محمد عمر
ليس معروفا بعد ماهية أوراق الضغط التي تحدث عنها الرئيس السوري في كلمته أمام القمة العربية، هذه الأوراق التي قال عنها الأسد أن سوريا تضعها في صالح القضية المركزية للعرب قضية فلسطين.
بشار الأسد الذي ورث سياسة والده يبدو انه لم يرث حصافة وحنكة وذكاء الأسد الأب وسرعة بداهته، فأين هي الأوراق التي جمعتها سوريا لتضعها في اليد الفلسطينية، واين هي اليد السورية الممدودة؟!
كل ما تملكه سوريا هو ما قاله الأسد الابن في القمة أيضا، تعهد دمشق بعدم توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل قبل حل القضية المركزية، ورفض دمشق لمنطق تسابق المسارات أو لعبة المسارات الإسرائيلية، وهو أمر ليس جديدا على كل حال، فدمشق تدرك أن إسرائيل كانت تتحدث عن سباق المسارات وتلوح بتحريك مسار على حساب الآخر وهي تعلم تماما أن الطرف الفلسطيني لم يكن معنيا بالأمر، فالمشكلة الفلسطينية اعقد من أن تلوح إسرائيل بتحريك مسار على حساب الآخر وما جرى في كامب ديفيد الثانية دليل وما يجري على الأرض دليل أقوى.
ودمشق نفسها تدرك أن إسرائيل لم تكن، كما انها ليست مهيأة الان لتقديم التنازل الموجع والمؤلم الأخير لسوريا وإلا لكانت القضية انتهت منذ محادثات شبردزتاون عام 1999 بمعنى آخر، الجميع كان يدرك "قواعد اللعبة".
ليس غريبا على السياسة السورية قلب الحقائق، فدمشق التي كانت بحاجة إلى المقاومة الوطنية اللبنانية وما زالت، هي الآن بحاجة إلى الفلسطينيين وصمودهم، والى استمرار الانتفاضة التي دفعت بالعرب إلى عقد قمتين متتاليتين تمخضتا عن تأليب وبث روح العداء العربية ضد إسرائيل من جديد، وتنذر ببزوغ عهد عربي ونظام عربي جديد، ودمشق هي التي بحاجة لابقاء فلسطين مشتعلة، وشلال الدم الفلسطيني سيال، كي تبقي جبهة لبنان أو بالأحرى جبهة المعادين للوجود السوري في لبنان خامدة.
دمشق هي بحاجة اكبر إلى فلسطين وليس العكس، فورقة الضغط الوحيدة وربما الأخيرة التي كانت تملكها دمشق وهي جبهة الجنوب اللبناني قد انتهت وانتهت تماما، وقضية مزارع شبعا ليست كافية وحدها لابقاء هذه الجبهة مشتعلة، وليس حزب الله ولا الدولة اللبنانية بحاجة للتضحية بلبنان كله وبمكتسبات لبنان والتعاطف الدولي والعربي معه من اجل قضية مزارع شبعا، والهدوء النسبي على جبهة جنوب لبنان دليل على ذلك. والخلاف المحدود الذي ظهر بين الحريري وحزب الله دليل آخر على أن لبنان قرر أخيرا أن يخوض معركته لصالحه وليس خوض معارك نيابة عن الآخرين.
التكالب الفلسطيني أو بالأحرى تهافت بعض المسؤولين الفلسطينيين، كالعادة، على الإعلام وكثرة خروجهم على الفضائيات وبذل التصريحات عن المصالحة الفلسطينية السورية وقرب زيارة الرئيس الفلسطيني إلى دمشق أوحت بأن الطرف الفلسطيني هو الأضعف، وهذا ليس غريبا على المسؤولين الفلسطينيين فهي عادة تصريحاتهم أيضا تجاه إسرائيل وهي خفيضة وادنى سقفا من علو هامة الفعل الفلسطيني، ويبدو ان المثل الذي اعتاد عرفات على ترديده "تحدث بصوت خفيض واضرب بعصا غليظة"، لم يعد له ما يبرره.
والقضية ليست ضد التضامن أو التنسيق العربي وليست موجهة ضد بلد عربي هو الآخر يقف صامدا ضد الاحتلال الإسرائيلي بل هي قضية السياسية السورية التي عرقلت وما زالت تعرقل وصول الدعم العربي إلى الانتفاضة الفلسطينية بحجة أن السلطة الفلسطينية ليست ممثلة ولا هي مؤتمنة على الشعب الفلسطيني ولا يدري الإنسان ما تريد دمشق من السلطة أن تفعل حتى تنال صك براءة من زعماء دمشق، هل نحتاج إلى تكرار كلام السيد المسيح، يا دمشق: "من منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر".
أولى بدمشق التي حاولت ضم الأوراق جميعا تحت قبضتها أن تدرك أن الأمور في المنطقة تغيرت تماما وان الأوراق باتت في أيدي الشعوب أصحاب المصلحة فهي في يد الشعب اللبناني، كما هي بيد الشعب الفلسطيني، وليس صحيحا ما قيل في القمة من ان تلازم المسارين كان سبب تحرير الجنوب فعمليات المقاومة انطلقت منذ اللحظة الأولى للاحتلال الإسرائيلي للبنان قبل أن يكون هناك مسارات تتلازم او تترابط.
وليست حركة فاروق الشرع هي من اقنع مصر بسحب سفيرها من تل ابيب ولا أن تقطع عُمان والمغرب وقطر علاقاتها التجارية مع إسرائيل ولا أن تخفض الأردن إلى ادنى حد علاقاتها بإسرائيل، فالانتفاضة الفلسطينية هي التي حققت كل هذا وهي التي حركت الشارع العربي الذي تحدث عنه الرئيس السوري.
لسنا مع منطق "كل واحد يقلع شوكه بايديه"، فالصراع العربي الإسرائيلي اعقد من ان يحل بانفراد طرف على حساب طرف ولكننا ضد أن يبقى منطق الهيمنة وضد منطق المنة الذي تحدث به الرئيس السوري، فالقضية الفلسطينية هي رافعة الوضع العربي وهي محرك صراعه مع إسرائيل وهي جوهره. ودعم الانتفاضة الفلسطينية واجب قبل أن يكون منة من أحد.
الشعب الفلسطيني يده مبسوطة كل البسط، وليس بحاجة إلى ايد مغلولة إلى أعناقها، وعفا الله عما سلف.