طائفة درزية تهدر دم الكاتب السوري ممدوح عزام

تاريخ النشر: 26 يونيو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

دمشق – نضال حمارنة  

أصدرت الطائفة الدرزية التي ينتمي إليها الكاتب السوري ممدوح عزام  

بيانا بإهدار دمه بحجة أن روايته "قصرالمطر" أساءت إلى المجتمع الدرزي وأخلاقه، وشوهت عاداته وتقاليده ومقدساته وأبطاله الأسطوريين. 

وطالب البيان الذي وقعه مشايخ طائفة عقل الدرزية الحكومة السورية بمنع تداول روايته وسحبها من الأسواق ، علما بأن الرواية صادرة عن وزارة الثقافة السورية عام 1998. وقال البيان أن الرواية والراوي على السواء شوها أبطال التحرير الأسطوريين أمثال "سلطان باشا الأطرش". وتجاهل الإعلام السوري هذا البيان و ردود الأفعال الأخرى ، مثل بيان المثقفين للتضامن مع الكاتب، و لملف الخاص برواية قصر المطر التي انفردت الكاتبة الصحفية ديانا جبور بمتابعتها في صحيفة "الثورة" السورية خلال الأسابيع الماضية. 

كما تجاهل اتحاد الكتاب العرب الحدث، ولم يتضامن مع الكاتب بل دعاه إلى طلب الغفران والتراجع عما فعل ومصالحة شيوخ طائفته. 

ويتهامس كثير من الأشخاص في المجتمع الدرزي بأن من حرض الشيخ الأول المقيم في منطقة جرمانا ضد الرواية والراوي هو توفيق صالحة عضو القيادة القطرية (الذي كان مدعوماً من رفعت الأسد شقيق الرئيس السوري الراحل) وخسر عضوية القيادة في مؤتمر الحزب الأخير، وهو أيضاً من الطائفة الدرزية. 

وقد اختفت نسخ الرواية من وزارة الثقافة ومن المكتبات وجمع مثقفو السويداء أكثر من 600 توقيع من أهالي المنطقة تضامنامع الكاتب حتى يكون الرد الأول من أفراد الطائفة.. 

وأصدر المثقفون في دمشق بياناً عبروا فيه عن تضامنهم مع الكاتب، واستغرب العديد من المهتمين أن يصدر التكفير عن طائفة لا تؤمن اساساً بالتكفير ولم تروج له على مدى تاريخها. 

ممدوح عزام في المحنة 

يتحدث ممدوح عزام عن تفاصيل محنته فيقول: "صدرت رواية " قصر المطر" عام 1998 وقُرئت بهدوء. كان الكاتب شوقي بغدادي أول من كتب عنها في جريدة " تشرين" ثم نشرت عدة مقالات عنها في الصحف السورية والعربية وآخرها كان ملف "الثورة" في الصفحة الثقافية. مع عدد من الحوارات التي أجريت معي وكان كل شيء يبدو عادياً". 

ويضيف عزام:" قبل شهر ونصف من صدور البيان سمعت من بعض الأصدقاء أن لغطاً ما يُثار ضدي وضد الرواية في منطقة جرمانا (في ريف دمشق) وأن بعض الشعراء الشعبيين بدأوا يهجونني ثم علمت أن أربعة أو خمسة أشخاص أحدهم يحمل ملخصاً عن الرواية نظموا اجتماعاً للتحريض ضدي بين دروز جرمانا و ضم الاجتماع بائعي الحليب والخضرة والعلكة". 

ويشير عزام إلى ما قيل في الاجتماع من أن الكاتب يشتم الدروز ويُظهر نساءهم فاسقات" ثم تقرر إجراء قرعة لاختيار الشخص الذي سيتكلف بقتلي على أن يتكفل الحاضرون بإعالة أسرة القاتل، وقد بدأت في جرمانا حملة مضادة لما يُشاع ضدي، وخاصة أن عدداً كبيراً من سكانها كانوا قد قرأوا الرواية وبدأوا بالإعداد لإقامة ندوة حولها. وتكلف (الدكتور عدنان بركة) بكتابة دراسة نقدية عنها". 

