غارة عين الصاحب..هل تلقت سوريا الرسالة؟

تاريخ النشر: 07 أكتوبر 2003 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

البوابة-بسام العنتري 

يرى مراقبون سياسيون ان الغارة الاسرائيلية على قرية عين الصاحب السورية، كانت بمثابة حقيبة مملوءة بالرسائل التي ارادت الحكومة الاسرائيلية ايصالها الى مواطنيها ثم الى واشنطن، وذلك قبل دمشق التي اكدت انها فهمت مضمونها جيدا، وبدأت تلوح بردود "رادعة" عليها تتجاوز الخيار الدبلوماسي. 

وشنت اسرائيل الاحد أعمق غارة جوية داخل الأراضي السورية منذ ٣٠ عاما مهاجمة ما وصفته بمعسكر تدريب لحركة الجهاد الاسلامي اثر تبني الحركة عملية حيفا التي اسفرت عن مقتل ١٩ شخصا. 

واكد مهدي دخل الله، رئيس تحرير صحيفة "البعث" الناطقة بلسان الحزب الحاكم في سوريا ان دمشق قرات جيدا الرسالة التي حملتها الضربة الجوية الاسرائيلية، وفهمت ما وراءها. 

وقال للبوابة ان الرسالة التي اكدت على البعدين، الفلسطيني والسوري، اعادت الى الواجهة العالمية حقيقة ان "اسرائيل ليس لديها مشكلة فلسطين فقط، وانما ايضا لها مشكلة مع سوريا وان سوريا استطاعت تفادي ما هو اسوأ في الفترة الماضية من توسيع للعدوان حتى يشملها". 

وقالت اسرائيل ان الضربة كان الهدف منها ايصال رسالة الى دمشق بان عليها التوقف عن دعم وايواء التنظيمات الفلسطينية المسؤولة عن تنفيذ العمليات الفدائية، وكذلك طرد هذه التنظيمات من اراضيها. 

لكن دخل الله اكد ان هذا لن يحدث، بل سيزيد الضغط الاسرائيلي والاميركي من تصميم سوريا على مواصلة دعم هذه الحركات المقاومة. 

وقال "من معرفتي بالنفسية السورية والوضع السياسي السوري، اعتقد ان سوريا الان ستزيد من دعمها الموجود لكل شعب عربي مقاوم ووقوفها مع القضية الفلسطينية سيزداد بكل تاكيد". 

وشدد على ان "سوريا لم تتنازل او تتراجع في أي موقف تجاه القضية الفلسطينية". 

واخذ دخل الله على بعض وسائل الاعلام العربية ترويجها الى ان سوريا رضخت لمطالب الولايات المتحدة منها، وبخاصة المتعلقة منها بغلق مكاتب التنظيمات الفلسطينية في اراضيها. 

وقال "اسمع بعض الاعلاميين العرب يقولون ان سوريا رضخت للاميركيين وانها فعلت ما طلبته اميركا..والاميركيون انفسهم يقولون ان سوريا لم تنفذ ما طلبناه منها!". 

وقد هددت اسرائيل في تصريحات للعديد من مسؤوليها، كان اخرهم رئيس الوزراء ارييل شارون، بشن مزيد من الهجمات داخل الاراضي السورية في حال "لم تفهم دمشق" الرسالة الاولى التي تم توجيهها من خلال الغارة على قرية عين الصاحب. 

ويضع هذا التهديد، ومن ثم تنفيذه في حال قررت اسرائيل المضي فيه، مزيدا من الضغوط على سوريا، التي أكد دخل الله انها الان "بين نارين"، نار الصمت او الرد. 

وقال "سوريا في الحقيقة بين نارين، فاذا ردت بشكل مباشر وموجع على اسرائيل فانها تكون قد استدرجت الى خطة توسيع العدوان وتفجير المنطقة وخلق حرب جديدة فيها، واذا لم تفعل، فهذا سيزيد من الم الشعب السوري وفي مقدرته على التحمل وفي مشاعره". 

لكنه اعرب عن اعتقاده بان سوريا سترد على اسرائيل بخيارات اخرى من بينها الخيار الدبلوماسي. 

