صدام حسين : سيرة إشكالية (الحلقة الأخيرة)

منشور 16 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2002 - 02:00

كتبت مجلة "أتلانتك أون لاين" الأميركية تقريراً مطولاً تحدثت فيه عن حياة الرئيس العراقي صدام حسين تحت عنوان "حكايات الطاغية". وفيما يلي الحلقة الرابعة والأخيرة من تقرير المجلة.  

الهجوم الأميركي  

بدأ الهجوم الجوي العنيف على العراق في 17/1/1991، وبعد ذلك بخمسة أسابيع أي في 24 شباط/فبراير بدأ الهجوم البري، وعلى الفور استسلمت قوات صدام أو فرت من ساحة المعركة. وقد تم رصد آلاف منهم في مكان يسمى "المطلاع" أثناء محاولتهم العودة إلى العراق وتم حرق معظمهم في عرباتهم.. لم تقم إيران في هذه الأثناء بغزو العراق وانتهت الحرب تماما كما توقعها وفيق السامرائي. 

بعد أيام من الهزيمة النكراء استدعي السامرائي مرة ثانية للقاء صدام حيث كان يعمل في مكتب سري وكان يتنقل من منزل إلى آخر في بغداد وضواحيها ويصادر المنازل كي ينام فيها خوفاً من القنابل الذكية الأميركية التي قد تضربه. وجد السامرائي أن الرئيس لا يزال غير متضايق ولكنه مفعم بالإثارة. 

سأل صدام السامرائي عن رأيه فيما حدث.. فأجابه الأخير أن ذلك يمثل أكبر هزيمة في التاريخ العسكري. فرد عليه صدام، كيف تقول ذلك؟ قال السامرائي "هذه الهزيمة أسوأ من الهزيمة في خرمشهر" (تكبد العراقيون فيها آلاف الضحايا في حربهم مع الإيرانيين).  

لم يقل صدام شيئاً في البداية وعلم السامرائي أن الرئيس لم يكن شخصاً أحمق. شاهد صدام بكل تأكيد ما رآه الآخرون تماماً. كان جنوده يستسلمون بالآلاف ويذبحون في المطلاع وبلاده يعمها الدمار والخراب من القصف الجوي. ولكن "صدام" وإن كان موافقاً على التقييم الذي قدمه السامرائي، إلا أنه لا يقر ذلك بنفسه. ففي الماضي وفي حادثة خرمشهر بالذات أنحى باللائمة في الهزيمة على جنرالاته حيث اتهم بعضهم بالخيانة أو التجسس أو الجبن، وتم اعتقالهم ومن ثم إعدامهم مما أعطى "صدام" الوهم بأنه اقتلع أسباب الفشل من جذورها. ولكن الأسباب الكامنة وراء الهزيمة هذه المرة تقع على عاتقه ولكنه الشيء الذي لا يعترف به أبداً. قال صدام للسامرائي، هذا رأيك، ثم ترك الأمر عند تلك النقطة.  

في السنوات التي تلت الهزيمة العسكرية أخذ صدام يوسع من أحلامه وخططه وخاصة في لغته الخطابية المثالية، وأخذ يقول إن الشعب العراقي الأبي وقواته المسلحة الجسورة سوف يحققون النصر النهائي في أم المعارك الخالدة. وسيكون نصرهم مؤزرا، خالدا، طاهراً ومتألقاً لا تشوبه شائبة، وسيأتي في حينه.. فالمسألة هي مسألة وقت.  

في منتصف الثمانينات شاهد أحد البيروقراطيين العراقيين من المستوى المتوسط وكان يعمل في وزارة الإسكان ببغداد العديد من زملائه يتهمون بقبول الرشوة. واعتقد هذا الموظف أن الاتهامات قد تكون صحيحة حيث إن دائرته حسبما يقول كانت مليئة بالفساد.  

