عندما تنتهي الحرب، ستعود الحياة الى صيرورتها الاولى: باعة ما انفكوا متجولين، سماسرة من كل نوع، وموظفو شتى المنظمات الانسانية وغير الانسانية، بقمصانهم المنشاة، يعدونك بكل شيء، ولا يحققون شيئاً، ونساء ينهمكن في ستر نوافذ وابواب عبرت منها قذائف؛ بملاءات غسلنها للتو، يحاولن ما استطعن تذكر راحلين، وينغمسن في بكاء بلا حد.
عندما تنتهي الحرب، سيعي الذين فقدوا بلدهم الذي كان؛أن الغد ليس أفضل، ويحتاج الى جهد وتعب ليكون لأمثالهم غد.
والسياسيون الذين تركوا البندقية والمتراس أو مقاهي في بلاد اخرى عادوا ليقودوا المسيرة، وهم يتكالبون كالذباب على الوليمة. وجيش من مبتوري الاطراف والارواح ومسمولي الاعين والجرحى يركضون بين هذا المذياع وذلك، بين هذا الميكرفون وذلك، بين هذا المكتب وذلك، قبل ان يوقنوا أن الحرب التي وضعت أوزارها، تركتهم موتى احياء، بلا أمل، ولا أحد بمقدوره ان يعيد لهم أغلى ما فقدوا.
حين تنتهي الحرب سيتكاثر مدعو البطولات، وستسمع شتى الحكايات، وستعلق اوسمة على صدور لا تعرف لماذا علقت، وسترى بين صفوف المكرمين اشخاصا لم يشاركوا بأي شيء، ولم يطلقوا طلقة، لكن ثمة من اوصى بأن يكرموا.. ويتقدمون الصفوف كأنهم ديوك منفوشة الريش.
حين تنتهي الحرب سيعلن بيان النصر.. على ماذا انتصروا؟ والخراب قد عم.. والبلاء قد عم واليباب قد عم، وتنشد الاناشيد التي تتغنى بالوطن والشهيد، وأخرى تحيي حماة الحمى، وسيلتقي أعداء الامس، على طاولة واحدة.. و»اللي فات مات». لكن ما لم يمت، أطفال فقدوا آباءهم وعوائلهم، ونساء ثكالى وفقدوا في «المعمعة» أو المعمعات، والاف المدارس والجوامع والمكتبات والمتاحف التي هدمت والبيوت التي سويت بالأرض.. وجموع من الذين فقدوا كل شيء، وجموع بلا وجوه، بلا سمات، لأن الضحايا يتشابهون!.. لا يتذكرهم أحد. أولئك لا يمكن ان يغطي على حضورهم مغني المعارضة أو مطربة النظام، ولا خطيب المعارضة ولا النظام، ولا حتى البيان الختامي « الأممي» لحرب تنتهي بكثير جلبة.
عندما تنتهي الحرب ويرتقي الشهداء «من كل نوع»، يبقى الذين اعانوا الشهداء على الصعود، متخمين بالسلطة والمال والرفاه والنسيان. وذووهم.. مسمرون الى صور على جدران تصفرّ وتبهت كلما مرت الايام.
يمكن ان نتذكر حين تنتهي الحرب ما قاله بوشكين: كل شيءٍ عابر، كل شيءٍ سيمضي، وما سيمضي – سيصبح أجمل.