كتبت مجلة "أتلانتك أون لاين" الأميركية تقريراً مطولاً تحدثت فيه عن حياة الرئيس العراقي صدام حسين تحت عنوان "حكايات الطاغية". وفيما يلي مقتطفات من تقرير المجلة.
الحلقة الثانية : تسلم حزب البعث الحكم في العراق
استولى الحزب على السلطة عام 1968، وعلى الفور أصبح صدام حسين صاحب السلطة الحقيقية يقف خلف ابن عمه أحمد حسن البكر، رئيس الجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة. أما العلي فكان عضوا في المجلس ومسؤولا عن الجزء الأوسط الشمالي من العراق بما في ذلك القرية التي جاء منها.
وكانت تكريت هي المكان الذي بدأ فيه يرى خطط صدام تتجلى للعيان حيث قام أقارب صدام في قرية العوجا بالاستيلاء على المزارع وإصدار الأوامر للناس بهجر أراضيهم، وكان هذا ما يحدث في القرى الأخرى. وإذا ما قدر لقرية من هذه أن تكون محظوظة، فقد تنجب رجلاً قوياً يستطيع جلب الثروة لقريته.
كان صدام رجلاً قوياً تحركت قبيلته للفوز بالغنائم وهذا أمر يعود إلى الماضي. أما فلسفة حزب البعث فكانت تدعو إلى المساواة وتركز على العمل مع العرب في البلدان الأخرى لبناء المنطقة بأكملها والمشاركة في الممتلكات والثروة والسعي إلى تحقيق حياة أفضل للجميع.
ووسط هذا المناخ السياسي، كانت عائلة صدام تمثل تراجعاً إلى الخلف.
أخذ رؤساء فروع الحزب المحليين يتذمرون من تصرفات هذه العائلة بمرارة وقام العلي بنقل شكاويهم إلى صديقه الشاب والقوي. وكان صدام يقول له، "هذه مسألة صغيرة وهؤلاء الناس بسطاء ولا يفهمون أهدافنا الكبرى. سأتولى بنفسي ذلك".
ذهب العلي عدة مرات إلى صدام لأن المشكلة لم تنته وكان في كل مرة يحصل على نفس الجواب، "سأتولى الأمر بنفسي".
وأخيراً أيقن العلي أن عائلة "الخطب" كانت تفعل تماما ما يريد صدام لها أن تفعل حيث إن هذا القروي الشاب والمتعلم لم يكن في الأساس مهتماً بمساعدة الحزب على تحقيق أهدافه المثالية بل كان يستخدم الحزب لمساعدته على تحقيق مآربه. وفجأة رأي العلي أن كل شيء بما في ذلك لغة الاشتراكية كان مجرد إدعاء، كان صدام بحق أبن تكريت والابن الماهر لعائلة الخطب وأصبح أكبر من مجرد زعيم لقبيلته.
ويمكن أن يكون صعود صدام إلى القمة بطيئاً ومخادعاً ولكنه عندما أمسك بالسلطة، قام بذلك جهاراً حيث كان يعمل نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة وكنائب لرئيس الجمهورية العراقية خطط للوصول بشكل رسمي إلى أعلى المناصب وبينما كانت بعض قيادات حزب البعث بمن فيهم أولئك الذين كانوا قريبين من صدام لسنين عديدة لها آراء أخرى تتمثل في عدم تسليم صدام السلطة بل إجراء انتخابات حزبية، سارع صدام إلى العمل والصعود إلى قمة السلطة في حركة تشبه الأعمال المسرحية.
في 18 تموز/يوليو عام 1979 دعا صدام أعضاء مجلس قيادة الثورة ومئات من زعماء حزب البعث الآخرين إلى قاعة المؤتمرات في بغداد. وكانت في نهاية القاعة كاميرا فيديو تسجل الحدث. مشى صدام ببطء نحو المنصة ووقف خلف الميكروفون وهو يدخن السيجار وكان وجهه يوحي بالحزن. قال: "كانت هناك خيانة، مؤامرة سورية. كان هناك خونة بينهم".