وأضاف البيروقراطي السابق الذي يقيم حاليا في لندن أنه كان لا يود حضور إعدام زملائه المتهمين بالرشوة حسب أوامر المسؤولين الكبار ولكن زملاءه الآخرين نصحوه بحضور الواقعة خوفاً أن تحوم الشكوك حوله، ولذا ذهب البيروقراطي وزملاؤه في المكتب حيث نقلوا إلى ساحة أحد السجون وشاهدوا زملاءهم وأصدقاءهم، الذين عملوا معهم لسنوات طويلة والذين لعب أطفالهم مع أطفالهم وخرجوا كعائلات مع بعضهم البعض في رحلات، مكبلين ورؤوسهم مغطاة بأكياس، شاهد الجميع وسمع توسلات وبكاء المتهمين وشكواهم من تحت الأكياس بأنهم أبرياء.  

تم إعدامهم شنقاً واحداً تلو الآخر ومن حينها قرر البيروقراطي مغادرة العراق.  

قال البيروقراطي: "لم أستطع العيش في بلد يحدث فيه مثل هذا الشيء. من الخطأ قبول الرشاوى ولكن من يفعل ذلك يجب أن يعاقب بالسجن وليس بالإعدام شنقاً. لا أحد يشاهد مثل هذه القسوة ويكون راغباً في البقاء والاستمرار في العمل تحت هذه الظروف.  

القسوة فن الطغاة، فهم يدرسونه ويعتنقونه. حكمهم يستند إلى الخوف الذي لا يكون عادة كافيا لإيقاف كل فرد، فبعض الرجال والنساء لديهم شجاعة عظيمة وهم على استعداد لمواجهة الموت من أجل معارضة الطغاة. ولكن الطغاة لديهم وسائل أخرى حتى لمواجهة هذا. بعض الذين لا يهابون الموت، يخشون العذاب، المهانة والمذلة.  

وحتى أولئك الذين لا يخشون هذه الأشياء على أنفسهم، يمكن أن يخافوا على آبائهم، أمهاتهم، إخوانهم، أخواتهم، زوجاتهم وأطفالهم، الطاغية يستخدم كافة هذه الوسائل لتثبيت حكمه.  

أجبر زعماء كبار في الحزب على الإدلاء بشهاداتهم وحتى بالاشتراك في تنفيذ أحكام الإعدام بزملائهم. فعندما قمع صدام الشيعة لم يقتل الملالي وحسب بل عائلاتهم أيضاً. فقد أصبح الألم والمهانة مشهداً عاماً وأصبحت مسألة الذنب أو البراءة غير مهمة لأنه ليس هناك قانون أو قيم أقوى من قوة الطاغية.  

فإذا أراد أن يعتقل أي شخص أو يعذبه أو يقتله فلا أحد يمنعه. وهذا العمل ليس لغرض التحذير أو العقاب، بل لإثبات القوة أمام الأعداء أو المنافسين المحتملين. أما الإشفاق، العدالة أو الاهتمام بأصول المحاكمات أو القانون فأنها علامات التردد والحيرة وهذا يعني ضعفاً بالنسبة له، أما القسوة فتؤكد على تمتعه بالقوة.  

يقول الزولو، قبائل في جنوب أفريقيا، إن الطغاة "مملوئين بالدم". ذكرت إحدى التقديرات أن "صدام" في السنتين الثالثة والرابعة من حكمه (1981، 1982) قتل أكثر من 3000 عراقي، أما الرعب الذي سببه خلال أكثر من ثلاثين عاما من الحكم الرسمي وغير الرسمي فيحتاج إلى متحف وأرشيف خاص لتدوينه. ولكن أكثر أفعاله المشينة التي تلقي ضوءاً على شخصيته ضاعت في خضم الإجراءات القاسية التي قام بها.  

كان طاهر يحيى رئيسا لوزراء العراق حين كان حزب البعث في السلطة عام 1968. وذكرت التقارير أن "صدام" حين كان في السجن عام 1964، قام يحيى بترتيب لقاء شخصي معه وحاول إجباره على الانقلاب على البعثيين والتعاون مع نظام الحكم. وكان يحيى عمل كضابط في الجيش العراقي طوال حياته وكان في أحد الأوقات زعيماً بارزاً لحزب البعث ورئيساً لصدام حسين ولكن الأخير منحه احتقاره الدائم، فبعد استلام السلطة، وضع صدام يحيى في السجن.  