أثناء ذلك تشكل وفد من بعض وجهاء الدروز في جرمانا للذهاب إلى محافظة السويداء واطلاع مشايخ العقل على الرواية. 

ويقول عزام:"إنني رغم الرسائل الشفهية التي أرسلتها عبر الأصدقاء إلى مشايخ العقل كي يتريثوا في إصدار أي فتوى دون الاستماع لدفاعي فقد أثمر اللقاء بين الشيوخ والوفد عن البيان المشؤوم. وقد أكد العديد، وخاصة المشايخ أنفسهم، أنهم لم يقرأوا الرواية وأنهم لم يقرأوا البيان أيضاً بل دُفعوا إلى التوقيع عليه عنوة". ويستطرد عزام قائلاً "وحدثت محاولات خسيسة مارسها البعض لإثارة النزاعات والصراعات القديمة داخل عائلتي نفسها والتهديد بقتل أولادي". 

ويضيف عزام" لا أعرف حتى اليوم ما هي دوافع هذه الحملة؟ وما هي الأساليب التي استخدمت لإثارة هؤلاء الناس ضدي وضد الرواية. وأنا لا أستطيع مواجهة هذه الحملة منفرداً وأتخيل أن هناك قوة كبيرة تقف وراءها.وأن حجم الشر نفسه كبير ومرعب". 

شهادات وآراء المثقفين: 

وتحدث إلى البوابة عدد من المثقفين السوريين حول قضية رواية ممدوح عزام، فقال الشاعر والإعلامي عادل محمود:" إنه حتى وإن انتهت الحملة ضد الكاتب ممدوح عزام بالوساطة، أو بتدخل الدولة أو بالتراجع لأسباب واعتبارات أخرى. أؤكد أنه يجب إفهام ثلاث جهات هذه الرسالة: 1- أنه غير مسموح لمشايخ أي طائفة أن تتدخل بما هو خارج مجالها الحيوي الذي هو للأسف كبير وواسع. 

2- الجهات المختصة هي التي يجب أن تتقصى الجانب الجنائي في المسألة كالتهديد بالقتل أو التحريض على العزل الاجتماعي والديني .. الخ... وهذا ينسحب على أي طائفة في سورية، لأن سورية مؤلفة من عدة طوائف ويجب أن يفهم الجميع أن وحدة المجتمع السوري ليست مسألة للعب والتسلية وتحقيق المآرب الشخصية. 

3- مجتمع الثقافة في سورية الذي ينبغي أن يؤكد على عدم انسحاب شخص من مسؤولية الدفاع عن حرية الكاتب وخطر الرضوخ إلى الابتزاز من أي مكان أو جهة." 

أما المخرج المسرحي غسان جباعي فقال:إن "من مفارقات التاريخ أن بهاء الدين في الرواية (هو سلطان الأطرش) كان قدر رُمي عليه الحُرم سابقاً من هؤلاء المشايخ، والحُرم يعني العزل اجتماعياً ودينياً، وها نحن اليوم أمام حُرم جديد يُرمى على الكاتب ممدوح عزام" وتساءل:" إذا كان الأطرش ثائراً حمل السلاح وحمته صخور اللجاة، فمن سيحمي هذا الكاتب؟ الذي لا يملك سوى أوراقه وقلمه، ومهما كانت درجة الاختلاف مع الكاتب: متى سنتعلم أن الكلمة تواجه بالكلمة وليس بوابل رصاص". 