ثم جلس صدام وظهر من خلف الستارة السكرتير العام لمجلس قيادة الثورة، محيي عبد الحسين مشهدي، ليعترف باشتراكه في المؤامرة. وكان مشهدي قد اعتقل وعذب سراً قبل عدة أيام من الاجتماع واعترف آنذاك بزمان ومكان المؤامرة وأسماء المشتركين فيها. ثم أخذ يتلو أسماء المشتركين واحداً بعد الآخر. وبينما كان يشير إلى هؤلاء من بين الحضور كان الحرس المسلحون يمسكون بالمتهمين ويقودونهم خارج القاعة. وعندما صاح أحدهم بأنه بريء، صرخ به صدام قائلا له: اخرج، اخرج. وبعد عدة أسابيع تم إعدام المتهمين بعد محاكمات سرية وتكميم أفواههم خوفاً من أن ينطقوا بكلماتهم الأخيرة أمام فرقة الإعدام. وعندما تم التخلص من كافة "الخونة" وقف صدام على المنصة وهو يذرف الدموع بينما كان يردد أسماء الذين غدروا به وانضم إليه بعض الحضور في البكاء وربما كان ذلك من قبيل الخوف.
كان لهذا العمل المرعب أثره، فقد فهم كافة من كانوا في القاعة كيف ستؤول إليه الأمور في العراق بعد ذلك اليوم. وقف الحضور وأخذوا بالتصفيق عالياً وانتهت الجلسة بالابتهاج والضحك. وخرج بقية الزعماء وعددهم حوالي 300 وهم يرتجفون شاكرين الله على أن القدر جنبهم المصير الذي آل إليه رفقاؤهم وباتوا متأكدين أن رجلاً واحداً قد أخذ بزمام السيطرة الكاملة على مقدرات الأمة جميعها.
يميل صدام لاقتراف جرائمه علانية ويغطيها بغطاء الوطنية، كما يحول الشهود إلى شركاء في الجريمة، وقد ذكر أن حوالي ثلث أعضاء مجلس قيادة الثورة تم التخلص منهم في هذه الحادثة. وحتى مشهدي لم يسلم فقد أعدم. وفي الأسابيع التي تلت الحادثة تم إعدام عشرات من وصفوا "بالخونة" بما في ذلك موظفون حكوميون، ضباط عسكريون ومدنيون. وقال بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة إن صدام أمر أعضاء الدوائر الداخلية في الحزب بالمشاركة في حمام الدم.
وفي الفترة بين عامي 1968-1979 حين كان صدام نائباً لمجلس قيادة الثورة، كانت أهداف الحزب تبدو كأنها أهداف صدام. وكانت هذه الفترة جيدة بالنسبة للعراق وكان الفضل يعود لصدام كرجل إدارة فاعل.
فقد قاد حملة ضد الأمية في جميع أنحاء العراق وكانت برامج التعليم منتشرة في كل قرية ومدينة وكان كل متخلف عنها معرضاً للعقاب بالسجن ثلاث سنوات. حضر هذه الفصول الإجبارية رجال ونساء وأطفال ومئات آلاف الأميين من العراقيين الذين تعلموا القراءة والكتابة.
وعلى إثر ذلك قدمت منظمة اليونسكو جائزة لصدام. كذلك كانت هناك طموحات لإنشاء المدارس، الطرق، المنازل والمستشفيات حيث أنشأ العراق أفضل أنظمة الصحة العامة في الشرف الأوسط. وكان هناك إعجاب في الغرب لهذه الإنجازات التي حققها صدام. وبعد قيام الثورة الإسلامية في إيران واحتلال السفارة الأميركية في طهران عام 1979 ظهر صدام أفضل أمل للاعتدال الديني في المنطقة.
