دمشق - نبيل الملحم
أعلن الرئيس السوري بشار الأسد أمس الخميس الإفراج عن 600 سجين سياسي، وهم السجناء الذين تم إعتقالهم بموجب الأحكام التي صدرت عن محاكم ميدانية، بالإضافة إلى محاكم أمن الدولة، وهي المحاكم التابعة لقانون الطوارئ، والذي لم يتبق من سجنائه سوى 29 معتقلا، أبرزهم الشاعر فرج بيرقدار، الذي دخل السجن عام 1987، بالإضافة إلى عبد العزيز الخير، الذي تم اعتقاله عام 1992، وحكم بالسجن 22 عاما، وأكرم البني (أعتقل 1987)، ووجيه غانم (أعتقل 1987)، وتشير المعلومات إلى أنه في وضع صحي شديد السوء نتيجة الإشكالات الكلوية الحادة، ومحمد معمار (أعتقل 1987)، وهؤلاء في سجن صيدنايا، بينما يوجد أربعة معتقلين في سجن تدمر هم جريس التلي الذي أعتقل عام 1992، ويعاني من كسور حادة في قدميه، وإشكاليات صحية أخرى غير مفهومة، ونعمان عبدو الذي اعتقل عام 1992، وعمار رزق الذي اعتقل عام 1990، ومحمود عيسى الذي اعتقل عام 1992، ومازن شمسين الذي اعتقل عام 1990، ومعظم هؤلاء يعانون أوضاعا صحية صعبة.
وينتمي هؤلاء إلى رابطة العمل الشيوعي، الفصيل اليساري الراديكالي، الذي تكون عام 1976، والذي عرف بمعارضته للسلطة السياسية في سوريا، وطرح مشروعا سياسيا يقوم على منطق اليسار العالمي الجديد، الذي عرفته مرحلة السبعينات، دون اللجوء إلى العمل المسلح الذي شهدته تلك المرحلة، لكن المواجهة السياسية للسلطة السياسية في سوريا تسببت في اعتقالات متكررة طالت أعلام هذا التنظيم وقواعده، وأدت إلى تصفيته السياسية.
أما عن المعتقلين الآخرين فأبرزهم من الفصائل الإسلامية (الإخوان المسلمون) الذين تبقى لهم في السجون السورية قرابة 650 معتقلا، والذين يتوزعون ما بين تدمر وصيدنايا، فيما كانت السلطات السورية قد أفرجت عن قرابة 150 معتقلا مطلع هذا العام، حسب ما كان قد صرح به زعيمهم محمد علي البيانوني الذي يقيم في الأردن، وهو ممن تبقى من القياديين البارزين بعد رحيل عدنان عقلة، وإبراهيم اليوسف، الذي ارتكب مجزرة راح ضحيتها 36 ضابطا دارسا في مدرسة المدفعية في مدينة حلب، وهو فصيل طرح الجهاد المسلح كطريق لتغيير السلطة في سوريا استمرارا، لنهج مروان حديد، الذي طرح الجهاد المقدس عام 1964 من مدينة حماة، ليموت في سجن المزة العسكري، بعد إضراب طويل عن الطعام، وقد فتح هذا الفصيل حوارا مع السلطات السورية، من خلال رسائل بدت مسالمة، آخرها ما صدر عن أميرهم البيانوني، عبر محطات تلفزيونية، حيث دعا إلى التصالح مع السلطة، بعد أن خفف من لهجة العداء التي سادت في مرحلة الثمانينات، ليحققوا بذلك نقلة نوعية في خطابهم السياسي، وهي نقلة بإتجاه المطالبة بالتغيير عبر الخيار الديمقراطي، بعد أن كان مشروعهم السياسي يقوم على العنف، مما أدى إلى حوار واسع في صفوف السلطة السورية، وهو ما يمكن أن يكون أحد الأسباب التي قادت إلى العفو العام الذي أعلن اليوم، أما الفصيل الإسلامي الذي يأتي في الرتبة الثانية من حيث القوة، فهو حزب التحرير الإسلامي، وقد ابتدأت إعتقالات كوادره وأنصاره بعد أحداث طرابلس أواخر عام 1998، ليقدر عدد معتقليه حسب بيان كان قد صدر عن الحزب ووزع في الأردن ب (800) معتقل من بينهم ضابط في الجيش السوري، وأبرز المعتقلين من حزب التحرير سمير حسن مسؤول منظمة 23 أيلول الذي أعتقل بسبب أحداث طرابلس عام 1990، وبالإضافة إلى حزب التحرير هناك حركة التوحيد الإسلامي ويتزعمها اللبناني هاشم منارة، وهي فصيل يمكن إعتباره فصيلا سياسيا لبنانيا، حاول الامتداد باتجاه سوريا، بعد أن قام بعمليات عسكرية ضد قوات من الجيش السوري في لبنان.
من جهة ثانية فإن العفو كان قد شمل فصائل سياسية أخرى، منها البعث الموالي للعراق، والذي أفرج عن قيادات منه قبل سنتين، ليتبقى في السجون ما يقدر بخمسمائة سجين حسب مصادر هذا الحزب، الذي أتهم بعمليات عسكرية قامت على التفجيرات والاغتيالات السياسية في مطلع الثمانينات.
وتقول مصادر على صلة بحقوق الانسان إنه من المبكر الكلام عن إنفراجات سياسية في سوريا، رغم الخطوة الإيجابية لإعلان العفو العام عن المعتقلين السياسيين، وإعلان هذا العفو في الصحف السورية، مما يعبر عن ذهنية جديدة تتعاطاها السلطة السياسية، فحتى الآن ليس من المعروف من سيشمل قرار العفو العام الذي صدر مؤخرا، فيما أكدت قيادات سياسية سورية من الجبهة الوطنية التقدمية أن هذا العفو هو المقدمة لإنفتاح في الحياة السياسية والحزبية في البلاد، ويتوقع أن يعقبه صدور قانون للأحزاب، الأمر الذي ابتدأت تتعالى الحوارات حوله من خلال تكوينات جنينية لمجموعات تنتمي إلى تيار المجتمع المدني، الذي يعمل عليه مجموعة من أساتذة الجامعات، والمثقفين السوريين، بالإضافة إلى شخصيات ليبرالية تنتمي إلى قوى السوق، وهي شخصيات أقامت حوارا موسعا مع رموز من السلطة السياسية عبرت في أعقابه عن تفاؤلها بإمكانية تجديد الحياة الحزبية في سوريا، والتي تعتبر معطلة إلى حد بعيد، مع أن الأحزاب السورية، بما فيها أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية هي 16 حزبا، من بينها أحزاب مهاجرة، ومن بينها أحزاب علنية، واللافت أن سوريا ما زالت بلا قانون للأحزاب، فالأحزاب السورية بمجموعها تعمل دون تراخيص رسمية، بما فيها حزب البعث الحاكم.- -(البوابة)