طلب من ضابط المخابرات العراقي الذي قاد قوة داهمت شقته في بغداد، ان يسمح له بتغيير ملابسه، ثم دخل احدى غرف الشقة، واستل مسدسه ليودع فوهته في فمه ويضع بذلك نهاية لظاهرة اسمها صبري البنا (ابو نضال)، الذي اقترن اسمه بذكريات لطائرات مختطفة تم تفجيرها، ولهجمات بالقنابل، وعمليات احتجاز رهائن، واغتيال رفاق درب و"نضال".
هكذا كانت نهاية صبري البنا زعيم ومؤسس تنظيم "فتح-المجلس الثوري"، وهي وان كان الغموض لا يزال يلف الكثير من تفاصيلها برغم الاعلان العراقي الرسمي عن "انتحاره"، الا ان الغموض الاشد كثافة لا يزال يغلف السنوات الخمسة والستين التي امضاها الرجل كما الشبح الذي يظهر فجاة وينشر الموت في كل مكان.
بلغ عدد ضحايا العمليات التي كان مسؤولا عنها حوالي 900 بين قتيل وجريح، وتتحمل حركته التي انشقت عن حركة فتح بزعامة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مسؤولية اغتيال ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية في لندن وباريس وروما ومدريد وبروكسل والكويت، الى جانب تفجير مكاتب المنظمة في اسلام اباد مما اسفر عن مقتل اربعة اشخاص.
من ايامه الاخيرة، لا يعرف سوى انه كان في ايران، وانتقل قبل عام الى العراق، وهناك مات، ان كان "غيلة" كما تقول المعارضة العراقية، او "انتحارا" بحسب المسؤلين العراقيين، وفي المحصلة، فهو قد مات، و"اراح" من ضمن من اراح، اسرائيل والولايات المتحدة، والاخيرة ابنته بوصفه "جبانا مقيتا".
أبو نضال: ميلاد ونشأة ظاهرة عنف نادرة
الكثيرون ممن عرفوا البنا، يقفز الى ذاكرتهم عند ايراد اسمه شدة ولعه بالعنف، ولكنهم يرون ان عملياته "الارهابية" التي أدت الى سقوط حوالي 900 ضحية في دول أوروبية وعربية عدة، كانت انعكاساً للعنف الذي تعرض له في طفولته، ليس على يد الغزاة الاسرائيليين فحسب بل وايضا على يد الاقريين.
بين ماضي أبي نضال البعيد والقريب، تقول المعلومات المتوافرة ان ابن العائلة اليافاوية التي تمتعت بالثراء قبل ضياع فلسطين، كان يملك لدى وفاته ما يقدر بـ400 مليون دولار جاءت معظمها من أعمال العنف والابتزاز التي قادها الراحل كزعيم مؤسس لـ«المجلس الثوري» المنشق عن منظمة فتح.
وكما يصفه الكاتب الصحافي البريطاني ديفيد هيرست، فقد كان صاحب الاصل المزدوج كفلسطيني ـ سوري "ثورياً" مزدوجاً بإمتياز، فقد تعاون في الوقت نفسه مع أنظمة عربية متخاصمة. كما كانت احياناً إسرائيل الى جانب أنظمة عربية على قائمة من تعامل معهم.
أبوه خليل، صاحب بيارات البرتقال في يافا، كان يتردد على منطقة جبال العلويين في سورية حيث اشترى بيتاً هناك. وفي جبال العلويين اقترن الرجل المتقدم بالسن بفتاة عمرها 16 عاماً رُزق منها بصبري، فيما كانت زوجته الاولى قد أنجبت له 11 طفلاً.
وقبل ان يتجاوز سنته الثامنة توفي والده فغدا صبري ضحية سهلة لإخوته الذين درجوا على إزعاجه في الماضي. ولم يطُل الوقت حتى عمد اخوته الى طرد أمه السورية من منزل العائلة.
ثم كان إرهاب العصابات الاسرائيلية التي مهدت الطريق لنكبة فلسطين، وانتهى الامر بالعائلة في مخيم بائس في غزة.
ومن صقيع المخيم، انتقلت العائلة مجدداً الى الاردن، حيث ذاقت مرارة العيش على الصدقة والاعاشات. واضطر في تلك الفترة الى القيام بأعمال مؤقتة عدة، كان أحدها صانعاً لدى كهربائي.
