أقرّ وكيل الزعيم الروحي لـ"الجماعة الإسلامية" في مصر الشيخ عمر عبد الرحمن المسجون حاليا في الولايات المتحدة بأن الشيخ الضرير طلب منه في رسالة تلقاها أخيرا أن يبلغ إلى زعماء الجماعة المسجونين في مصر ضرورة مراجعة موقفهم من مبادرة أطلقوها قبل ثلاث سنوات تدعو إلى وقف أعمال العنف المسلح ضد الحكومة والسياح الأجانب.
ونقلت صحيفة "النهار" اللبنانية الصادرة اليوم عن المحامي منتصر الزيات قوله في مؤتمر صحافي عقده في مكتبه الاثنين الماضي ان عبد الرحمن طالب الزعماء "التاريخيين" للجماعة، الذين يقضون عقوبات بالسجن المؤبد لدورهم في اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1981 بـ"مراجعة موقفهم" مما عرف بمبادرة وقف العنف، بدعوى أن الحكومة المصرية لا تزال ترفض الإفراج عن آلاف المعتقلين من أعضاء "الجماعة الإسلامية"، كما تستمر في إرسالهم إلى محاكم عسكرية تصدر عليهم أحكاما قاسية بالإعدام.
وكان قيادي بارز في "الجماعة الإسلامية" هو رفاعي احمد طه الذي يرجح انه من المقيمين في أفغانستان، أكد أخيرا ما نقلته محامية أميركية تتولى الدفاع عن عبد الرحمن الاسبوع الماضي من أن الشيخ الذي ينفذ عقوبة بالسجن المؤبد "سحب تأييده للمبادرة". وكان عبد الرحمن دين بالمشاركة في مؤامرة تفجير مركز التجارة العالمي "وورلد ترايد سنتر" في نيويورك عام 1993 ويدعي مناصروه انه يعاني سوء المعاملة منذ سجنه ويقولون انه موضوع في الحبس الانفرادي ولا توفر له العناية المناسبة على رغم انه مصاب بمرض السكري وامراض أخرى ترتبط بتقدمه في السن.
وقالت الصحيفة ان تصريحات الزيات تؤكد تجدد الانشقاق في صفوف "الجماعة الإسلامية" بين قادة الداخل الداعين إلى وقف العنف ضد الحكومة وقادة الخارج الذين يقول المراقبون انهم يتبنون اتجاها اكثر تشددا.
وكان من يسمى القادة التاريخيين للجماعة التي بدأت منتصف عام 1997 حملة استهدفت إقامة دولة إسلامية متشددة، قد ناشدوا "إخوانهم" في الخارج الكف عن القيام بإعمال عنف ضد الحكومة المصرية لأنها أضرت بحركة الدعوة الإسلامية. لكن قادة الخارج الذين حاولوا سابقا اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك مرات عدة، ردوا بارتكاب مذبحة بشعة بعد اشهر قليلة من هذا النداء وذلك بقتل 58 سائحا أجنبيا بينهم نساء وأطفال وكذلك أربعة مصريين في مدينة الأقصر السياحية في نهاية عام .1997 وغداة ما يعرف الان بمذبحة الأقصر، أقال مبارك وزير الداخلية اللواء الألفي وعين اللواء حبيب العادلي خلفا له—(البوابة)
ويقول المراقبون ان العادلي تبنى سياسة جديدة اعتمدت على وقف عمليات الاعتقال العشوائي وقتل المتشددين والافراط في تعذيب المعتقلين، كما بدأ يفرج عن بضعة الاف من الاسلاميين ممن امضوا سنوات في المعتقلات من دون اتهام او محاكمة.
لكن رفاعي منه الذي يقول عنه الاسلاميون انه احد الزعماء العسكريين والمؤثرين في "الجماعة الاسلامية"، قال في بياناته الاخيرة ان هذه الاجراءات الحكومية "زائفة" وان آلافا آخرين لا يزالون في المعتقلات. واتهم الحكومة بالتضييق على اي محاولة للقيام بنشاطات اسلامية، مستشهدا بما تعرض له حزب العمل الاسلامي اخيرا بعد اثارته قضية رواية الكاتب السوري حيدر حيدر مدعيا ان فيها استهانة بالعقائد الاسلامية. وكانت لجنة حكومية تتحكم في النشاط الحزبي في مصر قررت تجميد حزب العمل بدعوى تزايد الانقسامات فيه.
واطلع الزيات الصحافيين في مكتبه على رسالة وقعها زعماء "الجماعة الاسلامية" المسجونين منذ عام 1981 يوضحون فيها لعبد الرحمن التحسين الذي طرأ منذ اعلان الجماعة في نيسان 1999 للمرة الاولى التزامها رسميا مبادرة وقف العنف. وقالوا في الرسالة ان الحكومة افرجت عن 2500 معتقل وانّ المحاكمات العسكرية توقفت تقريبا وكذلك عمليات قتل عناصر الجماعة المختبئين في جنوب مصر. وطالب الزيات المعروف بوقوفه وراء مبادرة وقف العنف ومعه القادة المسجونون، الشيخ عبد الرحمن باصدار بيان يعلن فيه بشكل واضح وصريح انه يؤيد الامتناع عن القيام بأي عمليات جديدة. وشدد على ان القائد المعلن للجماعة حاليا وهو مصطفى حمزة الذي يعتقد انه يقيم في افغانستان قد اتصل به مؤكدا انه لم يتخذ قرار جديد في شأن مبادرة وقف العنف وانه لم يصدر حتى الان بيان رسمي عن الجماعة في هذا الخصوص.
وكانت اعمال العنف التي قادتها "الجماعة الاسلامية" ومعها جماعة "الجهاد" قد ادت الى مقتل نحو 1200 شخص غالبيتهم من رجال الشرطة والاعلاميين. ومنذ مذبحة الاقصر، لم تشهد مصر اي عمليات مسلحة وهو ما اعتبره المراقبون نجاحا لسياسة وزير الداخلية. ولم يذكر الزيات اي سبب لتغير موقف الشيخ عبد الرحمن في هذا التوقيت تحديدا. ويرى بعض المحللين ان الانباء عن المطالبة باعادة النظر في مبادرة وقف العنف ترتبط بمحاولات للافراج عن عبد الرحمن بعدما تدهورت احواله في السجن، خصوصا انها جاءت في وقت تستعد الحكومة لبدء موسم سياحي صيفي. ولا شك في ان آخر ما تتمناه الحكومة المصرية تهديدات جديدة من "الجماعة الاسلامية" قد تعيد اجواء الحذر التي سادت في الماضي خلال المواجهة المسلحة