ويرى الكاتب والروائي خالد خليفة، وهو صاحب المسلسل المعروف "سيرة آل الجلالي" أن الضرورة تستدعي سحب بيان المشايخ وإصدار بيان مضاد. وفضح هؤلاء المحرضين على كافة المستويات.ويقول" لا يكفي أن نتحدث اليوم فقط عن حرية الغير، ونخسر في الغد حياة ممدوح عزام أو أي كاتب آخر." 

ويقول المخرج السينمائي غسان شميط: "حين قرأت هذه الرواية شعرت بالفخر لانتسابي إلى الدروز ثم أكد على ضرورة استمالة رجال الدين إلى جانب المثقفين." 

ويشير الشاعر شوقي بغدادي إلى أنه لاحق هذا الموضوع منذ بداياته. وهو يعتقد أن حماية كاتب مثل ممدوح عزام، ليست فقط واجبا أخلاقيا، بل واجبا فنيا أيضاً. ويضيف بأنه لم يقرأ رواية بمستوى رواية "قصر المطر" رغم أنه قرأ معظم الروايات العربية، وكذلك أغلب الروايات المترجمة. ويؤكد بغدادي:" لذلك أنا حريص جداً أن يعيش هذا الكاتب ويكتب. أما كيف سنحميه فهذا هو السؤال؟ أعتقد أننا يجب أن نستخدم كل ما يمكن من وسائل لحمايته، لأن الأزمة تفاقمت وأصبحت خطيرة وتحتاج إلى رد فعل يوازيها ويُذكّر أن البلد لم تمتْ بعد". 

وطالب الكاتب الإعلامي والناشر سعيد البرغوثي بالانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، وأشار إلى أنه طالما تعرض المبدعون إلى هجوم من القوى الظلامية ووجدوا أنفسهم مضطرين للدفاع عن ذواتهم وكأنهم متهمون بالفعل. ثمة محرضون معروفون بالاسم تجب مقاضاتهم. هكذا نتحول إلى مواقع الهجوم. 

وعلق المفكر يوسف سلامة "لقد مررنا بأشباه هذه المحنة منذ أيام الغزالي إلى ابن رشد إلى يومنا هذا".. وأكد على أن من مهمات المثقفين بلورة مفهوم واضح عن الثقافة الوطنية وإشاعته ونشره إلى أن يرتقوا إلى مستوى ميثاق شرف تتبناه كل الجهات التي لها علاقة بالثقافة بما في ذلك رجال الدين. كما أكد على ضرورة إصدار بيان لمؤازرة ممدوح عزام، باسم مثقفي سورية ككل وليس باسم مثقفي السويداء أو دمشق بمعنى أن يصبح بيان المجتمع المدني. وليس بياناً محلياً فقط." 

وقال الكاتب الصحفي يعرب العيسى من صحيفة تشرين: "إننا حالياً نخوض معركة ويجب أن ننتصر فيها. وعلينا أن لا نتراجع عن ذلك.. لأننا الأقوى ونحن الأصح وبإمكاننا استخدام كل الوسائل التي تتيح لنا النصر، أما التراجع فسيعني في المستقبل أن نصف المثقفين قد يُقتلون بنصوص دينية واضحة." 

وينتقد الكاتب حسن .م.يوسف حالة غياب الموقف الجماعي فيقول: "نحن ندخل إلى أي تجمع فرادى، إلى أي ندوة فرادى، نوقع على أي بيان فرادى، كذلك نعود أدراجنا فرادى. لذلك فأنا أشك بقوتنا وقدرتنا على الفعل وحماية ذواتنا. نحن أفراد ولسنا جبهة – أين جبهة المثقفين القادرة على المواجهة؟- وأي كلام آخر يدخل في مجال بيع الأوهام." 