وفي الاردن، علم الشاب الذكي والطموح نفسه بنفسه القراءة وتعرف على أدبيات حزب البعث. وما إن انتسب الى الحزب الرائج في تلك المرحلة، حتى توجه الى القاهرة لدراسة الهندسة، وإذ أخفق في نيل شهادة جامعية في العاصمة المصرية، فقد التقى هناك بالشابة الفلسطينية هيام البيطار التي تزوجها ورزق منها بابن سماه نضال.
هاجر بعد ذلك الى الخليج بهدف كسب العيش وقد حالفه النجاح في الرياض، وخلال تلك السنوات جمع الشاب الذكي حوله بعض الفلسطينيين الناقمين ممن انتسبوا الى مجموعة أطلق عليها "منظمة فلسطين السرية"، بيد انه لم يلبث أن التحق مع انصاره بمنظمة فتح الناشئة بزعامة ياسر عرفات.
وفي أعقاب نكسة حزيران/ يونيو 1967، تبدى أبو نضال شخصا أكثر تطرفاً، مما أدى الى إبعاده من السعودية فتوجه الى الأردن الذي كان المنطلق الرئيسي للفدائيين.
الدخول الى منظمة التحرير
وسرعان ما اخذ يرتقي سلم المسؤولية بسبب جرأته واجتهاده، مما قربه من مسؤول الامن في المنظمة صلاح خلف (أبو إياد)، وبعدما عمل في جهاز الاستخبارات، تم تعيينه سفيراً للمنظمة في الخرطوم التي انتقل منها الى بغداد في 1970 ممثلاً لفتح، غير ان احداث ايلول عام 1970 كانت بمثابة إعلان القطيعة بينه وفتح، وندد أبو نضال علناً بقيادة فتح عبر الاذاعة العراقية متهماً إياها بالتخاذل.
ومن العراق، حيث كان الرئيس صدام حسين يمهد لنفسه طريق الوصول الى السلطة، قام ابو نضال باولى عملياته الخارجية التي لم تكن موجهة ضد إسرائيل بل ضد السعودية، ففي بادرة ستصبح نموذجاً لسلسلة من نشاطاته التي استهدفت العرب قبل إسرائيل، خطط أبو نضال لاختطاف طائرة سعودية.
بعد الطائرة السعودية كرت سبحة نشاطاته الارهابية "العربية"، التي كان من ابرزها اغتيال أبو إياد في تونس عام 1991، بعدما نجح في تصفية عدد من القيادات الفلسطينية في الخارج.
وقد قام اعضاء مجموعته باختطاف طائرة مدنية مصرية في عام 1986 في عملية راح ضحيتها 61 راكباً، كما أغار أربعة من عناصره في أواسط السبعينات على فندق سميراميس بدمشق حيث احتجزوا 90 نزيلاً لم تلبث السلطات السورية ان حررتهم وشنقت الارهابيين الثلاثة الناجين على باب الفندق.
أما على المسرح الدولي، فقد روع ابو نضال على امتداد حوالي عقدين من الزمن مطاري روما وفيينا وهاجم أهدافاً في مدريد وباريس واسطنبول وغيرها.
ومع أن مصالح إسرائيلية، كمكاتب شركة العال، كانت على قائمة اهدافه، فقد هاجم رجاله بواخر وأماكن عبادة يهودية ومقارا مدنية يهودية في غير مدينة.
بيد ان بطشه الاشد ضراوة كان من حظ أعضاء منظمته، فقد أمر بإعدام حوالي 600 في اواخر الثمانينات لأنهم تجرأوا على المطالبة بوقف النشاطات الخارجية والعودة الى منظمة التحرير الفلسطينية. ويعتقد ان هؤلاء الضحايا كانوا يمثلون ثلث اعضاء منظمته التي بقي فيها حوالي 2000 عضو.
وربما كانت عمليته التي تمخضت عن افدح الخسائر الفلسطينية والعربية، هي محاولته الفاشلة لاغتيال شلومو أرغوف، سفير إسرائيل لدى بريطانيا، الامر الذي استغله رئيس الوزراء الاسبق مناحم بيغن لاجتياح لبنان عام 1982.
ولعل السجل الاكثر احتفاء بعمليات ونشاطات ابو نضال، كان ذاك الذي خط سطوره في لبنان.
فمنذ العام 1982 وحتى 1991، وتحديداً في مناطق بيروت والبقاع ومدينة صيدا ومحيطها، انخرط عشرات الفلسطينيين او اللبنانيين في حركة ابي نضال الذي بنى "المجلس الثوري"، وانتشر اعضاء تنظيمه في مخيم عين الحلوة ومدينة صيدا ومنطقتها.
