غياب مغني الحانة – علي السوداني

منشور 09 تمّوز / يوليو 2019 - 04:27
علي السوداني
علي السوداني

لم‭ ‬يكن‭ ‬صوتُهُ‭ ‬الذي‭ ‬يدلُّ‭ ‬على‭ ‬عمره‭ ‬،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬سمعته‭ ‬البارحةَ‭ ‬عبر‭ ‬الهاتف‭ . ‬توقعتُهُ‭ ‬شاباً‭ ‬يخيّمُ‭ ‬على‭ ‬أول‭ ‬الثلاثينات‭ ‬،‭ ‬وربما‭ ‬قبلها‭ ‬بقليل‭ . ‬قال‭ ‬إنَّ‭ ‬به‭ ‬رغبة‭ ‬شاسعة‭ ‬لاحتساء‭ ‬كؤوس‭ ‬عرقٍ‭ ‬دسمات‭ ‬بحانة‭ ‬زوربا‭ ‬،‭ ‬وسأل‭ ‬عن‭ ‬البنت‭ ‬الدلّوعة‭ ‬عبير‭ ‬،‭ ‬ونادل‭ ‬الحانة‭ ‬الطويل‭ ‬الذي‭ ‬نزل‭ ‬بها‭ ‬،‭ ‬مخلّفاً‭ ‬وراءه‭ ‬أيام‭ ‬وأزقة‭ ‬أثينا‭ ‬المعتقة‭ ‬،‭ ‬والرجل‭ ‬العريض‭ ‬الذي‭ ‬يشبه‭ ‬جورج‭ ‬حبش‭ ‬،‭ ‬والشحاذة‭ ‬النظيفة‭ ‬التي‭ ‬تطحن‭ ‬مؤخرتها‭ ‬البارزة‭ ‬وتحكّها‭ ‬بسور‭ ‬المائدة‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬كأسٍ‭ ‬فائضةٍ‭ ‬،‭ ‬ونصف‭ ‬دينارٍ‭ ‬يزرعه‭ ‬الجائعون‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬الساقية‭ ‬الباذخة‭ ‬بين‭ ‬ثدييها‭ ‬الضخمين‭ ‬،‭ ‬وماعون‭ ‬الزلاطة‭ ‬الكبير‭ ‬المعفّر‭ ‬بالزعفران‭ ‬والسماق‭ ‬والليمون‭ ‬البلدي‭ ‬العاطر‭ ‬،‭ ‬وأشياء‭ ‬أُخرى‭ ‬نسيتها‭ ‬الآن‭ .‬

لم‭ ‬أنجح‭ ‬في‭ ‬إقناعه‭ ‬بأنَّ‭ ‬ما‭ ‬يتحدث‭ ‬عنه‭ ‬،‭ ‬هو‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬مخيالٍ‭ ‬منثورٍ‭ ‬على‭ ‬جسد‭ ‬قصة‭ ‬قصيرة‭ ‬،‭ ‬كنت‭ ‬كتبتها‭ ‬قبل‭ ‬عشر‭ ‬سنين‭ ‬،‭ ‬لذا‭ ‬تركتُ‭ ‬الأمر‭ ‬لمجلس‭ ‬الخمرة‭ ‬الدابّة‭ ‬،‭ ‬ومغنّي‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬سيبدأ‭ ‬ليلتَهُ‭ ‬بعبد‭ ‬الحليم‭ ‬حافظ‭ ‬وصباح‭ ‬فخري‭ ‬وليلى‭ ‬كاظم‭ ‬الساهر‭ ‬،‭ ‬وحتماً‭ ‬سيستجيب‭ ‬لأنين‭ ‬السكارى‭ ‬الطيبين‭ ‬،‭ ‬فيقتلهم‭ ‬بموالات‭ ‬رافدينية‭ ‬عجيبة‭ ‬،‭ ‬ستكون‭ ‬كفيلة‭ ‬بتنشيف‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬دماء‭ ‬القلوب‭ ‬المفطورة‭ ‬بالحنين‭ .‬

استوطنّا‭ ‬مائدةً‭ ‬منزويةً‭ ‬محروسةً‭ ‬بتمثال‭ ‬السيّدة‭ ‬،‭ ‬وشيت‭ ‬عملاق‭ ‬لراقصة‭ ‬شرقية‭ ‬كأنها‭ ‬تحية‭ ‬كاريوكا‭ ‬،‭ ‬وحائط‭ ‬معمول‭ ‬من‭ ‬زجاج‭ ‬شفاف‭ ‬،‭ ‬يسمح‭ ‬للبصّاصين‭ ‬النهمين‭ ‬،‭ ‬بقنص‭ ‬أثاث‭ ‬الزقاق‭ ‬البائس‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬بدا‭ ‬الليلةَ‭ ‬مثل‭ ‬حمّامٍ‭ ‬مهجور‭ ‬نائم‭ ‬على‭ ‬رائحة‭ ‬السابحين‭ ‬القدامى‭ .‬

لمْ‭ ‬تأتِ‭ ‬عبير‭ ‬الرائعة‭ ‬،‭ ‬ولا‭ ‬السائحات‭ ‬الأجنبيات‭ ‬البخيلات‭ ‬،‭ ‬وغاب‭ ‬مطرب‭ ‬الحانة‭ ‬وبهجتها‭ ‬،‭ ‬وتمَّ‭ ‬استبداله‭ ‬بأُغنياتٍ‭ ‬من‭ ‬الصنف‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يصيب‭ ‬طبلة‭ ‬الأذن‭ ‬بعطبٍ‭ ‬عظيم‭ .‬

ثمة‭ ‬رائحة‭ ‬شواء‭ ‬تهبُّ‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬مطبخ‭ ‬رشدي‭ . ‬رشدي‭ ‬نادلٌ‭ ‬طيّب‭ ‬،‭ ‬يحبُّ‭ ‬الأدباء‭ ‬ويعلم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬جيوبهم‭ ‬المثقوبة‭ ‬أبداً‭ ‬،‭ ‬ونحن‭ ‬جدُّ‭ ‬ممتنّين‭ ‬لتأويلاتهِ‭ ‬الإستطعامية‭ ‬الباذخة‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تكلّف‭ ‬الجيبَ‭ ‬إلّا‭ ‬وسْعَهُ‭ .‬

الليلةُ‭ ‬تأكل‭ ‬نفسها‭ ‬بنفسها‭ ‬،‭ ‬وسوّاق‭ ‬السرافيس‭ ‬البيض‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬رزقٍ‭ ‬ممكنٍ‭ ‬،‭ ‬بعد‭ ‬نوم‭ ‬شرطيّ‭ ‬المرور‭ ‬ودفتر‭ ‬العقوبات‭ .‬

جليسي‭ ‬وسميري‭ ‬المسالم‭ ‬كان‭ ‬كريماً‭ ‬جداً‭ ‬،‭ ‬ولم‭ ‬يغضب‭ ‬لأنني‭ ‬لم‭ ‬أُتمم‭ ‬عليه‭ ‬الحكاية‭ ‬،‭ ‬إذ‭ ‬تباطأتُ‭ ‬وتلكأتُ‭ ‬حتى‭ ‬فزَّ‭ ‬ديكُ‭ ‬الصباح‭ ‬المخلّص‭ .‬

 

مواضيع ممكن أن تعجبك