سياحة "ما فيش" واقتصاد "شغل إيدك"
استثماراتنا ملتقى للعشاق ونحن للفرجة فقط
قصة التاكسيات وآخر الصرعات في الشارع الأردني
حيتان السوق ومخلوقات تعيش على الفتات
شباب ع الموضة…وشباب ع الحديدة
نضال زايد - عمان
تخطيط أم تخبيط..!!
صاحب محل عصائر طازجة "كوكتيل" وساندويشات في شارع الجاردنز "أكثر الشوارع التجارية حيوية في العاصمة الأردنية عمان" قال لمندوب "المرايا" في عمان مبديا رأيه بالأحوال الاقتصادية والوضع في الأردن: "نحن في الأردن بحاجة إلى تخطيط وليس تخبيط..، فهذا الذي تقوم به المؤسسات الحكومية المسؤولة عن التراخيص التجارية للمحلات هو حرق لكل جهودنا.. وعملية تهريب صغار المستثمرين قبل كبارهم من البلد فالمحسوبيات والواسطات قتلتنا… عندما قمنا بافتتاح محلنا هذا وابتداع فكرة محل متخصص للعصائر الطازجة وبعدما أثبتنا نجاحنا وكان إقبال الناس علينا ملحوظاً… وجدنا أكثر من 4 محلات تفتح في نفس الشارع بل في نفس البناية أكثر من 3 محلات متجاورة.. قلدونا بالفكرة والشكل حتى اليافطة وطريقة الإعلان.. والنتيجة الحتمية أن نعاني جميعاً من قلة البيع مما قد يؤدي إلى خسارتنا الفادحة.."
وتابع صاحب المحل حديثه عن أساليب المنافسة غير الشريفة التي تتبعها المحلات المجاورة والتي استخدمت نفس الاسم التجاري الذي أثبت نجاحه مع إضافة حرف صغير أو تغيير بسيط في الاسم بل واستخدام لوحة إعلانية "يافطة" مشابهة لتلك التي استخدمها المحل الأول، وقال في نهاية الحديث: "يجب حماية المستثمر من قبل وزارة الصناعة والتجارة بعدم السماح للمستثمرين والتجار بالتخريب على التجار الآخرين، ويجب على أصحاب البنايات والمجمعات التجارية عدم تأجير محلاتهم لتجار يعملون بنفس المجال كما يفعل أصحاب البنايات والشركات العقارية في أميركا وفي بقية البلدان التي تحترم الجهود الاستثمارية".
التاكسيات "البيج"
أما سائقو وأصحاب سيارات الأجرة "التاكسي" وهم كثيرون يشتكون سوء التخطيط والمحسوبية التي جعلتهم يتجولون في شوارع عمان يترصدون الزبائن وكأنهم يبحثون عن "إبرة في كوم قش"..وقد انتشرت سيارات الأجرة الصفراء في شوارع عمان بعد أن رخصت الحكومة أكثر من 13 ألف سيارة تاكسي وفقاً لقانون أوجده بعض المسؤولين لترخيص مكاتب ذات رأس مال يبلغ مليون دينار يمتلكه بعض وجهاء البلد… ويصف "محمود أبو علي" سائق تاكسي "أصفر" هذا القانون بقوله: "إنه القشة التي قصمت ظهر البعير، فهذا القانون جعل أصحاب سيارات الأجرة الصفراء يبحثون عن عمل آخر أو يحاولون بيع سياراتهم، فالحكومة أنزلت إلى السوق أكثر من 13 ألف سيارة دون دراسة أو تخطيط وذلك فقط لتصفية حسابات بين مسؤولين أرادوا تكريم بعض وجهاء البلد على حساب قوت أبنائنا.. والتاكسيات التي نزلت ميّزت عن غيرها من التاكسيات باللون "البيج" وهذه طبعاً سيارات مدللة لا تتعرض للمخالفات المرورية والقوانين الصارمة المفروضة علينا لأن أصحابها (واصلين)، ونحن الآن في عزّ الموسم السياحي.. وها نحن كما نرى نشرب القهوة ونتجول في شوارع عمان بحثاً عن راكب.. وفي كثير من الأحيان لا نستطيع حتى تغطية إيجار السيارة ومصاريفها".
ولعلّ انتشار سيارات التاكسي الصفراء بالعاصمة الأردنية والذي كان يعد أحد أهم الاستثمارات لصغار التجار وللمتقاعدين من موظفي الحكومة أدى إلى انتشار ظواهر جديدة على المجتمع الأردني كتجمع سائقي السيارات في شوارع هامة وحيوية مما يخلق فوضى وإرباك مروريين، وأيضاً أدى انتشار سيارات الأجرة إلى خلق أزمة مرورية صفراء كما أطلق عليها أحد الصحافيين الأردنيين وخلقت أيضاً مهناً لم تكن على البال أو الخاطر كبائعي الشاي والقهوة والمرطبات في الشوارع الذين يوظفون عمالهم لتلبية طلبات سائقي سيارات التاكسي وإسعافهم بالمرطبات والمثلجات في عز الظهيرة.. بل وإهدائهم مظلات مجانية للسيارات وملصقات دعائية .. واعتبرت هذه المقاهي الصغيرة المنتشرة في أرجاء العاصمة الأردنية من أهم محطات واستراحات سائقي سيارات الأجرة في عمان وآخر الصرعات في الشارع الأردني.
