فــــيــروز تنزل من عليائها بسبب زيـاد

تاريخ النشر: 30 مايو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

دهش الكثيرون الذين شاء لهم حظهم السعيد أن يكونوا ضمن الأشخاص الذين تابعوا آخر حفلة أحيتها فيروز في لاس فيغاس في الولايات المتحدة الأميركية من الأغاني التي قدمتها لهم فقد توقعوا أن يسمعوا الأغاني التي اعتادوا الاستماع لها منذ الصغر غير انهم وجدوا أنفسهم أمام ذات الصوت الملائكي لكن بكلمات والحان لم يعرفوها سابقا في صوت أو أسلوب فيروز. 

تأسست صورة الفنانة الكبيرة على شعور بأنها صوت أو صورة لقراءة الموسيقى والشعر بواسطة الصوت، فهذه وظيفتها وقد تحوّلت هوية لها تعطيها شعراً ونغماً فتحوّلهما سحراً لأنها أقصى ما في الموسيقى، أو آخر الصوت، وكلما حاولنا رؤيتها، يجيئنا صوتها فنقع تحت سحره وننسى أننا نحاول رؤية امرأة تغني. 

نكتفي بغنائها، ونراها من جديد صورة لصوت ما، صوت يصعب وصفه، وإنْ أشعرنا دوماً بالحزن والحنان والحب والحلم، فهو أكثر من ذلك وأعمق من الأحاسيس الرومانسية، كما انه أقوى من المشاعر الوجودية، وقد ارتضت فيروز ربما هذه الصورة، صورة الصوت، وصمتت لفترة، ولم ننقص نحن عشاقها من "صورتها" لأننا اكتفينا بجمالها الملائكي وفرحنا بترديد لقبها "سفيرة الغناء الى النجوم"، ثم انطلق صوتها حاملاً هموماً مختلفة، عاشها ويعرفها كل إنسان. 

هموم الناس "العاديين" وهموم النساء والرجال أيا تكن انتماءاتهم ومراتبهم، هموم راحت تعبّر عنها بكلمات وأسلوب يشبهه ما تسمعه في الطريق والبيت والمكتب والجامعة، ونحس به وكأنه جديد لأن أحداً لم يحوّله من قبل كلاماً موسيقياً يغنّيه الصوت (رغم أن مسرح الأخوين رحباني لامسه مراراً، لكنه أحجم في كل مرة عن اقتحامه مباشرة).  

نعتقد عند سماع فيروز وهي تغنّي لابنها أن الموسيقى نسجت جسراً بين الكلام العادي والصوت غير العادي، يتداخل الكلام بالصوت وبالجسر الموسيقي، فنقتنع أن الكلام أيضاً غير عادي، أو أن صوت فيروز الذي تعوّدناه، يردد كلاماً لم نعتد عليه. تتعقد الأمور اكثر، فتعود الصورة، صورة الصوت. لكننا نكتشف في تفاصيلها هذه المرة ملامح جديدة: ملامح الحياة الحقيقية حيث لا "رتوش" ولا "ماكياج".  

فمع بقائها صورة لصوت، صارت الصورة اكثر إنسانية، بعدما بقيت طويلاً (في غنائها) أكثر ملائكية.  

نزلت فيروز من النجوم. مد لها ابنها السلّم. ترددت بداية، لكنها ما لبثت أن اندفعت على درجاته وراحت تستمتع بكل "نزلة درج" الى أن وصلت الى الأرض. 

تصاعد صوتها مجدداً، فإذا به يُنزل النجوم إليها، لتسمع معنا أغاني - مشاهد تشبه المونولوغات المسرحية، حيث امرأة تخبر قصصاً مختلفة نابعة كلها من تجارب حقيقية.  

"سلّملي عليه" و"اشتقتلك"  

يوصل زياد أمه الى "قمة جديدة" في عمله "مش كاين هيك تكون" الذي يتضمن أربع أغان ومعزوفة موسيقية له في توزيع موسيقي رائع، وبعض من تنويعات "الجاز الشرقي" ضمن إطار غنائي ساحر يؤدي فيه الكورس دوراً مميزاً إذ يعبّر عن مزاجية موسيقية متحررة اكثر منها إنشاداً جماعياً منظماً. فهو كورس (وزياد ضمنه) يطرب أحياناً ويطلق الآهات، ويرافق أحياناً أخرى مكرراً اللوازم والجمل الغنائية.  

وبالترافق مع ذلك، تطل فيروز في مشاهد عدة، فيحلّق صوتها حناناً، ويستحيل شعراً وموسيقى. في "سلّملي عليه"، تخاطب آخر، يمكن أن يكون إبناً أو أخاً أو أباً أو صديقاً الى أن يستقر حبيباً ذا مزاج خاص وغريب: "تعبان على سكوتو ودارسو"! وهو حبيب غائب (ربما في سكوته وليس سفره أو ارتحاله) تطلب الحبيبة من وسيط أن "يسلّم عليه" و"يبوّس عينيه هوّي ومفتحهم عينيه" ويبلّغه بالتزامن مع السلام والتقبيل أنها الفاعلة. ولديها، الى ذلك، إحساس بأن حبيبها مصاب بشيء ما، وتبلّغ الوسيط بذلك، وتنبهه أيضاً الى ضرورة التظاهر بعدم المعرفة كي لا يثيره: "عمول حالك مش عارف بتحرقصو، ما تحرقصو ما تحرقصو ما تحرقصو".  

ثم تجيء "اشتقتلك" تكملة لـ "سلّملي عليه"، أو كفصل ثان من المشهد نفسه. فالمرأة عينها ما زالت تخاطب الحبيب (الغائب أو الساكت) عبر أشواقها قبل أن تفصح انهما منفصلان، وان شيئاً ما وقع بينهما لا يمنعها من إشهار شوقها: "رغم الحاصل من زمان … وعزة نفسي كانسان … اشتقتلك". فشوقها أكبر من أن يقوّم في ميزان الكرامة أو الرد بالمثل: "بعرف مش رح بتقلّي لكن أنا عم بقلّك اشتقتلك". وفي هذين الموقفين، تغادر فيروز نهائياً صورة الملاك، لتلبس صورة أولئك الذين تغلبت أشواقهم عليهم فلم يعودوا مبالين بمن يسبق الآخر في التراجع أو إشهار الشوق والمشاعر. 

وحين تكون المرأة من يبادر، يأخذ الأمر بعداً آخر، فالرجل "الشرقي" وإنْ صعب تراجعه أمام امرأة، يبقى صاحب المبادرات في العلاقات العاطفية، حيث المرأة تنتظر ولا ترمي نفسها تجنباً لما قد يقال عنها، فكيف إذا كانت هذه المرأة هي فيروز نفسها!؟_(البوابة) (مصادر متعددة)