فيما تستمتع أفراس النهر بالتراشق في مياه الجدول، تنتقل الكاميرا ببطء لتكشف منظرا طبيعياً ساحراً يقزم الإنسان والوحوش أيضا.
على هذا النحو بدأ فيلم (حلمت بأفريقيا) ليروي قصة كوكي جالمان الناشطة في الحفاظ على البيئة وزوجها باولو ويقوم بدوريهما كيم باسنجر وفنسنت بيريز، اللذين جعلا من مراعي أبقار تبلغ مساحتها 100 ألف هكتار وطناً لهما في كينيا.
تصارع جالمان للحفاظ على البراري الأفريقية، وهي التي سجلت أحداث حياتها هناك في سيرة ذاتية بعنوان (حلمت بأفريقيا)، ولكن البطولة الحقيقية في الفيلم هي للصورة البصرية، فالكاميرا تعشق أفريقيا، كما سبق وقدمت في الكثير من الأعمال السينمائية إذ لا يزال فيلم (الخروج من أفريقيا) الفائز بجائزة الأوسكار والذي لعب دوري البطولة فيه ميريل ستريب وربرت ريدفورد، يجسد اعمق الصور المعبرة عن حب أفريقيا وأراضيها.
مشاهد الرقص في رحلات السفاري بين ستريب وريدفورد تحت دثار من النجوم، أو أثناء الاندفاع فوق طائرة شراعية ثنائية الأجنحة حولت الفيلم إلى قنبلة الموسم، وأطلقت تحولات في الموضة وجعلت من السياحة أهم صناعة لكينيا.
ولم تكن هوليوود قد استغلت الطاقة التي تسبب الهذيان في المناظر الطبيعية الكينية كما هي الان فقط، بل ان ذلك يعود الى عام 1929 حينما أمضى المخرج فان دايك سبعة أشهر فيها وفي أوغندا وتنزانيا المجاورتين، لتصوير فيلم المغامرات (قرن التاجر) .
وأدهش فان دايك مشاهديه حينها بكل لقطة في فيلمه من تثاؤب النمور الى الاحتفالات القبلية، لينجح هذا الفيلم الذي حقق أرباحاً هائلة في إطلاق حماس لا نظير له للمغامرة والمغامرين، وبينهم ارنست هيمنجواي للتوجه الى أفريقيا.
ومضى فان دايك بعد ذلك ليوظف الكميات الهائلة من الأشرطة التي صورها عن افريقيا في فيلمه ذاك في إنتاج فيلم (طرزان الرجل القرد) عام 1932 والذي انتج معظمه في هوليوود، ومنذ ذلك الحين أصبحت أفريقيا المكان الأمثل لقصص أناس يتصلون بالجزء (البدائي) والحقيقة الصرفة لأرواحهم.
أما أولئك غير القادرين على القيام برحلاتهم الى أفريقيا على نحو ماكان يعرف عن همنجواي، فقد أخذوا يسافرون إليها عبر أفلام من نوعية (موجامبو) الذي رأى النور عام 1953 من بطولة كلارك جيبل، أو فيلم (ثلوج كليمنجارو) الذي أطلق في عام 1952 من بطولة جريجوري بيك, أو فيلم (المؤذي الأبيض) الذي أطلق في عام 1987.
وفي أفلام هوليوود الأكثر استنارة عن كينيا، فإن التركيز انتقل من القوى البدائية الى الجمال البري المهدد، وعلى سبيل المثال استغلال فيلم (غوريلات في الضباب) للغابات وارفة الظلال في جبال أبيردار الكينية كبديل عن رواندا ليقص قصة ديان فوسي التي تكافح لتنقذ غوريلات الجبال، وتلقى حتفها في النهاية نتيجة محاولاتها تلك.
ومهما كانت الدوافع وراء إنتاج مثل هذه الأفلام، فإنها كانت غالبا تتمتع بتأثير يدفع رواد السينما للذهاب الى أفريقيا للتعرف على تلك القارة مباشرة، وحتى فيلم (الشبح والظلام) من إنتاج عام 1996 والذي يقص حكاية مرعبة حقيقية عن مجموعة من الأسود التي التهمت مجموعة من البشر عام 1898 إلا انه يظل فيلما ملهبا للمشاعر من الناحية البصرية. واصبح من السهل هذه الأيام أن يخرج المرء في رحلة سفاري، بعكس ما كانت عليه الحال أيام همنجواي الذي كان حينها يخوض مغامراته بين وحوش البرية.
والآن يقوم السياح بتقليد هوليوود أكثر من تقليدهم همنجواي، وذلك بحملهم للكاميرات معهم بدلاً من البنادق_(البوابة)(مصادر متعددة)