من قاع الدست
هل الأردن حقاً دولة تعيش على الأزمات.. معدومة الموارد.. وفوق كل هذا تفتقر إلى عقول اقتصادية تخطط لهذا البلد…؟ وهل أصحاب القرار يدركون حجم المشكلة بل المشاكل التي يعانيها الشعب الأردني من بطالة، فقر، عنوسة، هروب الشباب والكفاءات بالسفر والهجرة خارج الأردن وسوء الخدمات الصحية هذا بالإضافة إلى أزمات شبه دائمة اعتاد عليها المجتمع الأردني يكاد أن يدمنها مثل الفساد والمحسوبية وارتفاع الأسعار وتلوث المياه التي بالكاد تصل إلى بيوت الأردنيين مرة في الأسبوع…؟!
قد تكون الإجابة واضحة بعد معرفة بعض الخفايا التي حصلت عليها (المرايا) وبعد قراءة بعض الملاحظات التي رصدناها لكم…
بينت مصادر مطلعة أن الموازنة المحددة لإقامة مشاريع تنموية في الأردن لا تتجاوز300 مليون دينار، بينما أكدت مصادر في وزارة المالية أن قيمة فاتورة رواتب موظفي الدولة لهذا العام بلغت مليار ومائة مليون دينار… ولم تعرف المرايا إن كانت هذه الأرقام تشمل رواتب ومخصصات نواب البرلمان والوزراء الذين يحظون برواتب تقاعدية وامتيازات تشكل عبئاً كبيراً على الميزانية الأردنية..!!
سياحة مافيش..!!
قال سائق تاكسي قام مندوب المرايا في محاولة منه للتخفيف عنه بتذكيره بالموسم السياحي القادم الذي سيحرك الوضع الراكد.. وعودة المغتربين الأردنيين والزوار العرب وما يرافق ذلك من حركة فقال: "الله لا يسمع منك…!!" ومن ثم تابع قائلاً بتهكم وسخرية: "يا خوي هذول السياح من وين بدنا نسقيهم.. والماء يوزع على المواطنين الغلابة بالقطارة"!!
وهذه الحادثة الطريفة (طريفة من باب شرّ البلية ما يضحك) أصغر دلالة على انخفاض المدخول السياحي، وقد أشارت الإحصاءات الصادرة عن وزارة السياحة الأردنية إلى أن مجموع دخل الحكومة من السياحة قد انخفض بقيمة 7 مليون دولار في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2001 عن العام الماضي، وأن عدد السياح القادمين إلى الأردن قد انخفض بنسبة (8.1) بالمائة عن العام الماضي…
هذا بالإضافة إلى انخفاض عدد الزوار القادمين من الضفة الغربية والأرض المحتلة بعد قانون تنظيم دخول الفلسطينيين الجديد الذي فرضته الحكومة الأردنية والذي أربك تنقل الفلسطينيين القادمين من الضفة الغربية وبقية المناطق التابعة للسلطة الفلسطينية.
وفي حديث جانبي مع مدير عام فندق كبير أسس في منتصف التسعينات في عمان، عرفنا بأن الفنادق الأردنية والتي أسست برؤوس أموال محلية وعربية ودخلت فيها شركات استثمارية عديدة تعاني كثيراً من انخفاض عدد السياح العرب والأجانب وخصوصاً عرب الـ 48 من الفلسطينيين المقيمين في المناطق الإسرائيلية الذين قلت حركتهم بعد الانتفاضة الأخيرة، وقد دعت الظروف الصعبة التي تمر بها الفنادق والمرافق السياحية إلى تخفيض عدد موظفيها إلى النصف تقريبا بعدما أعطتهم إجازات مفتوحة حتى إشعارٍ آخر..!!
السوق مش ع كيفك..!!
"السوق مش ع كيفك" هذا ما قاله منير عواد صاحب محل نوفوتيه التقته المرايا على باب محله الكائن في منطقة جبل الحسين، وقد أبدى عواد استياءه الشديد من وضع السوق الذي جعل التجار والمستثمرين يتهربون من الضرائب.. ويسلكون مسالك الغش أو المنافسة غير الشريفة في محاولة منهم - أي أصحاب بعض المحلات- لكسب أكبر عدد من الزبائن وتحقيق أكبر قدر من الربح وسط ظروف اقتصادية صعبة وقد أكد عواد على أنه مستعد للتخلي عن محله متغاضيا عن الخسارة التي ستلحق به إذا استطاع الحصول على تأشيرة سفر لأي دولة أجنبية.. وقد قال لمندوب المرايا: "مستعد أن أبادل محلي هذا بتأشيرة سفر إلى أميركا.. ولكم فوق هذا حلاوة بشرى من عندي..!!".
