دمشق – نبيل الملحم
كان أمرا ملحوظاً، انه ومنذ مسلسل مطاردة الفساد في سوريا، والذي ابتدأ قبل رحيل الرئيس حافظ الأسد ، ثم توقف لتمطر غيومه موت رئيس الوزراء السابق لسوريا محمود الزعبي واثنان من حكومته، كان ملحوظاً أن الناس اخذوا طريقهم لشراء الصحيفة اليومية، لمتابعة أخبار الفساد الذي توقفت أخباره فجأة، وبعد أن بات شبه يقين بالنسبة للناس أن موضوع الفساد قد طوى وعفى الله عما مضى، كان ملحوظاً أن الصحيفة السورية عادت مهجورة، سوى من القارئ الذي تصله بالمجان أو بالاشتراك الإلزامي أو للباحث عن استخدامات أخرى لصحيفة تكاليف ورقها أعلى من سعرها ، فالصحيفة اليومية من الصحف الثلاث " الثورة – تشرين – البعث" تباع بخمس ليرات سروية، فيما يصل عدد صفحاتها إلى ستة عشر صفحة، وفيما تجد بين كتابها من ما زالت لديه قدرة على الإضحاك فيما لا يضحك.
المشكلة بالنسبة للصحيفة السورية قديمة، بل وقديمة جداً وربما يعود ذلك إلى مطلع الثمانينات حيث تعطلت الصحيفة كلياً عن كونها منبراً للحوار، بعد أن قامت جزئياً بهذا الدور على الأقل من خلال الملاحق الثقافية لبعض الصحف مثل ملحق الثورة الثقافي الذي جمع في آن واحد ابرز المثقفين السوريين كزكريا تامر، ومحمد الماغوط، وادونيس ، وسعد الله ونوس ، وابو علي ياسين، ونبيل سليمان ، وحنا مينا ، ومحمد عمران، وحسيب كيالي، إضافة لأقلام من الشباب المغامر شقوا طريقهم في هذه الزحمة كالراحل الشاعر رياض الحسين، والراحل القاص جميل حتمل ، والشاعر السجين فرج بيرقدار، بالإضافة لصحفيين محترفين في مطبخ الصحيفة ، مطلع الثمانينات، ابتدات حروب الأخوان المسلمين، ومع حروبهم ابتدأت الصحيفة تأخذ منحى واحداً مباشراً، هذا المنحى منع عنها الحوار حتى في إطار تلوينات الرأي الواحد، فهاجر كتاب الصحيفة، زكريا تامر إلى لندن .. حسيب كيالي توفى في الخليج العربي، ادونيس انقطعت اخباره في باريس، ومن تبقى بحث عن منابر أخرى ومثالهم محمد الماغوط الذي رحل إلى مجلة المستقبل ثم الكفاح العربي اللبنانية واخيراً إلى الوسط، وهكذا حدث مع الآخرين الذين وجدوا مكاناً فتابعوا ولم يجدوا فاكتفوا بالصمت والبقاء.
في الثمانينات حصل هذا تحت وطأة ظروف الصراع مع الإخوان المسلمين ، وانتهت قصة الصراع مع الإخوان المسلمين، ليملأ فراغ الصحيفة خلال هذا الوقت صحفيو البيرقراط، ويكرسوا للصحيفة لوناً واحداً، وخطاباً واحداً، ويحتلوا الموقع الأمامي فيها ويحملوا مفاتيح الأبواب، فمن شاءوا دخل، ومن رفضوا خرج، وباتت اللغة المعمول بها هي لغتهم حتى بالنسبة للاجيال الصحفية الشابة القادمة من جامعات الخارج أو كلية الصحافة في الجامعة الوطنية، لتتبدى في نهاية الثمانينات، ومع الانهيار التدريجي لجدار برلين، مرحلة جديدة تتطلب رسمياً خطاباً جديداً فما الذي حصل؟
خلال هذه الفترة، اتجه القرار الرسمي الإعلامي إلى الإعلام الخارجي، والى تعيين مجموعة من المراسلين الصحفيين، الذين يعينون من وزارة الإعلام مباشرة، فيأخذوا أخبارهم من مكاتب الوزارة وبصياغاتها، واحياناً بصياغاتهم، وفي ذات الوقت اخذ المراسلون امتيازات كبيرة بالمقارنة مع زملائهم العاملين في الصحافة المحلية كالسيارات المعفاة من الرسوم الجمركية، وكالرواتب والعالية، في نفس الوقت أغدقت وزارة الإعلام بالإعلان على مجموعة من الصحف العربية الخاصة، ومعظم الإعلانات كانت من نصيب الصحافة اللبنانية التي مارست السياسة السورية بلغة لبنانية، وكان رائد هذا الخيار الوزير السوري السابق محمد سلمان الذي فضل ان يحمل الصحافة اللبنانية والعربية الرسالة السورية، ليملأ الصحفي الزائر مقاعد مكتب الوزير في الطابق العاشر من وزارة الإعلان، فيما سيكون صعباً على الصحفي السوري معرفة صوت الوزير، أو مجرد التجول في ممرات الوزارة، فتحول الصحفي السوري إلى قارئ لا يجد قارئاً إذا ما شاء أن يكون صحفيا.
في هذه الفترة، صدرت مجموعة من الدوريات الوازنة، ولكنها دوريات متخصصة وفقيرة، وهي مجموعة من المجلات، كالحياة المسرحية، والحياة السينمائية، والحياة الموسيقية، بالإضافة إلى مجلة المعرفة، وجميعها من إصدارات وزارة الثقافة ووزارة الإعلام، وفي القطيعة ما بين الناس والاعلام، تاهت هذه المجلات، وسلقت بماء القطيعة، ليضاف الى ذلك الاهتزاز في إصدار هذه المجلات، وهو الأمر الذي افقدها جزءاً من المصداقية أمام قرائها، فقوطعت ايضاً، ليبقى كشك بيع الصحيفة خال من الزبون وتأخذ الصحف طريقها إلى المرتجعات.
بين ثلاثة آلاف وثلاثة آلاف وخمسمائة نسخة تبيع الصحيفة اليومية السورية، والجزء الأعظم من هذه المبيعات يذهب إلى الدوائر الحكومية، أما صحافة الجبهة الوطنية التقدمية فلا ينتظم منها سوى صحيفتين للحزب الشيوعي السوري (بكداش) وللحزب الشيوعي (فيصل) وكلتاهما ممنوعتان من التسويق العلني، وسقف الرأي فيهما لا يخرج عن سقف الحزب المنتج للصحيفة وهو اخفض من السقف الحكومي الرسمي، ويبدو ان ثمة مؤشرات ألان تقول بأن الصحيفة السورية ستنطلق، وهذا ما يتحدث عنه مسؤولون حكوميون وحزبيون، وهم اكثر من يوجه الانتقادات للصحفية الرسمية ، فقد كان ملحوظاً خلال المؤتمر التاسع لحزب البعث في سوريا، ان اشد الانتقادات إلى الإعلام السورية، كانت الانتقادات الموجهة إليه من صانعيه.. والحوار ما زال مفتوحاً.