعاملات الخلفية للجهاز المصرفي وذلك من ناحية لاقتراب الأسعار في القنوات التقليدية منها في القنوات الغير تقليدية ومن ناحية أخرى للإجراءات الأمنية الشديدة التي اتخذت ضد تجار العملة الأفراد والتي صاحبت تصريحات شديدة اللهجة لوزير الداخلية المصري "حبيب العادلي" أكد فيها أن الوزارة ستضرب بيد من حديد على المتعاملين في الدولار خارج القنوات "الشرعية".
ثاني المؤشرات الهامة بالنسبة للآلية الجديدة هي استقرار سعر الدولار في نهاية الشهر الأول من إطلاقها عند سقف هامش التحرك السعري حيث وصل سعر الدولار في معظم شركات الصرافة والبنوك إلى 4,25 جنيهات للشراء و 4,27 جنيهات للبيع مما يشير إلى ميل القنوات التقليدية لتداول العملات الأجنبية إلى المضاربة على الدولار لتغطية الطلب المتزايد عليه من قبل عملائها وأيضا إلى وجود ميل شبه ثابت نحو ارتفاع سعر الدولار في ظل الآلية الجديدة.
أخيرا فإن إقرار الآلية الجديدة لصرف الدولار قد لعب دورا إيجابيا في تحسين صورة الاقتصاد المصري لدى المستثمرين الدوليين خاصة أن الاعتقاد السائد لديهم منذ فترة كان هو أن الجنيه المصري مقوم بأكثر من قيمته الفعلية لذلك توقع البعض أن يؤدي قرار تعديل قيمة الجنيه المصري إلى تزايد احتمالات تدفق الاستثمارات العالمية إلى مصر، وقد تأثرت البورصة المصرية إيجابيا بالفعل بتخفيض سعر الجنيه حيث ارتفعت مؤشراتها في استجابة فورية للقرار وتدعم هذا الارتفاع بعوامل أخرى لتساعد على تغيير مؤشرات البورصة للاتجاه الهبوطي الذي يسيطر عليها منذ بداية العام.
إن المؤشرات الأولية لنظام صرف الدولار الجديد في مصر تشير إلى نجاحه النسبي في تحقيق الأهداف التي أطلق من أجلها سواء من جهة استقرار سعر الدولار أو حصار المعاملات خارج القنوات التقليدية أو إشاعة التفاؤل نسبيا في الاقتصاد المصري الذي يفتقد كثيرا لعوامل التفاؤل، ولكن استمرار هذا النجاح وتحوله من نجاح في تحقيق أهداف قصيرة الأجل إلى نجاح دائم للنظام يتطلب معرفة شروط هذا النجاح الدائم، فالنظام الجديد الذي يعرف عالميا بنظام التعويم المدار للعملة المحلية يقوم على إتاحة الفرصة لقوى السوق لتحديد سعر العملة مع تدخل محدود من السلطات النقدية لضبط إيقاع هذه القوى بما يتماشى مع المصالح الكلية للاقتصاد المحلي، الأمر الذي يتطلب من السلطات النقدية والممثلة في مصر بالبنك المركزي قدرة على قراءة مستقبل حركة قوى السوق ومرونة في تحريك السعر المركزي للدولار أمام الجنيه، كما يتطلب الأمر من جهة أخرى توافر للدولارات في السوق (باعتبارها هنا سلعة وليست عملة فحسب) وذلك يتم حاليا عن طريق التزام البنك المركزي المصري بضخ دولارات في السوق، حيث أعلن أنه سيقوم بضخ 350 مليون دولار في السوق هذا بينما تشير تقديرات مصرفية إلى أنه سيزيد هذا المبلغ إلى نصف مليار.
و لكن المسألة تستلزم ما هو أكثر من ذلك فيجب أن يتم تفعيل مصادر دائمة للدولارات وهذا يكون بشكل أساسي من مدخولات القطاعات التصديرية في الاقتصاد المصري سواء الخدمية أو السلعية منها.
إن الشروط –التي لم تتوافر بعد- لنجاح الآلية الجديدة لنظام صرف الدولار على المدى الطويل والمتمثلة في قدرة البنك المركزي المصري على التعامل بها بمرونة مع قوى السوق وقدرة الاقتصاد المصري على توفير مصادر خارجية دائمة للدولار الأميركي لا تنفي النجاح المبدئي الذي حققته الآلية الجديدة، ويجب ألا تخفي عنا المخاوف التي يتداولها الكثيرون حول الآلية الجديدة وأولها هو الارتفاع السريع في فاتورة الواردات والديون الخارجية عند تقويمها بالجنيه المصري، فمثلا العجز في الميزان التجاري المصري قدر حسب آخر البيانات المتاحة بـ 5,5 مليارات دولار سنويا وهو ما كان يساوي نحو 20,9 مليار جنيه مصري (حسب السعر السابق للدولار3,85) ويساوي العجز حاليا نحو 23 مليار جنيه حسب آخر سعر للدولار، و كذلك الدين الخارجي الذي يقدر بـ 29,3 مليار دولار سيقفز من 110 مليارات إلي حوالي 120 مليار جنيه مصري، ورغم أن هناك آراء تؤكد أن خفض سعر الجنيه المصري سيؤدي إلى زيادة القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق العالمية وإلى انخفاض الواردات مما سينعكس إيجابيا على الميزان التجاري إلا أن هذه الآراء لا تضع في اعتبارها أن معظم الآلات ومستلزمات الصناعة المصرية يتم استيرادها من الأسواق العالمية، وبالتالي فإن ارتفاع الدولار سينعكس سلبا على أسعار المنتجات المصرية برفعه لأسعار مكوناتها.
تخوف آخر يطل برأسه مع الآلية الجديدة لصرف الدولار هو ما يسمى بالاتجاه نحو "الدولرة" أي الاتجاه لاتخاذ الدولار الأميركي كمخزن لقيمة بدلا من الجنيه داخل السوق المحلي، وذلك نظرا لاتجاهه شبه الدائم نحو الارتفاع في القيمة مما يحميه من مخاطر التضخم وأيضا لسهولة تداوله بعد إقرار النظام الجديد.
و يطل مرة أخرى التخوف من استنزاف احتياطيات البنك المركزي المصري في عمليات ضخ الدولارات في السوق الذي لا يتشبع أبدا بها، هناك تخوف أخير من أن يتم الاستفادة على نطاق واسع من حرية تداول الدولار في مصر وسهولة الحصول عليه في تغطية عمليات غسيل الأموال التي تحدثت التقارير الدولية منذ فترة عن وجودها بمصر أو في تمويل تجارة المخدرات عبر الحدود.
أخيرا وبرغم الآمال والتخوفات تظل المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري هي المحدد النهائي لاستقرار أو اضطراب آلية صرف العملات الأجنبية في مصر، ولبقاء أو عدم بقاء النظام الذي يدير هذه الآلية.. والذي قام باختيارها—(البوابة)