صدرت الطبعة العربية لكتاب 100 عام من الرواية النسائية العربية، للباحثة السورية د.بثينة شعبان، وجاء هذا الكتاب ليؤكد الإجابة بنعم على سؤال أساسي: هل توجد رواية نسائية عربية؟ وهي نعم مزودة بتحليلات مقنعة تدفع لإعادة النظر بمقولات النقاد حول اهتمامات المرأة في الكتابة.
وحسب تعبير الناقد محيى الدين صبحي في تقديمه للكتاب، فإن الكتاب يسجل نقطة تحول في تأريخ الأدب العربي المعاصر· ويحدث تحولا أساسيا في نظرتنا إلى الروايات العربية، ومدى إسهام المرأة في نشوئها وارتقائها ومواكبتها للمنعطفات الكبرى في تاريخ الوجدان والمجتمع العربي·
في الفصل الاول تناولت المؤلفة تهميش الكتابات النسائية ورأت ان عملية التهميش كانت تتم غالبا بحجة ان الكاتبات العربيات فشلن في الخروج من قمقم البيت والأطفال والزواج والحب في كتاباتهن، ونتيجة لذلك فقد فشلن في معالجة الاهتمامات الاجتماعية والسياسية لبلدانهن· وهكذا، فان ذكرهن في مواضيع النقد الأدبي يتناسب مع الأهمية الضئيلة للمواضيع التي عالجنها.
أما الفصل الثاني فخصص لدراسة روايات عدة ألفتها نساء عربيات قبل ظهور أية رواية من تأليف رجال عرب، ويظهر الفصل أن النساء العربيات هن اللواتي أسسن هذا النوع الأدبي في الأدب العربي·
حيث تتحدى المؤلفة نظرية ان الرواية العربية الأولى قد ألفها عام 1914 الكاتب المصري محمد حسين هيكل، وتثبت أن الرواية الأولى في الأدب العربي كانت "حسن العواقب" التي ألفتها الكاتبة اللبنانية زينب فواز ونشرت عام 1899 وفي عام 1904 نشرت لبيبة هاشم من لبنان أيضا، رواية" قلب الرجل" كما نشرت لبيبة ميخائيل صويا اللبنانية، رواية "حسناء سالونيك" على حلقات في صحيفة الهدى في نيويورك.
وفي الفصل الثالث تغطي د.شعبان الروايات النسائية بين العشرينات والخمسينات، وهي فترة اضطراب سياسي واجتماعي في العالم العربي، وقد ظهرت فيها حركات التحرر الوطني من الاحتلال الفرنسي والإنجليزي في الأقطار العربية· وتشير المؤلفة إلى أنه خلال هذه الفترة نشأت توأمة حقيقية في العالم العربي بين الايديولوجيات السياسية والنسوية التحريرية·
في الفصل الرابع تتحدث د.شعبان عن الروايات النسائية التي لم تعد تحاول اتباع النهج الأخلاقي أو غير المباشر في طرح أسئلة حول حقوق المرأة، لكنها بدأت تواجه القضية بشكل مباشر تماما، وهي روايات روجت لموقع جديد ودور جديد للنساء أكثر ملاءمة لقدراتهن وطموحاتهن، وهي الروايات الأولى التي تتحدى الحواجز الموجودة وتعبر عن وعي تحرري نسائي واضح وجلي. ومن وجهة نظر تقنية تشكل هذه الروايات علاقة فارقة في فن كتابة الرواية.
ويركز الفصل الخامس على روايات كتبت بين عامي 1960-1967 وترى المؤلفة أن كاتباتها تنبأن فيها بالأزمة التي حدثت عام 1967، كما ركزن في هذه الروايات على الأمراض الاجتماعية التي قدرن أنها قد تنفجر إذا لم تتم مواجهتها بشكل صريح وسريع، وقد ظهر في هذه الروايات النسيج الاجتماعي والسياسي متداخلين تماما، إضافة إلى وجهات نظر النساء ورؤيتهن الخاصة في الكثير من القضايا الوطنية. وقد هدف هذا الفصل إلى إثبات ان الروايات النسائية كانت سياسية، و إظهار ان سياستها كانت ضد التيار السائد، الأمر الذي يعتبر مسؤولا عن تهميشها.
في الفصل السادس برهنت المؤلفة أنه في روايات الحرب النسائية كتبت النساء عن الحرب بمستوى الرجال، ولكن بصورة مختلفة، ففيما يتعلق بالرجال تتضمن الكتابة عن الحرب بالضرورة ساحة المعركة والاصطدامات والدم والسلاح، بينما اختارت كاتبات كثيرات استكشاف النتائج الإنسانية للحرب، والتشويه الداخلي الذي تحدثه في نفسية الناس وأخلاقهم، وأحيانا صعوبة المواكبة خلال وقت الحرب بعيدا عن ساحة المعركة، لأنها طريقتهن التي عايشن بها الحرب، ولأنهن لسن مقاتلات فإنهن لا يستطعن الكتابة عن الحرب، كما يفعل المقاتلون و نتيجة لذلك غاصت رواياتهن في شبكة معقدة من العلاقات والمآسي الإنسانية، وما قدمته المؤلفة في هذا الفصل يدحض فكرة ان أدب الحرب هو في المقام الأول ميدان ذكوري.
·ويعبر الفصل السابع بصورة دقيقة عن الحالة الذهنية التي كانت المؤلفة فيها وهي مستفرقة في قراءة الروايات التي جرت مناقشتها في هذا الفصل، وهي روايات أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات· كما انه يشير الى انبثاق مرحلة جديدة في كتابة الرواية من قبل النساء العربيات.
ويركز الفصل النهائي على بضع روائيات عربيات من دول عربية مختلفة اكتسبن سمعة بارزة بين القراء العرب، وقد كتبت د.شعبان عن سحر خليفة بأنها الروائية العربية الأولى في النصف الثاني من القرن العشرين، التي أسست لرواية نسائية تحررية سياسية، ومتقنة موضوعيا وتقنيا. ثم تغوص د.شعبان في روايات خليفة تحليلا ونقدا.
في النهاية تختتم د·بثينة شعبان كتابها بالشعور الواثق بأن مستقبل الرواية العربية ستصوغه بشكل رئيسي الروائيات العربيات- -(البوابة)