بعد سنتين من تسلم صدام مقاليد الحكم تحولت طموحاته نحو الغزو وجلبت هزائمه الدمار على العراق. ويرى حلفاؤه القدامى في حزب البعث والذين هم في المنفى الآن أن برامجه الخاصة بالرفاه الاجتماعي كانت مجرد خداع مدروس. وكان حين يحتاج إلى مساعدة الحزب يتبنى برامجه ولكن هدفه الوحيد على الدوام كان توطيد حكمه الشخصي.
يقول حامد الجبوري، عضو سابق في مجلس قيادة الثورة ويعيش حاليا في لندن، "كان حزب البعث في بداية الأمر يضم صفوة المفكرين في جيلنا. كان هناك الكثير من أساتذة الجامعات، الأطباء، علماء الاقتصاد، والمؤرخين". كان صدام جذاباً ومثيراً للإعجاب وظهر مختلفاً تمام عما أصبح عليه فيما بعد.
جذبنا جميعاً وقدمنا له الدعم لأنه بدا قادراً على السيطرة على بلد صعب كالعراق وشعب صعب كشعبنا.
وكنا نتعجب كيف لشاب ولد في الريف شمالي بغداد أن يصبح زعيماً كفؤاً. بدا صدام زعيماً مفكراً وذا توجه عملي ولكنه كان يخفي شخصيته الحقيقية. وقد فعل هذا خلال سنوات حيث بنى سلطته بهدوء مخفياً غرائزه الحقيقية. له قدرة كبيرة على إخفاء نواياه ويمكن أن يكون ذلك مهارة كبرى يتميز بها. أذكر ما قاله ابنه عدي في أحدى المرات، "جيب قميص والدي اليمنى لا تعرف ما يخفيه في جيبه اليسرى".
ماذا يريد صدام؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال بالقول إنه لا يريد المال بكل المقاييس.
ولكن هذا لا ينطبق على بقية أفراد عائلته. فزوجته ساجدة عرف عنها بالتسوق بما قيمته مليون دولار في نيويورك ولندن في الفترة التي كانت علاقات الغرب بصدام جيدة. كذلك يقود عدي السيارات غالية الثمن ويرتدي أفخم البدلات التي يصنع تصميها بنفسه. أما صدام نفسه فليس مفرطاً في اللذات حيث أن حياته متزنة بشكل جيد وهي نوعاً ما معتدلة فيما يتعلق بتناول الغذاء. ويبدو مهتماً بشكل كبير بالشهرة أكثر من النقود ويرغب فوق كل شيء أن يثير الإعجاب ويتذكره الناس كشخص عظيم. فقد فرض على المسؤولين العراقيين قراءة سيرة حياته في 19 مجلداً كما أمر بنفسه بإعداد فيلم سينمائي لمدة ست ساعات يدور حول حياته بعنوان " The Long Days" إخراج ترنس يونغ المعروف بإخراجه ثلاثة أفلام لجيمس بوند.
قال صدام لمؤلف سيرة حياته إنه غير مهتم بما يفكر الناس حوله هذه الأيام ولكنه مهتم فقط بما سيقولونه عنه بعد 500 عام من الآن. ويبدو أن جذور صدام الدموية المتعلقة بالسلطة تنبع من غروره وعجرفته.