وقال "اعتقد ان سوريا سترد بخيارات اخرى والمراقب يستطيع ان يكتشف ما هو رد سوريا وهذه الخيارت التي ترد فيها سوريا على كل عدوان اسرائيلي". 

واضاف ان الخيار الدبلوماسي هو "احد الخيارات الهامة لان معركتنا مع اسرائيل هي معركة ذات بعد دولي وخصوصا ان كل اعتداء اسرائيلي هو اعتداء على السلام العالمي وعلى القانون الدولي". 

لكنه شدد على ان "هناك ابعادا اخرى وهناك انواع واساليب من الردع التي تقوم بها سوريا ويفهمها الاسرائيليون بشكل ممتاز ويعرفونها تماما". 

واكد ان "هناك اوراقا اخرى بعضها يستخدم ومستعمل واوراق لا تستخدم لكن الخيارات واسعة، وسوريا كانت ترد على كل عدوان اسرائيلي، والاسرائيليون يفهمون طريقة الرد السورية". 

وبينما رفض الكشف عن طبيعة هذه الاوراق والخيارات، الا انه عاد واكد ان "اسرائيل لم تجرؤ على مواجهة سوريا منذ 30 عاما، ليس احتراما للاتفاقيات وللقانون الدولي، ولكن خوفا من اساليب وقوة الردع السورية التي تعرفها تماما". 

تغذية للحملة "الصهيونية" ضد دمشق في واشنطن 

ومن ناحيته، اعتبر نصوح المجالي، سفير الاردن السابق لدى سوريا، ان الضربة الاسرائيلية داخل سوريا، استهدفت بالدرجة الاولى "تغذية الحملة الصهيونية" الدائرة في واشنطن ضد دمشق. 

وقال للبوابة ان "الضربة هي احياء او تغذية للحملة الصهيونية الموجودة ضد سوريا ومحاولة استعداء الولايات المتحدة" ضد هذا البلد، وذلك في اشارة الى قانون محاسبة سوريا الذي تواصل لجان الكونغرس الاميركي مناقشاته حوله. 

واضاف ان "الرسالة بدات في واشنطن من خلال اللوبي الصهيوني الذي حاول توريط سوريا بشكل او باخر واتهامها واتهام ايران ايضا" برعاية الارهاب. 

كما راى المجالي ان الضربة هدفت ايضا الى افتعال معركة جانبية تخفف الضغوط الدولية على اسرائيل بسبب الجدار العازل الذي تبنيه بينها والضفة الغربية بذريعة منع وصول الفدائيين الى مدنها. 

وقال ان "الضربة جاءت على خلفية نوع من الراي العام الذي بدأ يتشكل ضد اسرائيل وخاصة في ما يتعلق بموضوع الجدار الامني الذي هو في حقيقته جدار استيطاني يقتطع مساحات كبيرة من اراضي الضفة الغربية كما انه جدار مانع للسلام". 

واضاف ان "اسرائيل تفتعل معارك صغيرة وتحاول ان توسع دائرة العدوان بحيث تورط العالم والولايات المتحدة. وهذه هي الرسالة". 

وراى المجالي ان دمشق فهمت مغازي هذه الرسالة، وستسعى "الى تفويت أي فرصة على اسرائيل لتوريطها في حالة صراع مسلح في وقت غير مناسب". 

وتوقع المجالي ان تواصل اسرائيل ضغوطها على سوريا، لكنه قال ان ذلك لن ينجح في دفع دمشق الى الاستجابة الى ما هو مطلوب منها اسرائيليا واميركيا، ومن ضمنه اجبارها على العودة الى مفاوضات السلام مع تل ابيب وبحسب شروط الاخيرة. 

وكانت مفاوضات السلام بين الجانبين الاسرائيلي والسوري توقفت عام 1995، ورفضت الحكومات الاسرائيلية التي خلفت حكومة اسحق رابين التي ادارت هذه المفاوضات، القبول بمتابعتها من النقطة التي وصلت اليها. 

