تسريب الأخبار في واشنطن تقليد عمره من عمر السياسة في العاصمة الأميركية ولكل وقت وسائله. والان بعدما اقفل الرئيس جورج بوش كل المسارب التي يمكن استخدامها، انتقل الامر إلى السفارات الاجنبية وتحديدا إلى سفارة لعلها الأخيرة التي يمكن "الاشتباه" فيها: سفارة المانيا.
"الديبلوماسية بالتسريب" أو ربما العكس، بدأت في عطلة نهاية الاسبوع الماضي، الى ان أكدتها مصادر في السفارة الالمانية، ويتعلق الامر ببرقية ديبلوماسية يفترض ان تكون سرية عن مضمون محادثات المستشار الالماني غيرهارد شرودر مع بوش في البيت الابيض عندما زار واشنطن في 29 آذار/مارس الماضي وفي حضور وزير الخارجية الاميركي كولن باول ومستشارة الرئيس لشؤون الامن القومي كوندوليزا رايس ومستشار شرودر ميكايل شتاينر.
وجاء في البرقية ان باول وصف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بأنه "ضائع" ويحاول تفادي كل لوم في أي قضية، وان شرودر وصف ملك الاردن عبدالله الثاني بن الحسين بأنه "واحد من أذكى قادة المنطقة، وواحد من أضعف قادتها".
السفير الالماني شروبوغ أكد صحة البرقية، وأصاب حرج كبير الادارة الاميركية والسفارة الالمانية والكل يحاول ان يعرف مصدر التسريب. وتتجه الشكوك الى شخص او أشخاص في وزارة الخارجية الالمانية في برلين. وقالت مصادر اميركية ان المسؤول عنه قد يكون ميكايل شتاينر نفسه الذي وصفته المصادر بأنه "شخصية ديبلوماسية ملونة" وقالت انه على عداء مستمر مع وزير الخارجية الالماني يوشكا فيشر الذي غضب كثيراً لتسرب البرقية.
وشتاينر هو نفسه الذي زار الجماهيرية الليبية في آذار/مارس الماضي واجتمع مع العقيد معمر القذافي ليصرح لاحقاً ان القذافي ابلغ اليه ان ليبيا كانت ضالعة في عملية تفجير ملهى "لا بيل" عام 1986 في المانيا حيث قتل ثلاثة أشخاص بينهم جنديان اميركيان وجرح مئات، وكذلك كانت ضالعة في عملية تفجير الطائرة الأميركية فوق لوكربي في اسكوتلندا عام .1988 وقاد شتاينر ايضاً الجهود الديبلوماسية الالمانية في البلقان سنوات عدة.
وعندما سئل الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية ريتشارد باوتشر عن البرقية، أجاب انه لا يعلق على برقيات ديبلوماسية لدول اجنبية.
وقال مصدر قريب من السفارة الالمانية في واشنطن، ان شتاينر هو اول شخص في المستشارية الالمانية يقرأ برقيات السفير شروبوغ بينما قالت مصادر اخرى انه يتصرف احياناً ببرقيات السفير فيحذف منها او يضيف الى مضمونها.
واكدت مصادر المانية ان شتاينر لم يكشف لوزير الخارجية انه يطلع على برقيات السفير في واشنطن لاعطاء الانطباع ان "التسريب" انما حصل من طريق السفير نفسه.
ويمكن فهم ما يحدث إذا وضع في إطار القرار بترك شروبوغ منصبه في واشنطن في نهاية الشهر المقبل، ليصير وزير دولة في وزارة الخارجية الالمانية. لكن كل شيء لا يزال غامضاً مع التحقيق الذي تجريه الخارجية الاميركية في شأن برقية واشنطن.
واوضح سفير اميركي سبق له ان عمل في المانيا، ان التنافس هناك بين المستشارية ووزارة الخارجية يشبه التنافس الدائم بين وزارة الخارجية الاميركية ومستشار البيت الأبيض للامن القومي.
وكان ميكايل شتاينر، بحسب من يعرفه من ديبلوماسيين أميركيين قال لديبلوماسي بلجيكي في برلين ان المانيا قد "ترسل قواتها الى بلدكم مرة ثانية". وهو اصطدم في احد المؤتمرات في ريو دو جانيرو قبل سنتين مع حرس المؤتمر عندما حاول اقتحام المقر من غير ان يكون حاملاً بطاقة دخوله، مما دفع الحرس الى رميه ارضاً!—(البوابة)
* عن صحيفة "النهار" اللبنانية.
