طلوع جبل التاج-خالد أبو الخير

منشور 24 كانون الأوّل / ديسمبر 2018 - 03:46
خالد أبو الخير
خالد أبو الخير

 

لا تذكر الشوارع والبنايات القديمة، ولا تمنح الزائر لطرقاتها حنيناً، منديلاً أو إيماءة أو ترحابا.

منذ زمن بعيد غادرت عمّان ألقها القديم إلى جبالها: أماكن جديدة ومولات وغيم وناطحات سحاب، وتركت أحياءها القديمة، أحياءها الأصيلة، رهينة التآكل والنسيان والركام والغبار.

يبدأ طلوع جبل التاج من نقطة قريبة من تقاطع النشا الذي لا يكاد يمر به من كان في سني، الا ويتذكر وقتاً كان فيه شرطي المرور المرحوم هزاع ذنيبات يحرك الفضاء الراكد، بيدين لا تنسيان.. يدان ما فتئتا تلوحان.

ينتابك الحزن حين تأخذ بالطلوع للذرى، فعدا عن بضع أشجار كينا ما تزال صامدة، رغم الإهمال وطول نسيان، وبغير دعم أو قرض من يو اس ايد او البنك الدولي، تلوح بنايات ومحال كئيبة وعتيقة تقشرت سأماً و»قسارة» وتذكارات.

هنا مررنا، هنا جلسنا وتحادثنا، هنا تركت ضمة الياسمين على السور القريب، وافترقنا، وسافرتُ سنيناً، كالأبد.

وحين عدت.. لم يعد منهم احدّ.

لا.. لا يحار طلوع جبل التاج جواباً حين يُسأل عمن غادر واختفى، فتأسى، لأنهم ما زالوا ناضجين كتفاح يانع وشهي في قلبك.. والصدى.

وحين تبلغ المفترق بين أن تكمل طريق صعودك إلى الاشرفية، او تتجه يساراً لتتحدر نزولاً باتجاه ما تبقى من جبل التاج وصولاً إلى تقاطع النشا، لتنخرط دون هوادة بحياتك الجديدة، الحياة التي صرت اليها دون ان تعرف كيف، تتوقف وجلاً، خائراً وحائراً، فما معنى ان تمر دون ان يحييك جار او مئذنة جامع قديم، أو غصن كينيا وصفصاف، أو حتى عابر سبيل تصادف ان عرفك، أو رشة عطر ومطر.

تترجل من سيارتك وتطيل الوقوف، كأن رجليك تسمرتا، كأن العمر تسمر، فما عاد للياسمين من يذكره، ولا للشعر مغزى او جناح، وليس لجراح القلب.. جـرّاحُ.


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك