عمان-اياد خليفة
اكد كاتب سياسي فلسطيني ان الشارع الفلسطيني بات يعيش حالة اشبه بالغياب الذهني في ظل الحصار والتدمير والقتل اليومي على يد قوات الاحتلال،وقال لـ"البوابة" ان هذا الشارع وصل حدا لم يعد معه قادرا على مواصلة حياته اليومية لفقده أدنى متطلبات الكفاية الاقتصادية، وذلك في اجواء صمت عربي قاتل.
وفي حوار اجرته معه "البوابة" اثناء تواجده في زيارة الى العاصمة الاردنية عمان، تحدث الكاتب السياسي الفلسطيني موفق عبد الرحمن عن الواقع الذي بات الشعب الفلسطيني يعيشه بعدما شدد الاحتلال الاسرائيلي من هجمته على مقدرات حياته اليومية، وبعد ان فرضت عليه عملية اصلاح "مشوهة" لمؤسساته.
وتاليا نص الحوار:
كيف تقيم الواقع الذي يعيشه المواطن الفلسطيني بعد العدوان على مدن الضفة الغربية؟
- كثيراً ما اتفق معك في ملامسة شطآن المأساة الفلسطينية من كافة جوانبها والمترابطة كما العقد الذي لو انفرط منه حبه واحدة لأصبح من الصعب إعادة تجميعه. ولنبدأ أولاً بالسؤال الأهم.. الإنسان الفلسطيني.. معاناته همومه، طموحاته، الواقع المعيش، اقتصادياً وسياسيا، اجتماعيا وعلى كافة البنى والشرائح الطبقية، وردود الفعل أيضاً على مستوى القيادة الفلسطينية ومدى دورها إيجابياً أو سلبياً في التدخل المباشر وغير المباشر في مثل هده المعاناة وكذلك ينطبق الحال على الطرف الآخر الكيان الصهيوني وقيادته والتناقضات المستشرية والتي تزداد يوما بعد يوم بين فئته اليمينية واليسارية والدينية التوراتية.
ولنبدأ أولاً بالشارع الفلسطيني في محاولة للتعرف على ما يعانيه من هموم و آلام وعذابات تقض مضجعه اجتماعياً ووطنياً ومستقبلياً.. لقد بات الفلسطيني في حالة أشبه بالغياب الفكري والذهني وأصبح يدور في حلقة مفرغه ويتساءل ما هو دوره في هذه الحالة المعيشة، هل هو الفعل أو ردة الفعل، إذا كان الفعل فردة الفعل كانت قاصرة عن مواكبة الفعل إذا كان هو ردة الفعل فقد كانت ردة خاطئة أيضاً أشبه بنزوة أو حالة من حالات الإدمان النضالي التي دأب عليها منذ عقود مضت من الزمن، وحتى لا أظلم القيادة من جهة أو الشارع أو المجتمع الفلسطيني من جهة أخرى ولأني أخذت على نفسي عهداً بعدما عايشته ورأيته بأم عيني وفي مواقف استدعتني الضرورة للمشاركة فيه أن شعبنا كان يملك الإرادة والأهلية والجاهزية لتقديم كافة إمكاناته المتاحة على اعتبار أن هذه الانتفاضة أو الثورة أو المعركة الأسطورة سمها ما شئت تأخذ عنواناً يلامس كما أوردنا شغافة قلوب كافة الجماهير تحت مسمى انتفاضة الأقصى.
الانتفاضة بدأت بتوجيه قيادي وبإيجابية فورية جماهيرية، لأن من أهم مقومات الثورة في أي بقعة أو مكان في هذه العالم هو الإمعان في الظلم والمعاناة.. وشعبنا وهو يرى ينبوع الشر الصهيوني الإرهابي التاريخي هذا المسخ المسمى شارون تطأ قدماه الملطخة بالوحل والبغض والكرة التاريخي للعرب عامة والفلسطيني خاصة والمسلم في الدرجة الأولى.
هي قيادة وجماهيراً في الأرض المحتلة واحتدت هبته لتأخذ صداها الواسع داخل الخط الأخضر هذه الهبة بعنوانها الواسع المضمون كانت بمثابة دعوة وتثوير وتحريض للشارع العربي والإسلامي وحتى في الشوارع شبه الصديقة وشبه العدوة انتهاء بالصديقة في كافة دول العالم.
لم يتوقع الفلسطينيون كقيادة وجماهير أن تمتد هذه الانتفاضة وتأخذ هذا البعد الزمني بل كانوا يرون فيها تتميماً لانتفاضة ديسمبر/كانون الأول المجيدة في العام 1987، وإسنادا للسلطة بمواصلة تحركاتها نحو تحقيق واقع سياسي ووطني أفضل يحقق لهم الحد الأدنى من الانتصار على أكبر قوة وترسانة عسكرية عرفها التاريخ قوامها أن هؤلاء الأطفال محمد الدرة وإيمان حجو ومحمد الدقة وفارس عودة سيحققون ما عجزت عن تحقيقه المفاوضات المعلنة وغير المعلنة، والتي تراوح مكانها.
بالنسبة لقضية الإصلاح التي تتبعها القيادة الفلسطينية هل هناك أسس سليمة تقوم عليها هذه العمليات؟
- في تصوري أن السلطة اقامت من حولها ثلاثة حصون رئيسية أولا جماهير السلطة. ثانياً عناصر السلطة. ثالثاً السلطة كقيادة وفي العرف السياسي القيادة تعني الفكر السياسي لمجموع الشعب الفلسطيني شعبا وقيادة. لقد بدأ الشعب الفلسطيني يلاحظ ويراقب عن كثب حالات من الخلل حتى لا نظلم أكثر وما أصبح يعرف بالفساد الذي بات يتكرس ويتجسد كل يوم، هذه الزوبعة التي أصبحت تكبر بفعل داخلي ومباركة خارجية من أطراف نعلمها ولا نعلمها عملت منها ما يشبه كرة الثلج، هذا لا يعني أن ليس هناك خلل، وفي المقابل كانت هناك اتجاهات حتى قبل الانتفاضة للإصلاح وهناك شواهد كثيرة لا مجال لحصرها هنا ولكن الغريب والمدهش في الأمر أنه لم يجر التركيز وباهتمام بالغ على مثل هذه الخلخلات الإدارية إلا في هذه الفترة المصيرية من عمر شعبنا الفلسطيني، أقول إن مقولة الفساد والإصلاح الإداري والخلل الأمني والمالي والأخلاقي هي ذريعة ابتدعتها عقول أعداء هذه الشعب بمكر وخبث متناه في محاولة لإبعاد الشعب عن قيادته وتثبيط همة القيادة عن مواصلة دورها القيادي الصحيح بتفريغها من محتواها الوطني والنضالي مما جعل القيادة تنشغل بملهاة الإصلاح وهذا يؤخرها عن مواكبة ركب نضال جماهيرها الذي أصبح متفوقاً عليها فقد اختل أحد طرفي المعادلة والطرف الذي ألم به الخلل أكثر هو القيادة فأصبحت القيادة والجماهير لا يسيران في خطين متوازيين وأمام الهجمات الإسرائيلية والضربات الموجعة التي طالت الأرض الفلسطيني فأصبح هناك فجوة كبيرة وطابور معاد يندس بينهما ليعمق هذه الفجوة وفعلاً استطاع تحقيق قدر عال من النجاح برغم كل محاولات التنبيه من مخاطر الوصول إلى مثل هذه النتائج والنهايات.
ما هي وسائل البناء حالياً؟
- البناء هو مرحلة لاحقه للهدم وإعادة البناء هي الترميم لبنى أو مرافق دمر بعضها أو الجزء الأكبر منها، ولكن عندما يكون البناء بكامله من أساسه وعلى كافة المستويات قد اقتلع من جذوره فهذا يعني تغييراً جذرياً لكل ما هو قائم.
الإصلاح عملية جراحية مشوهة بالإضافة إلى ذلك حتى ولم يكن مشوهاً فهو مقبول جماهيرياً لأنه لم ينبع كمطلب داخلي من أفرزته حاجات وضرورات البيت بل جاء كما لو كان معلباً خذ هذا المعلب من الإصلاح عليه.
ما هو المطلوب حالياً؟
- المطلوب حالياً وقفة فلسطينية صادقة مع النفس قوامها قف وفكر أولاً الشارع الفلسطيني وصل حالة من الإنهاك وعدم القدرة على مواصلة حياته اليومية لفقدانه حتى الحد الأدنى من الكفاية الاقتصادية التي تتمثل في تأمين قوته اليومي يوماً بيوم يضاف إليها الصمت العربي الرسمي والشعبي القاتل يضاف إليها المعادلات والتوازنات والمصالح الدولية وهيمنة الساسة أو قيادة الكيان الصهيوني على زعامة العالم قاطبة وليس أمامها من رادع وتقدير للظروف التي يعيشها أيضاً الشعب الإسرائيلي الذي يعاني من فقدان الأمن والتناقضات للرؤى المستقبلية ومخارج من المأزق الذي أوقعته به حكومته الديماغوجية. المطلوب أولاً انبعاث فلسطيني جديد يراعي كل هذه التحولات ويستثمرها بإيجابياتها والاستفادة من سلبياتها وهذا لا يعني أنني أتفق مع بعض الحركات التي نشأت في ظروف غير موضوعية والتي تمثلها جماعات منتقاة كانت مغيبة من ساحة النضال بقصد أو بدون قصد، نريد انبعاثا جديا حقيقيا يراعى فيه إعادة ترتيب البيت من الداخل وتكريس الثوابت الفلسطينية بصياغة جديدة مقبولة لدى العدو والصديق مبنية على أسس علمية حضارية تقنية همها الأول والأخير استعادة الأرض وتحقيق الهوية الوطنية الفلسطينية التي لن تكون ولن تأتي إلا بقيام الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، هذه الدولة هي البديل الوحيد لمنظمة التحرير الفلسطينية وأي انتقاص أو تغييب لمنظمة التحرير هو إضعاف لأي سلطة فلسطينية قامت أو ستقوم على اعتبار أننا نسعى لبلوغ سلطة وطنية حقيقة هي نواة الدولة الفلسطينية المستقلة.
بالإضافة إلى مراعاة مبدأ المشاركة السياسية، في أي تشكيلة قيادته قائمة تتمثل فيها كافة ألوان الطيف السياسي ليس بالاقتتال ولا بتفجير الخزان بل بالحوار الوطني المبني على أسس المركزية الديمقراطية واحترام الرأي والرأي الآخر وتغليب رأي الأغلبية على الأقلية بحيث يكون إجماعنا يعكس فعليا واقع التطلعات الفلسطينية.