جرش-رانة نزال
المارشات العسكرية ترتدي لبوس الطفولة، وتتحول إلى ألق مدهش، وإتقان حرفي رفيع المستوى.. هكذا بدا العرض الأول الذي قدمته فرقة "دي هوب درم ماجورتيه" من جنوب إفريقيا على مسرح الصوت والضوء، في تمام الثامنة والنصف من مساء اليوم الأحد في مهرجان جرش التاسع عشر للثقافة والفنون.
قدم المخرج الأردني علي الجراح الفرقة بقوله" عناق أشعة الشمس لجدران المكان يردنا إلى ذاكرته، وإنها جرش، مهرجان الفرح الذي يستضيف فرقة جنوب إفريقيا"، وقد مهدت كلمات الجراح للعرض ، لكنها لم تقل شيئا عنه ، حيث لم يعرف الجمهور الذي لم يتجاوز الـ 53 حاضرا شيئا عن تاريخ الفرقة، وطبيعة العرض الذي تقدمه، وما هي مميزاته وأبعاده.
بدأ العرض الذي تألف من عشر رقصات احتفالية أدتها أربع وعشرون فتاة لم تتجاوز أعمارهن الرابعة عشرة، زهرات يانعات، باسمات، يفضن ثقة وحياة، وبالرغم من مساحة المسرح الضيقة، فمثل هذه العروض الاحتفالية تحتاج الى مساحات تكاد تكون رياضية، فإن الفرقة نظمت أمورها وفق واقع الحال برضى وسرور، عبرت عنه القائمات بأعمال الفرقة فردريكا وفرنشيسكا مديرة الفرقة ومؤسستها.
تناوبت الحركات الاحتفالية المارشالية أو العسكرية بين العروض الجماعية، التي اشتركت فيها أربع عشرة فتاة، وستة فتيات في حركة أخرى، وثنائي احتفالي، وفردي في عزف(سولو) ولا أجمل!.
استعراض فاتن هذا الذي قدمته فتيات الفرقة، مدهش في الإتقان، ويبين جهدا مبذولا بشكل متصل، وإيمانا بالعمل، آتى أكله في حصاد الفرقة لجوائز متقدمة في الكرنفالات المختلفة التي تشارك بها، وعن هذا الحصاد تقول فرنشيسكا مديرة أعمال الفرقة للبوابة : "بدأنا عام 1993، وخلال ست سنوات كنا قد حصدنا بطولة جنوب افريقيا في هذا النوع من الرياضة السلوكية.
مجموع أعضاء الفرقة خمسون فتاة يتدربن بشكل يومي، وبواقع ثمان إلى تسع ساعات أسبوعيا، فتيات من أعمار مختلفة لا تقل عن الأربع سنوات ولا تزيد عن الست عشر عاماً، في العام 1998 شاركنا في كأس الحركات المارشالية وكنا الفائزين والظافرين بالمرتبة الأولى، كما أننا، وفي العام 1999. كنا أول فرقة يمكنها أن تؤدي الحركات الإيقاعية الداخلية - وتقصد داخل مساحة محدودة – وتلك الخارجية أي على مساحات الملاعب الرياضية الكبرى".
وقد أجابت فرانشيسكا عن سؤال المغزى من هذه الرياضة بقولها: "إنها رياضة سلوك، تتعلم فيها الفتيات التعاون والاجتماع والتوحد، وعدم اليأس، أو التصرف بطريقة رد الفعل والانزعاج، أو التذمر في حالات الضغط، أو تحت تأثير الضغط الذي قد يتعرض له الإنسان في أي وقت".
وأضافت بقواها أن الفتيات "يتعلمن التعامل مع الهزيمة فنحن لا نفوز دوماً، ويتعلمن تطوير مهارات التركيز، وتقدم لهن هذه الرياضة الكثير من الثقة بأنفسهن، والراحة والاطمئنان والإقبال على الحياة بفرح وسرور، والفتاة بالذات تمتاز بالخجل الفطري، وهي معنا تتغير شخصيتها المنزوية والخجولة فتصبح ذاتاً اجتماعية، وواثقة وقوية، وقادرة على التعامل مع أصعب ظروف ولحظات الحياة. ومن المهم جداً التأكيد على أن هذه الرياضة رياضة نظيفة لا تقبل التعامل مع شركات التدخين، أو المخدرات، فنحن وحتى حين تعرض هذه الشركات رعايتها لحفلاتنا لا نقبل،لأن لنا دورنا المهم في الصحة، ورعاية الإنسان".. قطع حديثنا مع فرنشيسكا التهيؤ للعرض الذي بدت فيه فتيات الفرقة المشاركات في قمة الهدوء والثقة، والجاهزية فإعلان البدء للعرض لا يعني شيئاً اكثر من الاستمتاع بتقديم مهاراتهن وقدراتهن وابتساماتهن المشعة للحضور.
تألقت الفتيات في فقرات العرض سواء فريق الأعلام اللواتي لوحن بأعلامهن ذات اليمن وذات الشمال، ودورن الأعلام في اقتدار واحتراف عاليين، مستحضرات تاريخاً من المجد لهذا الفن الذي يمكن ممارسته من تقديم عروض احتفالية غاية في الروعة تتراقص فيها الأعلام والرايات، ويعلو الصولجان الحديدي عالياً .. عاليا ثم سرعان ما يستقر في يد الرامية وكأنه السحر!.
الفقرات الجماعية تقدمت فيها القائدة مرددة:
"استعد..
يمين شمال يمين ..
يمين شمال يمين ..
استعداد .. قف"
لتأتي الموسيقى المتنوعة لقطع غنائية من موسيقى الـ Bob ،عليها قدمت فتيات الفرقة عرضهن الاحتفالي.
كانت "ميشكا" في أدائها لفقرتها الفردية مبدعة وخلاقة، وواثقة ، مثل كل فتيات الفرقة اللواتي سافرن عبر المحيط، ليصلن في رحلتهن الأولى إلى هذه البقعة من الأرض.. إلى جرش، ليقلن لتاريخها نحن في الطرف الآخر من الأرض، نتنفس الإبداع ونتقن ما نصنع.
المسرح كاد يرقص فرحاً بفتياته اللواتي كن نجمات استعراض مدهش، في حين غاب الجمهور الذي فاته هذا الاستعراض.
ختمت العرض المتحدثة باسم الفرقة شاكرة الحضور، داعية إياهم أن يحدثوا الآخرين عما شاهدوه، ليبهجوا الصغيرات المبدعات اللواتي لم تغادر الابتسامة وجوههن طيلة العرض الذي امتد قرابة الساعة من الزمن، في حركات احتفالية فائقة الجمال وسط حرارة الجو المتزايدة، ووسط غياب الجمهور الذي كان سيستمتع كثيراً لو حضر، فمن المسؤول؟
هذا الاستعراض المارشالي في أزيائه، وأدواته سواء الرايات والأعلام أو العصي الأشبه بالصولجان الملكي، على يد هذه الفرقة صار رياضية تؤكد فلسفة الصبر والإصرار، وتتحول إلى رياضة سلوكية تخص الفتيات، وتجهزهن للحياة—(البوابة)