ويتساءل الكاتب ولكن ما هي حدود هذه العظمة التي تدفع بإنسان لسجن أو قتل كافة معارضيه؟ ما هي هذه الحدود التي تجعله يزين الساحات العامة في بلاده بنصبه ويأمر بإنشاء لوحات يبلغ طول بعضها عشرين قدماً تظهره زعيماً للأمة، مرة كفارس ومرة أخرى كمزارع أو عامل بناء يحمل أكياساً من الأسمنت؟ ماذا يدفعه لاستغلال تلفزيون وراديو وأفلام ومطبوعات البلاد وتسخيرها للاحتفال بكل كلمة يتفوه بها أو عمل يقوم به؟ أن الأفعال التي يقوم بها الطغاة تهزأ بالتحليل النفسي، فحب الذات والطموح يصبح حركة سياسية. وصدام بدوره يجسد الحزب ومن بعده الأمة والآخرون يتآمرون في هذه العملية من أجل تحقيق مآربهم وطموحاتهم الشخصية. وبعد ذلك يوجه الطاغية هجومه نحوهم حيث تصبح عبادته لنفسه أكثر من استراتيجية سياسية. فإعادة تكرار صورته كبطل، تكرار ذكر اسمه، شعاراته، فضائله وإنجازاته يقصد بها إظهار أن سلطته لا يمكن الاستغناء عنها أو تحديها. وأخيراً يكال له المديح ليس من قبيل الحب أو الإعجاب ولكن من قبيل الواجب. يجب على الجميع الإطراء عليه.
استدعي سعد البزاز لمقابلة صدام عام 1989 وكان يعمل آنذاك محرراً لأكبر صحيفة يومية تصدر في بغداد ومستشاراً إعلامياً لرئيس الجمهورية مهمته الإشراف على برامج التلفزيون والإذاعة العراقية. لم يفكر الرجل كثيراً في الأمر حيث أنه كان يعرف الرئيس منذ سنين وكان على علاقة جيدة معه. وكانت أول مرة يستدعيه صدام قبل 15 سنة من ذلك حين كان نائباً لمجلس قيادة الثورة.
وكان حزب البعث وقتئذ مصدر إثارة كبيرة وكان صدام النجم الصاعد. كان البزاز يبلغ حينها 25 عاماً من العمر ونشر لتوه مجموعته الأولى من القصص القصيرة وكتب مواد لصحف بغداد وكان الاستدعاء الأول له من قبل صدام بمثابة المفاجأة، فلماذا يطلب نائب رئيس الجمهورية الاجتماع به، قال صدام للبزاز في أول اجتماع بينهما إنه قرأ بعض مقالاته وأعجب بها، وسمع كذلك عن كتابه للقصص القصيرة وأنها كانت جيدة جداً. فرح البزاز لسماع نائب الرئيس وهو يثني عليه. وبعد ذلك سأل صدام البزاز حول الكتّاب الذين يعجب بهم وبعد الإصغاء إلى البزاز قال له، "عندما كنت في السجن، قرأت كافة روايات إرنست همنجواي. أحب بالذات رواية الرجل العجوز والبحر". أطرق البزاز مفكراً وقال في نفسه هذه أول مرة يشغل فيها سياسي عراقي نفسه بالأدب. أمطر البزاز بأسئلة في ذلك اللقاء وأصغى لأجوبته بكل انتباه مما جعل البزاز يفكر أن هذا أيضاً شيء غير عادي.
وبحلول عام 1989 تغير الكثير حيث تخلى نظام حكم صدام عن أهداف الحزب المثالية ولم يعد البزاز يرى في الديكتاتور رجلا منفتح العقل للتعلم والتفكير الدقيق، ولكنه هو نفسه نجح في ظل حكم صدام. لم تترك مسؤوليات البزاز الحكومية الوقت له للكتابة ولكنه أصبح شخصاً مهما في العراق رأى نفسه السبب وراء تقدم الفنانين والصحفيين وقوة تدفع باتجاه تحرير الاقتصاد. ومنذ نهاية الحرب مع إيران جرى الحديث عن تخفيف الرقابة على وسائل الإعلام والفنون في العراق حيث أن البزاز ضغط في هذه الاتجاه ولكن بشكل سري.
ولكنه لم يكن ذلك الشخص الذي يضغط بشدة لذا فلم تكن لديه هواجس أو مخاوف وهو يقود سيارته عدة أميال بعيداً عن مكتبه إلى منطقة بالقرب من المقر القديم لمجلس الوزراء العراقي حيث أمره مبعوث للرئيس بترك سيارته هناك.
