تعد الحملة الفرنسية في عام 1798م حدثا فاصلا في تاريخ مصر الحديثة، وهو الحدث الذي ظهر من خلاله مدى تخلف الأفكار وضعف المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع، وقد استقطب هذا الحدث الكثير من جهود المفكرين والمؤرخين والأدباء والفنانين، سواء من أجل تحليل مواطن الضعف في تلك الأفكار والمؤسسات، أو من أجل تصور تلك الشروط الفكرية والموضوعية لنهضة المجتمع المصري.
وقد مثلت تلك الجهود تيارا ممتدا علي مدي قرنين من الزمان. وينضم المخرج الكبير صلاح أبو سيف(1915ـ1996) الى هذا التيار باستخدامه للغة السينما، وذلك علي مدى مشواره الفني منذ إخراجه لفيلمه الأول "دايما في قلبي" عام1946، حتى آخر أفلامه "السيد كاف" عام1994، والذي بلغ41 فيلما.
وتعبر أفلام المرحلة الواقعية، التي أخرجها خلال فترة الخمسينات والستينات والسبعينات، عن رؤية صلاح أبو سيف لأسباب تخلف المجتمع المصري وشروط تجاوز هذا التخلف، وتمثل تلك الأفلام حياة البسطاء من الناس الذين يمثلون الطبقة الفقيرة، والشريحة الدنيا من الطبقة الوسطي في الريف والمدينة، وأبطال تلك الأفلام من الأميين ومن ذوي التعليم المحدود، كما في فيلم "الاسطى حسن"(1952) و"الوحش" (1952)، و"شباب امرأة" (1956) و"الفتوة"(1957) و"الزوجة الثانية" (1967).
كما أن بعضهم من المتعلمين كما في فيلم "بداية ونهاية"(1960)، و"القضية" (1968)، "وحمام الملاطيلي" (1973).
والمجتمع الذي تعبر عنه تلك الأفلام يعيش في حالة أزمة، ويعكس قدرا كبيرا من التوتر والصراعات، مصدرها ذلك الاسلوب الذي يجري به إدارة وتوظيف القوة بأشكالها المختلفة من قبل أفراد المجتمع.
فالمجتمع عادة يقدم الفرص للجميع والامكانيات برغم ندرتها تكفي الكل وزيادة. لكن الخلل ينشأ نتيجة لذلك الإفراط في الاستحواذ علي القوة( الثروة والنفوذ) من جانب والتفريط في استخدام تلك القوة( القيم الاخلاقية للمجتمع ـ القوة المعنوية والامكانيات الجسدية والمهارات العقلية للفرد) من الجانب الاخر.
فهناك اذن مواجهة للخلل الناتج عن الاستغلال الذي تعاني منه الطبقة العاملة. يرى حسن( الاسطي حسن) ابن بولاق الفقير، خلاص الفردي في تلك العلاقة مع أحد نساء حي الزمالك، وقرني في( فيلم الوحش) في مواجهة عبد الصبور الذي يمثل ابشع صور الإقطاع، يلجأ الى الصمت المطبق.
وفاطمة( الزوجة الثانية) في مواجهة جبروت العمدة الذي تزوجها وهي حامل من زوجها الأول بعد أن أجبره علي طلاقها، تلجأ بطريقة فردية تماما اعتمادا علي الحيلة وحدها، وبدون مساعدة أي طرف آخر إلي مقاومة هذا الزواج. وحسن( في بداية ونهاية) يجد خلاصة الفردي في محاولة الزواج من ابنة الباشا. وهو نفس السلوك الذي لجأ اليه إمام( في شباب امرأة) وأحمد طه( في حمام الملاطيلي).
تواجه النماذج السابقة خللا، سببه الظاهر هو معاناتهم من مشكلة الفقر أو انعدام فرص العمل أو ضعف الأمل علي تحسين مستوي الحياة. لكن السبب الكامن هو تلك العزلة والفردية التي تمارسها هذه النماذج عند تصحيح هذا الخلل. وهو ما يمثل التفريط في استخدام القوة الحقيقية التي يملكها الافراد. وهو السلوك الذي يؤدي الي الفشل في نهاية الأمر.
ولايمثل هذا الوضع غير أحد جوانب هذا الخلل. إذ أن الافراط في الاستحواذ علي القوة يعد هو الجانب الاخر من المشكلة. فهو عمل فردي بالأساس تمارسه القلة من الأفراد, كما أن الافراط في احتكار تلك القوة واساءة استخدامها بدون حدود، يؤدي هو الآخر الي تدمير هؤلاء الأفراد.
ويعبر فيلم الزوجة الثانية أصدق تعبير عن مأزق الإفراط في استخدم القوة. وهو مايبدو في مصير العمدة الذي استخدام كل مايملك من نفوذ وسطوة وسيطرة ليحقق هدفه في الزواج من فاطمة وعندما يكتشف في النهاية فشل كل أهدافه، نراه يسير وحيدا منهارا في نهاية الفيلم في مشهد من أهم مشاهد السينما العربية، يردد عبارة( أنا اللي جيبته لنفسي، أنا اللي استاهل كل اللي يجرالي). وتصل المفارقة أقصاها عندما يتلقي التهاني بمولود يعرف أنه ليس أبنه من هؤلاء الذين شجعوا علي استغلال قوته.
كما يصل الشعور بالضعف والعزلة مداه عندما يصل الي اسماعه أهل القرية يرددون( الراجل اتجنن من الفرحة يا ولاد).
ويواجه المعلم أبو زيد( في فيلم الفتوة) الذي يمارس أبشع صورة الإحتكار، وعبد الصبور( في فيلم الوحش) الذي يمارس الإرهاب والقتل للاستحواذ علي أراضي الفلاحين، ويفرض الإتاوات علي التجار، نفس المصير وهو السقوط أو الموت، ويمثل هريدي( في فيلم الفتوة) مفارقة استخدام القوة. فقد عاني في البداية من الانسحاق والاهانة أمام جبروت أبو زيد.
وعندما يستحوذ علي القوة بدلا منه، يقع هو نفسه في مأزق إساءة استعمالها تحت وطأة القيم الفردية، وهو ماينتهي به الي نفس نهاية أبو زيد.
حاول المخرج الكبير صلاح أبو سيف من خلال تلك الاعمال توضيح فكرة مهمة وهي أن عدم الاستخدام العقلاني لأشكال القوة وبالتالي عدم القدرة علي توظيفها في بناء مؤسسات المجتمع المدني وتأسيس هياكل للسلطة بديلة لتلك المؤسسات القديمة القائمة علي نفوذ العلاقات الشخصية كان وراء عجز المجتمع عن مواجهة تلك التحولات والأزمات التي صاحبت أربعة مشروعات نهضوية._(البوابة)--(مصادر متعددة)