وعام 1990 قامت حركة "فتح" التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بعملية عسكرية واسعة النطاق لاجتثاث "المجلس الثوري"، واسفرت العملية عن طرده من عين الحلوة وتصفية عناصره واقفال مكاتبه بشكل نهائي.
وحالياً، لا يعتبر "المجلس الثوري" في مخيمات الجنوب تنظيماً قائماً. ولا وجود له حتى ولو بشكل رمزي. ويقتصر الامر على بعض الحضور الفردي لبعض العناصر في مخيمات بيروت ولا سيما مخيم مار الياس.
وفي قضية ترتبط بالاردن ولبنان، فقد اصدرت محكمة امن الدولة الاردنية حكما بالاعدام شنقا حتى الموت على (ابو نضال) واربعة من اعضاء تنظيمه بعد ادانتهم باغتيال الدبلوماسي الأردني نائب المعايطة في بيروت 1994.
وجرت محاكمة اغلبية المتهمين غيابيا حيث لم يمثل منهم سوى واحد يدعى ياسر ابو شنار وادينوا جميعا باغتيال السكرتير الأول في السفارة الأردنية في بيروت خارج منزله عام 1994.
أبرز العمليات التي تنسب إلى مجموعة أبو نضال
1976: نظم ابو نضال باسم منظمة حملت اسم «حزيران الاسود» عملية خطف رهائن ضد سورية في فندق "سميراميس" في دمشق اسفرت عن سقوط خمسة قتلى، واعتداء على فندق "انتركونتيننتال" في عمان قتل فيه ثمانية اشخاص وضد سفارتي ايطاليا وباكستان.
27 تموز/يوليو 1980: اعتداء بالقنابل على مجموعة اطفال يهود في انفير (بلجيكا) يوقع قتيلا.
3 تشرين اول/اكتوبر1980: انفجار قنبلة امام معبد يهودي في شارع كوبرنيك في الدائرة السادسة عشرة في باريس خلال احتفال، يسفر عن مقتل اربعة اشخاص وجرح ثلاثين آخرين.
29 اب/اغسطس 1981: مجموعة من ثلاثة رجال مسلحين بمسدسات رشاشة وقنابل يدوية تفتح النار على يهود وعناصر شرطة في مدخل معبد يهودي في فيينا مما يؤدي الى سقوط قتيلين و17 جريحا.
3 حزيران/يونيو 1982: محاولة اغتيال سفير اسرائيل في لندن شلومو ارغوف تشكل السبب المباشر في اجتياح الجيش الاسرائيلي للبنان.
9 اب/اغسطس 1982: عملية معادية لليهود في شارع روزييه في باريس توقع ستة قتلى و22 جريحا. وقد القت مجموعة مسلحة قنبلة في مطعم جو غولدنبرغ ثم اطلقت نيران اسلحتها الرشاشة على المارة في قلب حي اليهود في باريس.
19 حزيران/يونيو 1985: اعتداء على مطار فرانكفورت يقتل فيه ثلاثة اشخاص واصيب 74 آخرون بجروح.
27 كانون اول/ديسمبر 1985: اعتداءان متزامنان في مطاري روما وفيينا ضد مكاتب شركة العال الاسرائيلية يوقعان عشرين قتيلا (16 في روما بينهم احد المنفذين واربعة في فيينا بينهم احد المنفذين) اضافة الى مائة جريح.
6 ايلول/سبتمبر 1986: مجموعة مسلحة تفتح النار في معبد نيفي شالوم اليهودي في اسطنبول وسقوط 24 قتيلا.
8 تشرين ثان/نوفمبر 1987: فتح ـ المجلس الثوري تعلن انها اعتقلت في المتوسط في تاريخ لم يعرف ابدا، ثمانية "جواسيس اسرائيليين" يحملون الجنسيتين البلجيكية والفرنسية وذلك على متن سفينة "سيلكو". افرجت المجموعة عن فتاتين فرنسيتين في ديسمبر (كانون الاول) 1988، ثم اطلاق سراح اربع رهائن بلجيكيين في كانون ثان/يناير 1991.
11 تموز/يوليو 1988: هجوم خاطف على سفينة النزهات الترفيهية في اليونان "سيتي اوف بوروس" التي كانت تقل 500 شخص، يقتل فيه تسعة اشخاص. وقد اطلق كوماندوز من ثلاثة افراد النار من اسلحة آلية على سياح ثم القى قنبلتين قبل الفرار على متن زورق سريع.