صاحب محل تجاري فخم في السوق التجاري الكبير الذي افتتح مؤخراً في منطقة عبدون في عمان "عبدون مول" قال لمندوب المرايا: "انظر جيداً..ركّز بالمتسوقين.. هل ترى من يحمل كيساً…هل هناك من يتسوق فعلاً، نحن مجرد "فرجة" لهم وكأننا هنا لتسلية المواطنين.. وهذه الديكورات والمحلات الفاخرة والأسماء الرنانة والإضاءات التي وضعنا فيها مدخرات عمرنا ضاعت هباءً منثوراً…"!! وأكد صاحب المحل الذي رفض ذكر اسمه (قال صاحب المحل عندما طلب مندوب المرايا اسمه أو صورة : لا يا أخي…يعني هي قلّة رزق وفضيحة كمان.. يا شماتة أهل زوجتي بي..) وقد أكد صاحب المحل أن المرتادين على أضخم وأحدث مركز تسوق في عمان (عبدون مول) يقصدون المكان بغرض التنزه والترفيه واللقاءات الغرامية التي تتم تحت سقف هذا المكان وأن حركة البيع شبه معدومة سوى بعض المطاعم والكافيتيريات التي تلتقي بها العائلات ويلتقي بها العشاق.
كل الجهات غرب..!!
مكتب سياحي في عمان يقصده مئات الراغبين بالسفر إلى جهات مختلفة أسبوعياً، تقول موظفة الحجز في المكتب أن نصف الذين يترددون على المكتب يوميا هم من فئة الشباب للحصول على تأشيراتهم تؤهلهم لدخول أي من الدول الأوروبية المشمولة باتفاقية دول الاتحاد الأوروبي حتى يتسنى لهم دخول بعض الدول الأوروبية التي تمنحهم فرصاً معيشية أفضل.. وبعضهم يحاول الحصول على أي رحلة سياحية إلى دول أميركا الشمالية… وتتابع الموظفة التي أبدت استياءها من البطالة التي جعلت شباباً في عمر الزهور يبحثون عن أي جهة يقصدونها للعمل في الدول الأوروبية أو دول أميركا الشمالية وكندا.. وأشارت في حديثها إلى أن هناك من يستغل ظرف الشاب الأردني بوعود زائفة للحصول على فرص عمل في دول غربية أو للحصول على تأشيرات للدخول إلى بعض الدول الأوروبية مقابل الحصول على مبلغ كبير.. ونبهت موظفة الحجز في مكتب السياحة والسفر الذي زارته "المرايا" إلى أن عدد كبير من الشباب والعائلات العربية والأردنية تعود على نفس الطائرة التي تسافر عليها لعدم استكمال إجراءات السفر القانونية أو لعدم قانونية التأشيرة التي حصلت عليها تلك العائلات…
باختصار..
باختصار..هذا هو الوضع في الأردن…حيتان كبيرة تبتلع الأسماك الصغيرة… ويعيش السمك الصغير على الفتات.. الفتات… بينما يتقاسم بعض المعروفين في البلد "الكعكة"..
في الأردن يمكنكم أن تعيشوا "العولمة" في أبشع صورها وتطبيقاتها… مولات.. أسواق كبيرة..يافطات إعلانية مضيئة ومتحركة…عمارات كبيرة..مجمعات ومراكز تسوق فاخرة.. سيارات فارهة… "شبح"، "تمساحة"، "قرش ونصف- مرسيدس"،سيارات معتمة وأخرى مكشوفة، شباب ع الموضة، خلويات، ساتلايت، مطاعم، حفلات ماتينيه وسواريه، مطربون خمس نجوم يطيرون من مختلف أنحاء العالم للغناء في مطاعم ونواد في عبدون والصويفية مقابل تذكرة تعادل راتب موظف حكومي درجة ثالثة، شلالات مياه لا تنقطع في منازل عبدون والصويفية، مطب أمام منزل الأثرياء حتى يتمعن الفقراء بحدائق سكان المنطقة المعلقة وشلالاتهم الهادرة وثرائهم الفاحش وسياراتهم المصطفة كمعرض أمام المنزل والإضاءة كما ينبغي أن تكون..مجرد مطبات..
فقر، بطالة، كساد، تجار "يكشون ذبان"، ملاليم تتبخر بعد الراتب مباشرة، طوابير في وزارة التنمية، مستشفيات حكومية من القرن السادس عشر، مياه منقطعة على الدوام، تقنين في كل شيء ومشوار طويل للبحث عن واسطة للعمل… أو واسطة للحصول على سرير في مستشفى حكومي … استدعاءات.. وبث مباشر يحمل كل صباح هموم الشعب الأردني ويطرح مشاكل بدون حلول جذرية لمشاكل تفتك بالاقتصاد الأردني والمجتمع الأردني مثل البطالة والفقر والمحسوبية والفساد وسوء التخطيط.
باختصار، هكذا كما كتبنا.. في الأردن وجهان نقيضان للحياة وليس لك أن تختار أي وجه تريد..!!