وبأمر منه عين يحيى عاملاً لجمع القمامة من زنزانة إلى أخرى في السجن. وكان ينادي بصوته لجمع القاذورات، زبالة ‍.. زبالة! وكان التحقير الذي لقيه رئيس الوزراء السابق مصدر سعادة لصدام حتى توفي يحيى في السجن. ولا يزال صدام يردد القصة وهو يقهقه: زبالة.. زبالة.  

وفي حالة أخرى، سمع الفريق عمر الهزاع وهو يتذمر من العم العظيم عام 1990م. وكانت نتيجة ذلك ليس الحكم بالإعدام فقط، بل أمر صدام قبل تنفيذ الحكم بقطع لسانه وإعدام ابنه فاروق وأمر بتسوية منزله بالأرض، ونتيجة لذلك أصبحت زوجة الهزاع وأطفالها في الشارع.  

لا يتورع صدام عن الانتقام بصورة قاسية إذا ما تعرضت قبضته الحديدية على الحكم للاهتزاز.  

ذكر أندرو وباتريك كوكبرن في كتابهما "من تحت الرماد"، 1999، أن إحدى العائلات العراقية قدمت شكوى لصدام تقول فيها إن أحد أفرادها أعدم ظلماً، فما كان من صدام إلا أن رد عليها بأن لا تفكر بأن بإمكانها الثأر وأنه لو قيض لها ذلك، فلن يكن هناك ما تثأر منه حيث إن أعداءه سيأكلون الأخضر واليابس.  

وعلى فرض أن صدام كان صادقاً مع نفسه بأن العظمة قدره، فإن هذه الأسطورة مشوبة بالقسوة. وهو شيء قد يراه مؤسفاً ولكن ربما ضرورياً، وميزة تحدد شخصيته. وقد تفاخر ابنه عدي في أحد الأيام أن والده اصطحبه وأخاه قصي إلى أحد السجون ليشهدا التعذيب والإعدام كي يصبحا أكثر قسوة لمواجهة المهام الصعبة التي تنتظرهما في المستقبل. 

ومع كل هذا فإن لا أحد يخلو من التناقضات. فحتى صدام عرف بالحزن بسبب تجاوزاته فالذين شاهدوه وهو يبكي على المنصة أثناء مجزرة عام 1979 ينفون أن ذلك كان من قبيل التمثيل وأن "صدام" له تاريخ في ذرف الدموع. ففي موجة الإعدامات التي تلت تنصيبه رسمياً، حسبما يقول أبو ريش، أغلق صدام على نفسه حجرة النوم لمدة يومين، ظهر بعدها وعيناه محمرتان ومنتفختان من شدة البكاء. ويقول ابو ريش إن "صدام" قام بتعزية عائلة عدنان حمداني، المسؤول الذي أعدم وكان أحد المقربين منه إبان العقد السابق للحادثة. 

لم يعبر صدام عن الندم للإعدام بل ذكر أن ذلك كان ضرورياً ولكن محزنا. وقال لأرملة الحمداني معتذرا "إن الاعتبارات القومية" يجب أن ترجح على الاعتبارات الشخصية. لذا فإن "صدام" كإنسان يقوم في بعض المناسبات بالحزن على ما يقترفه صدام الطاغية من أفعال. 

وضع أبراهام لنكولن خطا فاصلا واضحا بين ما سيقوم به كشخص، القضاء على العبودية، وبين متطلبات منصبه وهي إقرار الدستور والاتحاد. أما صدام فلا حاجة به لمثل هذا حيث إن مصالح بلده هي ملكه ولكنه رغم ذلك لم يفعل. 

الصراع بين أولوياته الشخصية وتلك الرئاسية جاء مؤلما لعائلته حيث هرب صهراه صدام وحسين كامل إلى الأردن وأفشيا أسرار الدولة بشأن برامج الأسلحة البيولوجية، الكيماوية والنووية قبل أن يعودا إلى العراق ليلاقيا مصيرهما المحتوم وهو الموت.  

تقول كافة التقارير إن عدي حسين، أكبر أبناء صدام مجرم سادي إن لم يكن مجنوناً تماماً. وهو طويل القامة، داكن البشرة وصاحب بنية قوية ويبلغ 37 عاماً من العمر.  