واصطدمت كافة الجهود التي بذلت من اجل اعادة الجانبين الى طاولة المفاوضات بسبب تعنت حكومة شارون في موقفها القائل بضرورة البدء من نقطة الصفر، واصرار الحكومة السورية على البناء على ما اتفق عليه ابان حكومة رابين برغم الضغوط التي مارستها عليها الولايات المتحدة في هذا الصدد. 

وقال السفير الاردني السابق لدى دمشق ان "الاستجابة الوحيدة الممكنة بالنسبة لسوريا هي التمسك بالمرجعية والقرارات الدولية". 

واوضح ان سوريا "تريد تفعيل القرارات الدولية وخاصة مرجعية مدريد بمعنى ان المرجعية في المفاوضات هي الارض مقابل السلام، سوريا لها ارض محتلة ولا يمكن ان تدخل في عملية سلام غير مضمونة او لا تحقق لها شرط اعادة الاراضي". 

واكد ان "هذا هو المنطق السوريين ولن يحيدوا عنه". 

رسالة الى الشارع الاسرائيلي 

وعلى صعيده، اعتبر العضو العربي في الكنيست، طلب الصانع، ان الرسالة التي حملتها الغارة الاسرائيلية في سوريا كانت موجهة بالدرجة الاولى الى الشارع الاسرائيلي الذي سعت حكومة شارون الى امتصاص غضبه الناجم عن فشلها في تحقيق الامن وانهاء الصراع مع الفلسطينيين. 

وقال الصانع للبوابة ان "الرسالة موجهة بشكل اساسي الى الداخل الاسرائيلي، وهي ناجمة عن عجز الحكومة الاسرائيلية عن تلبية رغبة الشارع الاسرائيلي في الامن". 

واضاف ان الحكومة الاسرائيلية قررت شن هذه الغارة عقب عملية حيفا الفدائية "من اجل ان لا تظهر وكان ردود فعلها هي كما كانت في كل مرة..ارادت استحداث شئ جديد من اجل اقناع الشارع الاسرائيلي بانها تفعل شيئا لا سابق او مثيل له..هي رسالة للشارع الاسرائيلي لامتصاص غضبه". 

لكن الصانع لا يغفل المضامين التي حملتها الرسالة الى سوريا. 

وقال ان الرسالة ارادت ان تقول بوضوح "للحكومة السورية انها لا تستطيع ان تتدخل بدون ان تتحمل المسؤولية، بمعنى انها لا تستطيع ان تلعب دورا من خلف الستار بدعمها تنظيمات فلسطينية او لبنانية وتقول في نفس الوقت: نحن لسنا مسؤولين عما يحدث". 

وايضا، يرى الصانع في الرسالة مضمونا اخر موجها الى الولايات المتحدة، وبخاصة الكونغرس، من اجل الربط بين سوريا وعملية حيفا ومحاول الصاق تهمة الارهاب بدمشق. 

وقال ان "هذا هو البعد الثالث للرسالة والذي يستهدف تشديد الضغط على سوريا، وكان هذا ما تسميه اسرائيل ويسميه العالم عملية ارهابية تقف من ورائها سوريا، بمعنى انها نشطة فاعلة في هذا المجال، خاصة في ظل مناقشات لجان الكونغرس بشان سوريا". 

وفي الوقت الذي اعربت فيه اوساط اسرائيلية عن مخاوف من ان تؤدي هذه الغارة الى فتح جبهة جديدة شمال اسرائيل، الا ان الصانع استبعد ذلك من منطلق ان الجانبين لا يريان اية مصلحة لهما في مثل هذه الجبهة. 

وقال ان "اسرائيل ليست لديها أية مصلحة في فتح جبهة الجولان الهادئة منذ 30 عاما، كما ان هناك قناعة تامة بان سوريا لن تجازف بفتح جبهة مع اسرائيل على خلفية المعطيات الدولية والواقع السوري المستهدف اميركيا، وايضا على خلفية توازن القوى العسكرية". 

لكن الصانع يشير الى ان المخاوف الحقيقية لدى اسرائيل هي في ان تقدم سوريا على فتح جبهة لبنان بدلا من جبهتها. 

وقال ان "التخوف هو من ان تفتح سوريا الجبهة لبنانيا" وذلك لتجنب الرد العسكري المباشر.—(البوابة)