يذكر أن الكاتب ممدوح عزام يعيش في بلدته "السويداء" بعيدا عن العاصمة وقد صدرت له مجموعتان قصصيتان "نحو الماء" و "الشراع" وروايتان "معراج الموت" و"قصر المطر". وثالثة لا تزال تحت الطبع "جهات الجنوب"، وله رواية بعنوان "اللجاة" تحولت الى فيلم سينمائي ونالت الجائزة الفضية للمهرجان- -(البوابة)  

وثيقة الإدانة 

ننشر فيما يلي النص الكامل لبيان شيوخ العقل لطائفة الموحدين الدروز: 

بسم الله الرحمن الرحيم 

السيد رئيس مجلس الوزراء الأكرم 

صدر كتاب بعنوان (قصر المطر) لمؤلفه ممدوح عزام بإشراف وزارة الثقافة يتضمن هذا الكتاب رواية مختلقة واتهامات ملفقة تفيض باللؤم فيضا وتغيظ الكرام غيظا واستحل مؤلفه الفسق لنفسه نسبا وجعل العفاف لأهل الشرف والمروءة عجبا. واختلق على أهل التوحيد والصدق. وانكر عليهم رفع راية الجهاد والحق التي من تقدمها مرق ومن تخلف عنها زهق واطنب في روايته في الحث على إفساد الشباب (الذي هو جذوة المجتمع و جمرتها المنفدة المتفجرة وعماد الوطن ومحط رجائه). من الناحية الخلقية بألفاظ نابية و كلمات عاتية نال من خلالها أهل العلم والشرف والجهاد و دس فيها الكثير من الترهات و العبث والفساد ونسبها إلى أبناء طائفته الموحدين ونال أيضاً من شيوخنا الأجلاء لابسي العمائم البيضاء الناصعة كأعمالهم ومن بعض المقدسات الدينية فلم يمنعه الحياء ما فعل ولم يميز لخبله بين الجبان والبطل إذ جعل الجهاد ضد المستعمرين (العثماني والفرنسي) عبارة عن ترهات وقلل من شأن الثورة السورية الكبرى ومن قائدها المغفور له سلطان باشا الأطرش الذي كرمه الرئيس المفدى حافظ الأسد وكرم المجاهدين والشهداء وأبناءهم. 

وقد ورد عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : 

(إن ابغض الخلائق إلى الله رجلان: رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشغوف بكلام بدعة، ودعاء ضلاله فهو فتنة لمن افتتن به ،ضال عن هدي من كان قلبه مضلا لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته حمال خطايا غيره رهن بخطيئته. ورجل قمش جهلاً موضع في جهال الأمة. عاد في اغباش الفتنة عم بما في عقد الهدنة قد سماه أشباه الناس عالما وليس به.) 

فهذا يطبق على مؤلف الرواية لأنه نسخ العادات المعروفية الشريفة ووضع بدلا عنها في روايته أكاذيب وقصصا مخيفة من شأنها زرع الفتن والبلبلة في صفوف المجتمع والوطن ولكن من سل سيف البغي قتل به. 

ومما جاء في أقوال السيد الرئيس المؤمن حافظ الأسد حفظه الله : 

(إن انطلاقنا من حقيقة أن الوطن للجميع يفرض على كل منا أن يحافظ على حرية الآخرين لأنها من حرية الوطن وأن يحافظ على كرامة الآخرين لأنها من كرامة الوطن). 

لهذا نلتمس من مقامكم: 

1- العمل على إلغاء الترخيص المفضي إلى طباعة هذا الكتاب ومنع تداوله بالسرعة القصوى. 

2- إصدار القرار اللازم لسحب نسخ الكتاب المشؤوم من المكتبات والمراكز الثقافية في القطر. 

3- إعطاء الحقوق الكاملة في إقامة دعوى جزائية ضد المؤلف ومحاسبة كل من سولت له نفسه ببث التفرقة وزرع الفساد والفتن. ولنعمل جميعا على حماية الوطن التي هي مسؤولية الجميع.  

مع الشكر والتقدير لمقامكم الكريم 

شيوخ العقل لطائفة الموحدين الدروز 

شبلي الحناوي. حسين جربوع.احمد الهجري