قام مبعوث الرئيس باصطحاب البزاز سراً إلى فيللا فخمة قريبة حيث قام حراسها بتفتيشه والطلب إليه الانتظار.. وظل البزاز طوال فترة الانتظار التي دامت نصف ساعة يرى أناسا يغادرون مكتب صدام. وحين جاء دوره قدم له الحراس قلماً ودفتراً وذكروه بأن عليه الكلام فقط إذا طلب منه الرئيس ذلك بسؤال مباشر. كان الوقت في الظهيرة وكان الرئيس يرتدي البزة العسكرية وظل خلف مكتبه دون مصافحة البزاز.
سأل الرئيس البزاز عن أحواله فأجابه أنه بخير وأنه جاء للاستماع إليه.
بعد ذلك أبدى صدام تذمره من مسلسل كوميدي مصري كان التلفزيون العراقي يذيعه قائلاً إن هذا المسلسل تافه وعلينا أن لا نقدمه لشعبنا. كتب البزاز ملاحظة حول ذلك، ثم تطرق الرئيس لموضوع آخر يتعلق بالقصائد والأغاني التي كتبت في كيل المديح للرئيس وأذاعها التلفزيون العراقي بشكل يومي.
وكان البزاز في الأسابيع الأخيرة قبل استدعاه الرئيس له طلب إلى منتجيه أن يكون أكثر انتقائية حيث أن معظم الأعمال كانت من نتاج الهواة، مثيرة للسخرية وتافهة ومكتوبة من قبل شعراء غير موهوبين.
مساعدو البزاز كانوا سعيدين لإطاعة أوامره بهذا الخصوص. وكانت الأناشيد التي تمجد القائد تذاع يومياً ولكن ليس بعدد المرات السابقة منذ قام البزاز بتغيير السياسة بهذا الشأن".
قال صدام، "أفهم أنك لا تسمح لبعض الأغاني التي تحمل اسمي بالبث عبر التلفزيون". دهش البزاز وانتابه الرعب فجأة وقال: سيدي الرئيس، لا نزال نذيع الأغاني ولكنني أوقفت بعضها لأنها كتبت بطريقة رديئة، إنها قمامة. أجاب صدام فجأة وبشكل صارم قائلاً أنت لست قاضيا يا سعد. قال البزاز، نعم سيدي أنا لست بقاض. وتابع صدام مخاطباً البزاز، "كيف لك أن تمنع الناس من التعبير عن شعورهم نحوي".
فزع البزاز من أن يؤخذ بعيداً ويتم قتله وشعر أن الدم جف في وجهه وأخذ قلبه يرتجف بشكل عنيف. لم يتفوه المحرر بكلمة واحدة وأخذ القلم الذي يحمله يهتز من شدة رعشته، ومن الجدير بالذكر أن صوت صدام لا يعلو أثناء الحديث وقال: "لا !لا! لا! لست بالقاضي الذي يحكم على هذه الأمور".
ردد البزاز كلمات نعم سيدي وكتب كل كلمة قالها الرئيس. وبعد ذلك تحدث صدام عن الحركات التي تطالب بمزيد من الحريات في الصحافة والفنون قائلاً إنه ليس هناك مجال للتراخي في السيطرة، أجاب البزاز بعبارة حسناً! ختم صدام اللقاء قائلا: أصبح الآن كل شيء واضحا بالنسبة لك.
انصرف المحرر من مكتب الرئيس وهو يتصبب عرقاً وتم نقله إلى مبنى مجلس الوزراء حيث قام بقيادتة سيارته إلى مكتبه ومن ثم عاد إلى السياسة القديمة.
وفي ذلك المساء استأنف التلفزيون والإذاعة العراقية ترديد القصائد والأغاني التي تمتدح الرئيس.
أهداف الرئيس
يسمى العراق بأرض الآثار وبلاد ما بين النهرين (دجلة والفرات)، أرض ملوك سومر وبابل وأحد مهد الحضارات.