وعدي في نرجسيته وتصلبه نسخة عن والده، فهو يملك كافة صفات صدام في القسوة، ومعروف عنه أنه يصمم ملابسه بنفسه. فقد ظهر في صور عدة وهو يرتدي البدلات وأربطة العنق التي تتماشى مع ألوان سياراته الفاخرة.  

لفت الجندي العراقي المغلوب على أمره إسماعيل حسين، والذي فقد رجله في صحراء الكويت انتباه عدي كمغن بعد الحرب. وتلقى دعوة للغناء في حفلات عدي الكبرى التي يقيمها كل اثنين وخميس.  

وكانت الحفلات تقام غالباً في قصر بناه صدام في جزيرة على نهر دجلة بالقرب من بغداد. وكان القصر يبهر العيون حيث أن كافة مقابض الأبواب واللوازم الأخرى مصنوعة من الذهب.  

ويقول إسماعيل الذي يعيش حاليا في تورنتو بكندا، "كنت أغني في كافة الحفلات وكان عدي يصعد على سدة المسرح وهو يحمل رشاشاً يطلق منه النار على السقف. كان الحضور يلقون بأجسادهم على الأرض مرعوبين، أما أنا فكنت متعوداً على أسلحة أكبر بكثير من سلاح عدي ولذا كنت أستمر في الغناء.  

كان الحضور في هذه الحفلات عشرات النساء وبعض رجال لا يتعدون أربعة أو خمسة.  

كان عدي يصر على أن يشرب الجميع معه الخمر، وكثيراً ما صعد إلى المنصة وهو يحمل كأساً كبيرة من الكونياك لنفسه وكأساً أخرى لي. وكان يصر على أن أشرب الكأس كلها معه.  

وعندما يصبح مخموراً تماماً، تأتي ساعة إطلاق النار. كافة أصدقائه يخافونه لأنه قادر على سجنهم أو قتلهم. رأيته مرة غضبانا من أحد أصدقائه فقام برفسه بشدة لدرجة أن حذاءه طار بعيداً، فما كان من صديقه إلا أن ركض وأحضر الحذاء وحاول وضع رجل عدي فيه بينما كان عدي يشتمه طوال الوقت".  

وبمساعدة عدي شق إسماعيل طريقه ليغني بانتظام في التلفزيون العراقي. ومقابل هذه الخدمة كان لا بد من دفع الخوة لعدي لأنه كما كان قادراً على صنع نجم كان باستطاعته أيضاً تقويض مكانته كنجم. وينطبق الحال ذاته على الرياضة، فرائد أحمد كان رافع أثقال أولمبيًا، حمل علم العراق خلال افتتاح حفلة الافتتاح في ألعاب أتلانتا عام 1996.  

وكان عدي رئيساً للجنة الأولمبية ومسؤولاً عن كافة الأنشطة الرياضية في العراق. وكان أثناء التدريب يراقب كافة الرياضيين العراقيين، حسبما أخبر أحمد كاتب المقال في مطلع هذا العام في منزله في ضواحي مدينة ديترويت. ويضيف أحمد أن عدي كان يحث المدربين على التشدد مع الرياضيين وتدربيهم تدريبات شاقة. وإذا لم يكن مسروراً بالنتائج، كان يلقي بالمدربين والرياضيين داخل سجن في مبنى اللجنة الأولمبية. فإذا وعد الرياضيون بشيء وفشلوا في تحقيقه في مباراة، فإن العقاب يكون في سجن خاص يلقون التعذيب فيه. ولذا فقد بدأ بعض الرياضيين بالاعتزال عندما تسلم عدي المسؤولية عن الرياضة بما في ذلك العديد من أفضل الرياضيين العراقيين.  

فقد قرروا بأن الأمر لم يعد يستحق منهم أية تضحية ويقول أحمد "آخرون مثلي أحبوا الرياضة التي يمكن أن تجلب لهم أشياء جميلة كالسيارة أو المنزل أو حياة أفضل، ويضيف أنه نجح دوما في الإفلات من العقاب حيث حسبما يقول أنه كان حريصاً على عدم الوعود بأي شيء لا يستطيع عمله. كنت دائما أقول أن هناك فرصة قوية بأن لا أهزم. وبعد ذلك كان عدي يطير فرحاً عندما أحقق الفوز في المباراة".  

