عراقيون... مرّوا من هنا

تاريخ النشر: 30 أغسطس 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

دمشق: نبيل الملحم 

يقول فاروق البصري، وهو مسرحي عراقي يعيش في دمشق العاصمة السورية: "إن هذه المدينة، هي الأصلح للرواية، فيما الرواية تنحاز إلى كتاب أمريكا اللاتينية"، ويتابع: "كل شيء هنا يدعوك لأن تكون روائياً، ومع ذلك، فأنت: لاروائي". 

أما عن المسرح، فقد: مرّ من هنا 

في مطلع الثمانينات، دخل العاصمة السورية ما يقارب خمسمائة كاتب، وصحفي، وشاعر، وروائي، عراقي، وبلا شك، فمن بين الخمسمائة أربعمائة: 

- شاعر لم يكتب قصيدة 

- وروائي لم يكتب رواية 

- وصحفي لم يلتقط خبراً عابراً، عن طائرة عابرة حطت صواريخها ومكائدها ومضت. 

ومن بين الشعراء الذين كتبوا القصيدة ومرّوا من هنا: 

- محمد مهدي الجواهري، مهدي محمد علي، وجمعة الحلفي الذي كتب ديوانه (مللييت) ثم غادرنا، ومحمد مظلوم الذي كتب ديوانه (ومن معه)، وأحمد عبد الحسين الذي ترك (عقائد موجعة)، وشكر خلخال، وكذلك منعم الفقير، وجليل حيدر وعبد الكريم كاصد، وعبد الصخي، وفاطمة المحسن، وكذلك سعدي يوسف... كلهم شعراء، وللقصيدة أوجاعها، ومن المسرحيين، (زينب)، وحازم كمال الدين، وفاروق صبري، وجواد الأسدي، وعملوا فرقاً: 

- فرقة بابل، وقد زالت 

- فرقة أوروك، وزالت أيضاً 

وعملوا جماعات ثقافية: 

- اللجنة الثقافية المؤقتة. 

- المنتدى الثقافي العراقي. 

- ورابطة الكتاب العراقيين. 

قبل أوروك، كان جواد الأسدي قد صنع عرضاً هو "العائلة توت"، ويوم رأيناه فوق الخشبة، خلنا أن سيادة الجنرال وهو حليق الرأس... جنرال حليق الروح أيضاً وكدنا أثناء الفرجة أن نلامس يده يوم أخذت المدينة طريقها نحو متاهة السؤال: 

إلى أين يمكن أن نمضي، والعالم حولنا يخلع ملابسه، حتى يصرخ: وجدتها. 

العالم خلع ملابسه، ومازلنا في (كامل قيامتنا) بما فيها ربطة العنق، ورباط الفم أيضاً 

في المقاهي الأساسية: الهافانا، والروضة، قد لا تجد من المثقفين، سوى المثقفين العراقيين: شعراء، ومسرحيين، وكتاب، ورسام واحد يرسم بالمائي، ويقف مزهواً كما جندي قديم... جندي يقف باستعداد لكل المارّة باعتبارهم جنرالات حرب، ويخبط التحية العسكرية لهم، والكل يعلم أن الرجل قد جُن، ذلك أن الجنون: نعمة 

في مطلع الثمانينات، كان الخمسمائة إياهم... بعضهم رحل إلى الدول الاسكندنافية: 

منعم الفقير صار رئيس رابطة الكتاب الدانماركيين ـ العرب، وعندما وصل دمشق بعد غياب ما يقارب عشرين سنة قال لنا: 

- ياه... لقد مررت بالحرية. 

آخرون ذهبوا إلى كندا، وعبد الله الصخي صار في (لندن)، وسعدي يوسف، يتنقل بين دمشق/بيروت) أوروبا، ويشتكي من أحلام مستغانمي باعتبارها سرقت معطفه الذي هو قصيدته. 

- ومظفر النواب؟! 

- ما زال في الهافانا... شاعر مهاجر، ومهجور 

أيضاً... شاعر غصّت القاعة ذات يوم بقصيدته، يوم كانت البذاءة هي المعادل الموضوعي للعالم البذيء، وطردته القاعة عندما ارتدت البذاءة رداء ناصع البياض. 

في الثمانينات، كان مجرد ترداد اسم مظفر النواب، يعني: "كل السلطة للثورة"، كما يعني مغامرة القول الواضح، وكان من الصعب آنذاك، على كل الذين خرجوا من جلباب عبد الحليم حافظ، وكارل ماركس، وارنستوتشي غيفارا، وحتى من بعض الخارجين من عمامة: سيد قطب، أن لا يرددوا: 

- القدس عروس عروبتكم... أهلاً... أهلاً أولاد الحقبة لا أستثني أحداً. 

وكان لمظفر النواب سربه، وهلك مظفر، وهلك السرب، وهلكت القصيدة، وهلك الناس، والمسافة ما بين شاعر القاعة الضخمة والناس، باتت المسافة ما بين من لا يتكلم وبين من لا يسمع، فالصمت سيّد اللحظة، في العاصمة الصامتة التي لم تعد فيها واحدة تقول للشاعر: 

- هات القصيدة، وخذ خصلة شعري. 

لم يتبق شاعر... ما تبقى هو المقهى... ومن سيطلب القصدية إذا كانت معارض (NAF NAF) وبيناتون قد أعلنت عن رخصتها السنوية؟!. 

إذن من أين سيعيش المثقف العراقي إذا كانت مقايضة النفط بالغذاء بين دولة ودولة لا بين دولة ومقهى؟!. 

سيعيش من الذاكرة، فالذاكرة وحدها، هي الغذاء والدواء والكساء، وتصوروا أن رجلاً سينام في الذاكرة؟!. 

رجل ينام في الذاكرة، ولكن ثمة شعراء آخرون، خرجوا من ذاكرتهم (منامتهم) إلى القبر الشامي: 

هكذا فعل محمد مهدي الجواهري. 

وهكذا فعل عبد الوهاب البياتي. 

وكلاهما دفن في مقبرة السيدة زينب المحاذية لدمشق. 

آخرون رحلوا إلى المقابر الأخرى... إلى حواف المقبرة—(البوابة)