فالتجول في شوارع بغداد يعطي المرء شعوراً بالتواصل مع الماضي البعيد والاتحاد مع أحداث التاريخ العظيمة. وتسير أعمال الإصلاح والصيانة في قصور بغداد القديمة على قدم وساق. وبموجب قرار جمهوري يتم ختم لبنة واحدة من كل عشرة تستخدم في إصلاح قصر قديم باسم صدام حسين أو نجمة ثمانية (ترمز كل نقطة فيها إلى حرف من اسمه بالعربية).
في عام 1987 عين انتفاض قنبر مسؤولاً عن إعمار قصر بغداد الذي كان يوماً يسمى قصر الزهور. بني القصر عام 1930م للملك غازي وهو قصر صغير نسبياً وجميل جداً. وبنمطه الإنجليزي يمثل القصر وحديقته منظراً أخضر جميلاً. قنبر مهندس قصير القامة سليم البنية وذو شعر أسود وبشرة داكنة. وبعد تخرجه من الجامعة أدى خدمته العسكرية الإلزامية لمدة شهر في الخطوط الأمامية في الحرب مع إيران.
توقف العمل في ترميم القصر قبل ذلك بعدة سنوات لأن الخبير الإنجليزي رفض المجيء إلى بغداد بسبب الحرب. وكان من أولى مهام قنبر الإشراف على بناء جدار عال من الطوب المزخرف حول القصر. وقنبر بطبيعته ينشد الكمال في العمل وبسبب الحاجة إلى زخرفة الجدار وإنشائه بصورة قوية حرص قنبر على وضع كل لبنة.
وفي مساء أحد الأيام وبينما كان المهندس ينهي العمل لذلك اليوم رأى سيارة مرسيدس سوداء وعلى نوافذها ستائر وعرف على الفور من كان في السيارة لأن العراقيين العاديين لم يكن مسموحاً لهم بامتلاك سيارة فارهة.
فتحت أبواب السيارة وخرج منها عدد من الحرس الرئاسي وكان كل منهم يرتدي بزة خضراء قاتمة اللون وقبعة سوداء وأبواطا من الجلد البني المائل للون الأحمر. كان كل واحد من أفراد الحرس له شاربان مثل صدام حسين ويحمل كلاشينكوفا.
وبالنسبة لقنبر الذي أصابه الفزع فإن المنظر كان يمثل روبوتات تخلو من الشعور الإنساني.
كان الحرس يزورن موقع العمل في كثير من الأحيان ويثيرون المشاكل. ففي إحدى المرات وبعد أن تم صب الإسمنت وتسويته، قفز بعضهم فوقه وغرقت أبواطهم فيه كي يتأكدوا من عدم وجود قنابل أو أجهزة تنصت مخبأة هناك. وفي مرة أخرى فتح عامل علبة من السجائر ووقعت قطعة من ورق القصدير من داخل العلبة فوق الأسمنت حيث لاحظ أحد الحراس شيئاً لامعاً فما كان منه إلا أن أبدى ردة فعل كمن شاهد قنبلة تلقى في ذلك المكان. قفزت مجموعة من الحرس والتقطوا قطعة القصدير. غضبوا من ظهورهم كالحمقى ولذلك سحبوا العامل الذي وقعت منه القطعة وأشبعوه ضرباً بأعقاب بنادقهم. صاح العامل قائلا: "لقد عملت طول حياتي". وبعد ذلك أخذوه ولم يعد أبدا. لذا فقد كان وصول سيارة المرسيدس السوداء فجأة مبعثاً على الخوف بالنسبة لقنبر.
عندما سأل رئيس الحرس عن المهندس المسؤول عن الموقع، ظهر قنبر وعرف بنفسه وقام بعض الحراس بتسجيل ذلك. ومن المعروف في العراق أن "قيام الحماية" بتسجيل اسم أي مواطن أمر يبعث على الرعب. ففي بلد يحكمه الخوف، فإن أفضل طريقة هو أن يتحاشى الفرد جلب الانتباه إليه لأنه حتى النجاح يمكن أن يشكل خطراً حيث ينظر الآخرون إلى الناجح بعين الحسد أو الربية. ويسود اعتقاد بين العراقيين أن الدولة إذا سجلت اسم المواطن لأغراض غير التعليم، رخصة القيادة، والخدمة العسكرية، فإن هذا شيء خطير لأن الإجراءات التي تقوم بها الحكومة لا يمكن التنبؤ بها حيث أنها قد تقوض حياة المواطن المهنية، حربته أو حياته. لذا ارتجف قلب قنبر وأصبح ريقه جافاً.
وبدأ رئيس الحرس كلامه بالقول إن "العم العظيم" أي صدام سوف يمر من هنا. وتساءل عن سبب وجود بوابة في الموقع قبل بناء جدارين حولها. أخذ قنبر يفسر سبب ذلك بعصبية قائلا إن الجدارين كانا من نوع خاص ومزخرفين وأن الطاقم الذي يعمل معه احتفظ بهما حتى إتمام العمل حتى لا يتم تلطيخها بسبب المعدات والآليات الثقيلة التي تجوب المكان.
قال رئيس الحرس بحدة، عمنا العظيم سيمر مرة ثانية هذه الليلة وعندما يأتي يجب أن يكون كل شيء منتهياً". ذهل قنبر من طلب رئيس الحرس وتساءل كيف يمكنه تحقيق ذلك. أجاب رئيس الحرس بأنه لا يعلم وهدده إن لم يفعل ما أمره، فإنه سيواجه المتاعب. ثم قال شيئاً ينم عن خطورة ما قد يحدث لقنبر الذي استدعى جميع عماله بمن فيهم من لم يكونوا في الموقع وأولئك الذين غادروا إلى منازلهم. وبسرعة تم تجميع 200 عامل وإضاءة الكشافات.
عاد عدد من الحراس بشاحنات تعلوها أسلحة أوتوماتيكية وأوقفوها إلى جانب الموقع وأخذوا يراقبون العمال ويحثونهم على السرعة في العمل بينما هم جالسون على كراسي.
أنهى العمال المهمة التي أنيطوا بها الساعة التاسعة والنصف مساء والتي كان يمكن لها أن تستغرق أسبوعاً كاملاً. فقد دفعهم الخوف للعمل بجد أكثر مما كانوا يتوقعون. كان قنبر ورجاله منهمكين وظلوا بعد ذلك بساعة ينظفون الموقع حتى جاءت سيارة مرسيدس سوداء مرة أخرى. نزل رئيس الحرس من السيارة وقال: "مر عمنا لتوه من هنا وهو يشكركم".
الأسوار تحدد عالم الطغاة وتبقي أعداءهم خارجها ولكنها أيضاً تحجبهم عن شعوبهم وتفقدهم الإحساس، بما هو معقول وغير معقول وما الممكن عمله و ما هو غير الممكن.
نجا صدام من كافة المحاولات التي جرت لاغتياله وأصيب فقط إصابة طفيفة في ساقه حين فشلت محاولته اغتيال الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم عام 1959.
كذلك نجا من العقاب الذي كان سينزل به عام 1964 لدوره في انتفاضة حزب البعث الفاشلة. بالإضافة إلى نجاته من الموت حين وقع خلف الخطوط الإيرانية إبان الحرب العراقية الإيرانية وكذلك نجاته من عدة محاولات لاغتياله بما فيها القنابل الذكية الأميركية التي ألقيت على معسكر في بغداد عام 1991م. ومن المحاولات التي جرت لإطاحته ونجا منها أيضاً الثورة الشعبية في جميع أنحاء العراق بعد حرب الخليج الثانية مما قوى من إيمانه بأن حزب البعث مستلهم من السماء وأن العظمة قدره.
ترجمة واعداد: البوابة