جلس أحمد مثل العملاق في غرفة معيشته الصغيرة وأصبحت كلمات صدام وابنه عدي شيئاً غريباً في أرض العجائب حيث أصبحت أمة بكاملها رهينة لنزوات الطاغية وابنه المجنون.  

يقول أحمد "عندما هربت، كان عدي غاضباً جداً، زار عائلتي واستجوبهم لماذا قام أحمد بهذا العمل وقال لهم إنه كان يكافئني دوماً".  

تسامح صدام مع تجاوزات عدي وحفلات الخمر التي أقامها وكذلك السجن الخاص الذي أنشأه في مقر اللجنة الأولمبية إلى أن قام عدي بقتل ابن أحد مساعدي صدام في إحدى الحفلات عام 1988م. حاول عدي بعدها فوراً الانتحار عن طريق تناول أقراص منومة.  

ووفقا لـ كوكبيرنز، فإنه عندما تم غسل معدة عدي، وصل صدام إلى غرفة الطوارئ ودفع الأطباء جانباً وضرب عدي على وجهه وهو يصيح "سوف يسيل دمك مثلما سال دم ابن صديقي"، ولكن والد القتيل هدّأ الموقف وسجلت الجريمة على أنها حادث عرضي، وأمضى عدي أربعة شهور في الحجز ذهب بعدها مع عمه إلى سويسرا ومكث هناك أربعة شهور أخرى حتى اكتشف البوليس السويسري أنه كان يخفي سلاحاً فأمره بمغادرة البلاد. 

وفي بغداد جرت محاولة لاغتياله عام 1996 حيث أصابته ثماني رصاصات وهو الآن مشلول من وسطه حتى أسفل جسمه.  

ومن المفترض أن تصرفاته حالت بينه وبين أن يكون خليفة لأبيه حيث ظهر صدام في السنين الأخيرة يدرب قصي الولد الثاني وهو أهدأ من عدي وأكثر انضباطاً منه ووارث للحكم أفضل.  

ولكن إطلاق النار على عدي كان بمثابة تحذير لصدام فقد ذكرت التقارير أن الذين قاموا بالهجوم عبارة عن مجموعة صغيرة من العراقيين المنشقين والمتعلمين ولم يتم اعتقال أحد منهم على الرغم من آلاف حالات الاعتقال والتحقيق التي تمت بعد الحادثة. كما جرت شائعات مفادها أن المجموعة المفترضة التي حاولت اغتيال عدي على علاقة بعائلة اللواء عمر الهزاع، وهو الضابط الكبير الذي قطع لسانه قبل إعدامه هو وابنه. ويمكن أن يكون هذا صحيحاً ولكن العراق لا يفتقر إلى المظلومين.  

يبلغ صدام السادسة والستين من العمر وأعداؤه كثيرون، أقوياء ومصممون. وكان احتفل عام 1992 بهزيمة جورج بوش الأب في الانتخابات الرئاسية بإطلاق أعيرة نارية من على شرفة قصره، وبعد ذلك بعشر سنوات جاء بوش الابن إلى البيت الأبيض وفي جعبته مهمة قومية لإطاحة صدام. لذا فإن الأسوار التي تحميه ازدادت ارتفاعاً وأصبحت أحلامه بأمة عربية واحدة ودوره التاريخي في ذلك أقرب إلى الأساطير. على صدام أن يعلم وهو في أكثر حالاته وضوحاً أنه إذا نجح في التمسك بالسلطة إلى آخر يوم في حياته، فإن فرصتة في فرض سلالة حاكمة تبدو ضئيلة، فبينما يأوي كل ليلة إلى مخدعه السري ويشاهد فيلمه المفضل على التلفزيون أو يقرأ كتب التاريخ، عليه أن يعلم أن ذلك سينتهي به بصورة سيئة، فأي رجل يقرأ بالكمية التي يقرأها ويدرس عن ديكتاتوريي العصور الحديثة يعلم أن هؤلاء يطاح بهم في النهاية ويعاملون بازدراء.  

يقول وفيق السامرائي "إن هدف صدام لقيادة العراق طيلة حياته أمر صعب حتى بغير تدخل الولايات المتحدة. فالعراقيون شعب منقسم على نفسه ولا يعرف الرحمة، وهم أصعب أمة في العالم من ناحية تطويعهم من قبل الحاكم. فمن أجل تثبيت حكمه الشخصي، سفك صدام الكثير من الدماء. وإذا كان هدفه نقل السلطة إلى عائلته بعد موته فأنا أعتقد ان خياله واسع و أنه بعيد عن الحقيقة".  

لهذا فإن "صدام" سيسقط في نهاية الأمر. فقسوته خلفت موجات عدائية ضده وعملت على عزله، وأصبحت خطاباته في الأيام الأخيرة كتسجيل مقطوع لا ترن حتى في العالم العربي حيث يحتقره الليبراليون العلمانيون والمسلون المحافظون على حد سواء. أما في العراق فهو مكروه بشكل عام، وهو يلوم الأمم المتحدة والولايات المتحدة على العجز في بلاده ولكن العراقيين يعلمون أنه السبب في ذلك. يقول صباح خليفة خدادة، الرائد في الجيش العراقي الذي انتزعت ملابسه وتم تعقيمها قبل لقائه "العم العظيم"، عندما يبدأ صدام بإلقاء اللوم على هذا وذاك في كل شيء، نأخذ بالنظر إلى بعضنا البعض". 

كذلك تعرف القوات التي تحميه هذا أيضاً ولكن أفرادها لا يعيشون جل وقتهم داخل أسوار عالية. فإخلاصهم له محكوم بالخوف والمصالح الذاتية وسوف ينقلب هذا الإخلاص عندما يظهر البديل. إن المفتاح لإنهاء حكم صدام الاستبدادي يكمن بتقديم هذا البديل ولكن الأمر ليس بهذه السهولة، فصدام لن يستسلم أبدًا.. فإطاحته تعني بالتأكيد التخلص منه حيث أنه يوفر حراسة لسلطته على الدولة مثل توفيره الحراسة لحياته الشخصية.  

وعلى الرغم من كافة الأخطار المحيطة به، يرى صدام نفسه زعيماً خالداً، ولا شيء يمكن فهم هذا بشكل واضح أفضل من روايته الأولى "زبيبة والملك" التي تدور أحداثها في الماضي العربي. والرواية عبارة عن خرافة حول ملك وحيد يقبع في قصره الذي تحيط به الأسوار العالية حيث يشعر أنه معزول عن العالم، يقوم الملك في إحدى المناسبات بالخروج من أجل الاختلاط بالناس، وبينما هو في جولة في إحدى القرى يرى الشابة زبيبة التي تأسره بجمالها. ولكن زبيبة متزوجة من رجل شرس. رغم ذلك يستدعي الملك زبيبة إلى قصره حيث يحتقر خدمه طرقها البدائية في العيش، ولكنهم مع مرور الوقت يفتنون والملك ببساطتها وفضيلتها. تقول زبيبة للملك، "يحتاج الشعب إلى صرامتك كي يشعروا أن ذلك يحميهم". ولكن قوات غاشمة تغزو المملكة وتدمر قرية زبيبة بمساعدة زوجها الذي يقوم باغتصابها.  

"ويبلغ الغضب ذروته يوم 17 كانون الثاني/يناير عام 1991 حينما شنت الولايات المتحدة وقوات الحلفاء الهجمات الجوية على العراق"، وفي وقت لاحق تقتل زبيبة ويستطيع الملك هزيمة الأعداء وقتل زوج زبيبة، ثم يقوم بإعطاء شعبه مزيداً من الحريات ولكنهم يقتتلون فيما بينهم. وبينما هم كذلك تتوقف المواجهات بينهم إثر موت الملك وإدراكهم لعظمته وأهميته. وتذكرهم النصيحة الحكيمة من زبيبة الخالدة بأن الشعب يحتاج إلى إجراءات صارمة.  

وهكذا يرسخ صدام الفضائل الأساسية لماضي العرب العظيم وحلمه بأن مملكته، على الرغم من اللعنة والازدراء الذي تواجهه ستظهر مرة ثانية وتنتصر.  


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك