أنقل إليكم تحية الشعب العربي السوري وتمنياته للمؤتمر بالتوفيق، والوصول إلى النتائج التي تنتظرها منه الأمة العربية والإسلامية، وإذا كانت الظروف المختلفة تفرض في بعض الأحيان أن لا يتكلم الإنسان في كل ما يفكر فيه، حرصا منه على نجاح عمل ما، فإن الأمانة تقتضي أن أنقل معي، وأضع أمام المؤتمر كل الأفكار والهواجس، التي تجول في خاطر المواطن السوري، والتي لا أعتقد أنها تختلف بحال من الأحوال جوهريا عن الآمال التي تحملونها نيابة عن مواطنيكم، في الأقطار العربية المختلفة خاصة، في هذه المرحلة البالغة الخطورة والتعقيد، ودماء الشهداء والجرحى لم تجف بعد، بل ما زالت تسيل حتى الآن لأن العدوان الاسرائيلي على العرب بشكل عام ما زال مستمرا. لقد تصاعد هذا العدوان مؤخرا ليطول حرمة المسجد الأقصى المبارك ويهدد وجود الشعب الفلسطيني، وحقه في حياة كريمة آمنة على أرضه وأرض أجداده.
أيها الأخوة..
لقد نزل شارون إلى باحة المسجد الاقصى ليس محبة بنا، ولا في السياحة، بل ليقول لكل فلسطيني وعربي ومسلم، إنه يحتقر كل شعائرنا ومشاعرنا ومقدساتنا ومعتقداتنا، وعلى كل الأحوال هذا لا يهم فشارون مجرم وتاريخه معروف ومجازر صبرا وشاتيلا، ما زالت تشهد على ذلك، والغريب أن البعض جاء ليقول لنا أن شارون هو المسؤول الوحيد عن كل ما جرى، وأن باراك لا علاقة له بما حصل، فانتبهوا يا عرب وقدموا المزيد من التنازلات لكي تحفظوا باراك وتحافظوا عليه من السقوط، وتقطعوا الطريق على شارون. لكنهم نسوا أن آلاف العسكر الذين أحاطوا بشارون خلال زيارته المشؤومة وابتدأوا أعمال القتل، هم أفراد يتبعون لباراك، ويأتمرون بأمره، بوصفه رئيس للحكومة ووزير الدفاع. وهذا إن دل على شيء، فإنه يدل على تنسيق تام بشأن ما حدث وما يحدث الآن، لأسباب داخلية انتخابية، وقودها أرواح الشعب الفلسطيني، وكرامة الأمة العربية والمسلمين في كل مكان، وإذا كان ثمن العملية الانتخابية في اسرائيل هذا العدد من الشهداء الذين سقطوا حتى الان، فماذا يكون الحال إذا كان الموضوع أكبر من ذلك، وطال بلدان عربية أخرى ومساحات أكبر، أعتقد أن الثمن سيكون باهظا جدا، ومن خلال متابعتنا للأعمال الإجرامية التي مارستها سلطات الاحتلال الاسرائيلي ضد أبناء شعبنا وفلسطين، يثبت لنا يوم بعد يوم، بما لا يدع مجالا للشك، عجز قادة اسرائيل عن إخفاء طبيعتهم العنصرية العدوانية، بل إنهم تجاوزوا هذا إلى الإعلان عنها أسلوبا معتمدا للتعامل مع العرب، وما تغيير الأسلوب الإسرائيلي في القمع من إطلاق الرصاص الحي على الأرجل إلى التسديد المباشر على الرأس والصدر، إلا دليلا واضحا على رغبة عارمة لدى الإسرائيليين في القتل، تم التخطيط لها مسبقا وعلى أعلى المستويات.
ماذا حصل لاحقا؟ بدأت الجهات المختلفة تطالب الأطراف بضبط النفس. تساءلنا من هي هذه الأطراف وهناك طرفان.. طرف اسرائيلي وطرف فلسطيني.. الطرف الأول الإسرائيلي لديه دولة، والطرف الثاني الفلسطيني لم يحقق هذه الدولة بعد، الطرف الأول لديه سيادة، والطرف الثاني لم يحقق هذه السيادة، الطرف الأول لديه جيش جرار، والطرف الثاني لديه الحجر، والطرف الأول قاتل، والطرف الثاني مقتول، كيف تسمونهم أطراف وتطلبوا منهم ضبط النفس؟ مهمة القاضي أن يحدد من هو القاتل ومن هو المقتول، ولا يطلب القاضي عندما تعرض عليه جريمة أو قضية من الأطراف ضبط النفس، عليه أن يحدد ويضع النقاط على الحروف، ماذا تكون النتيجة لو أن القاضي قال لأهل المقتول عليكم أن تبحثوا عن تسوية، نحن بهذه الحالة ندفع الناس إلى الانتقام والثأر، وهذا يعتبر فوضى، أيضا قيل بأن المنطقة فيها مشكلة، المنطقة في حالة خطرة، نحن في مأزق، الحقيقة أن المشكلة لدى اسرائيل، وهي الواقعة الآن في مشكلة حقيقية، وليس من مهامنا في هذا المؤتمر أن ننقذ اسرائيل من مشكلتها، وأن نخرجها من مأزقها. البعض يقول إن الحق ينتصر، صحيح إن الحق ينتصر، لكنه لا ينتصر بدون عمل فاعل، الحق لا يأتي بعمل منفعل، الحق هو عمل فاعل إلى الحق الذي تريد، ستكون النتيجة لعمل نحن نحدده، تكلموا معنا بمفاهيم مختلفة، مفاهيم نسبية ومطلقة، قالوا باراك أفضل من نتنياهو لأنه قدم أكثر. قلنامن الممكن أن يكون باراك أفضل من نتنياهو، هذا مفهوم نسبي يمكن أن يطبق على الأشخاص أما على الحكومات، فلا تطبق مفاهيم نسبية. الحق خاصة عندما يكون أرض، هو مفهوم مطلق محدد، وواضح. الأرض تحدد بالكيلومترات وبالامتار وبالسانتيز، ولا يمكن أن يكون هناك مفاهيم نسبية في الأرض، بعد أن يتم الحصول على الحق كاملا، أي على الأرض، يمكن أن نناقش بقية الأمور، وهذا يرجع للأطراف المتفاوضة، طالبوا بحلول وسط. قلنا مجرد أن العرب وافقوا على القرار 242 بعد حرب 67 هو حل وسط من العرب. اسرائيل احتلت فلسطين من بدايتها لنهايتها، وقال العرب أمر واقع نحن نتنازل عن أراضينا عن الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948 أعطونا الأراضي التي احتلت عام 67. طالبوا بحل وسط بالنسبة للأراضي التي احتلت على 67، ولا نستغرب في المستقبل أن يطالبوا بحل وسط بالنسبة للأراضي التي نحن نعيش فيها الآن، طبعا هناك بعض التعابير التي تستخدم، وهي مفاهيم عامة، إذا بقينا نستخدمها لن نصل الى شيء. السلام ليس كلام، ليس كل من قال بأنه يريد سلام، يعني أنه يريد سلام، السلام هو هدف، تضع هذا الهدف، وتسلك طريقا معينا للوصول إليه، هذا الطريق هو ممارسة يومية، سياسية أو غير سياسية، تؤدي إلى هذا الهدف، منذ بدء عملية السلام نحن صادقون وجادون، في أن نصل إلى السلام العادل والشامل، نسير بطريق مباشر نحن كعرب، أما بالنسبة للإسرائيليين، فإنهم يسيرون باتجاه معاكس، لكنهم يقولون بأنهم يريدون السلام، ويريدون منا أن نصدق. أعتقد بأننا يجب أن ننزل إلى التفاصيل أكثر قليلا، حتى عندما تأتي جهة سواء من الإسرائيليين، أو من أية جهة غربية، أو غير غربية تبحث معنا بهذا الموضوع، نناقش صدق أو عدم صدق السعي للسلام من خلال هذا الطريق، ومن خلال هذه التفاصيل أيضا. يتكلمون عن التوازن، نتمنى أن تعرّف كلمة توازن في المنطقة، توازن في المنطقة؟ ماذا تقصد، ماذا يقصدون بها؟ إذا كانت الحرب غير مسموحة أو غير مرغوبة إذا أي توازن؟ لنحدد أي توازن، لندخل في التفاصيل، ولنكن واضحين، ونبتعد عن الكلام العام. المؤسف أنه ترتفع الدعوات الإحباطية. اسمحوا لي أن اسميها إحباطية، أو تنازلية بحجة إيقاف إراقة الدماء الفلسطينية، أنا أعتقد أن الشعب الفلسطيني لا يطلب من هذه القمة إيقاف إراقة الدماء، لأن الحل موجود، يستطيع كل مواطن فلسطيني أن يعود الى منزله، ويختبئ، ولن يراق دمه، يستطيع أن لا يمسك هذا الحجر ويرميه، أن لا يقاوم، وأعتقد بل أقول متأكد لم نسمع من مناضل فلسطيني يطلب وقف إراقة الدماء، الدماء التي سفكت، لم تسفك لكي نأتي نحن ونوقف هذا السفك، بل لكي تدفع اسرائيل الثمن طبعا، بعض الحجج تكون أحيانا الواقعية، يجب أن نكون واقعيين، كلما تكلم الإنسان شيئا يقولون له "كن واقعيا"، أيضا لنحدد الواقعية، لنحدد ماذا نعني بالواقعية، هناك شخص يخضع للواقع، وهناك شخص يقرأ الواقع بدقة، وهناك شخص يغير الواقع، نحن ندعو لقراءة الواقع بوضوح ودفعه، ومن ثمة تغيير الواقع، وأنا لا أتحدث بكلام نظري، التجربة قديمة وحديثة، حتى تجربة لبنان، وبالإذن من الرئيس اميل لحود، فهي لم تعد تجربة لبنانية، بل هي تجربة عربية، لكل واحد أن يتكلم عنها ويفخر بها، احتلت اسرائيل لبنان منذ 22 عاما، أو احتلت الجنوب منذ 22 عاما، بهدف طرد المقاومة الفلسطينية من الجنوب، أو من لبنان، أو إبعادها عن شمال فلسطين، وفي عام 82 وصلت اسرائيل إلى بيروت، وأخرجت المقاومة الفلسطينية من لبنان، ومن ثم خرجت سوريا من بيروت، وبدأت المقاومة، وبدأت إسرائيل بالتراجع، خرجت من بيروت، ومن ثم من الجبيل، جاءت القوات المتعددة الجنسيات وأخرجت من قبل المقاومة، واستمر التراجع الإسرائيلي، يوما بعد يوم، وكانت هذه الدعوات للكل وللمقاومة أيضا، ماذا تفعلون هذا العمل غير واقعي. هذا العمل لن يوصل لشيء؟ لن تستطيعوا التأثير على اسرائيل، أنتم تخمشون، ولا تحددون ماذا كانت النتيجة في أيار، هزيمة إسرائيلية عمل لم يتحقق منذ حرب 73. في 73 دخلت القوات العربية المشاركة في عمق الأراضي المحتلة، ومن ثم تراجعت بحدود معينة نتيجة الهجوم الاسرائيلي المعاكس. الآن اسرائيل تحشد قواتها على الاتجاه اللبناني، لكن ما حدث في أيار أعتقد بأنه رائع، ولن تعود هذه التجربة ولن تخوض هذه التجربة اسرائيل مرة أخرى. طيب كيف وصلت المقاومة إلى هذا النصر في أيار؟ هل وصلت بقوة السلاح؟ هي لم تحقق ما حققته بقوة السلاح، بل حققته بقوة الإرادة بقوة العقيدة، وحققه تصميمهم على تغيير الواقع، قالوا نغير الواقع ومن ثم نحرر، لم يقولوا فقط نريد أن نقاتل، وأعتقد أن ما يحصل في فلسطين، وكأنها رسالة من الأخوة الفلسطينيين داخل أراضي الضفة، وداخل أراضي فلسطين 48 ، رسالة بأننا فهمنا الدرس، وسنعمل على تغيير الواقع، وبالتالي نحن كعرب في هذه القمة لا نستطيع أن نكون بين بين، إما مع القاتل، أو مع المقتول، ويجب أن نحدد موقفنا طبعا. بعض الأسباب للوضع الذي وصلنا إليه، ولو بشكل مختصر، لن أطيل، وأعتقد أن كل واحد بحاجة إلى دراسة مستفيضة لكلمة "خيار السلام الاستراتيجي"، وأحد أسباب ما وصلنا إليه أننا اخترنا السلام الاستراتيجي، وهذا صحيح، لكن هذا الخيار لم يكن واضحا تماماً، نقول خيار السلام الاستراتيجي، كلمة خيار تعني أن هناك خيارات مختلفة، ولا يعني خيار السلام أو خيار الحرب، هناك خيارات مختلفة أمامنا وأمام أي دولة طبعاً، على سبيل المثال، خيار السلام الاستراتيجي، خيار الحرب الاستراتيجي، خيار القوة الاستراتيجية، خيار الردع الاستراتيجي، وخيارات اجتماعية واقتصادية، وإلى آخره، طبعاً هذه ليست دعوة للحرب، وإنما تحليل بسيط وعام، وحتى في خيار الحرب الاستراتيجي، هناك خيار حرب دفاعي استراتيجي، نحن عندما اخترنا خيار السلام الاستراتيجي، كان بديلاً لخيار الحرب، التي كنا نفكر بأننا سوف نهاجم لنحرر أراضينا، لكن هل يكون خيار السلام بالتخلي عن خيار الدفاع؟ هذا أولا، النقطة الثانية، هي أن السلام بحاجة لقوة، والسلام بحاجة لردع، ولا أتكلم عن الناحية العسكرية، حتى لا يفهمني البعض بشكل خاطئ، القوة هي عوامل متعددة، والردع أيضا هو عوامل وعناصر متعددة، خيار القوة والردع ليس بالضرورة عسكرياً، قد يكون لهم أشكالا مختلفة، قد يكون ذا شكل عسكري، أو شكل تضامني، التضامن هو خيار قوة، وخيار ردع. وقد يكون من خلال قيام مشروع قومي، وقيام المشروع القومي، وهو خيار ردع، عامل قوة، فأيضاً أمامنا خيارات مختلفة بشكل عام، سلام، حرب، قوة، ضعف، وأفضل الخيارات هو السلام مع القوة، يعني سلام الأقوياء، يأتي بعده خيار الحرب مع القوة، أي حرب الأقوياء، وأنا لا أقول ماذا نريد، هو كلام، اعتبروه أكاديمي، أسوأ شيء هو سلام مع ضعف، أو حرب مع ضعف، الحرب مع ضعف، أو حرب الضعفاء، هي خسارة، وسلام الضعفاء هو خسارة، فإذا كنا اخترنا السلام، فليكن سلام مع القوة، أو سلام الأقوياء، أما ونحن ضعفاء، فلا نستطيع أن نقول إن هناك خيارات، بل هناك فروضا تفرض علينا من الخارج، أيضا غياب المشروع القومي، أنا من الجيل الذي شهد نهاية، أو تراجع المد القومي الرومانسي، الذي كان في الخميسنات، وامتد حتى السبعينات، وفي الثمانينات كانت هناك الطروحات القطرية، ومن ثم في التسعينات طروحات المشروع القومي الاقتصادي، السوق العربية المشتركة، وفي كل مرحلة كنا نقول بأن هذا الطرح هو الطرح الواقعي، في الحقيقة ولا طرح من هذا الطروحات هو واقعي، إلا إذا تكاملت هذه الطروحات، أي المشروع العربي فيه عاطفة، فيه سياسة، فيه اقتصاد، طبعاً السبب الثالث هو تراكم هذه الأخطاء العربية، والدولية، في معالجة مختلف الطروحات، التي طرحت على أمتنا خلال عقود عديدة، وارتباط مواقف الدول الاجنبية إلى حد كبير، بحرية قراراتنا، التي لم تكن في الماضي على المستوى المطلوب.
أيها الإخوة
إن العالم، وخاصة العربي، يشخص بأبصاره وعقوله، وقلوبه، إلينا نحن في هذا المؤتمر، وما لم نبرهن بمواقفنا، وقراراتنا على أن مصير المنطقة، نحن الذين نحدده، ولن يكون متروكاً لتحكم الآخرين، فإن التاريخ لن يرحمنا، والشعب لن يغفر لنا، ما سيتخذه المؤتمر ستكون له نتائج حاسمة في الواقع العربي، لذلك نقدر خطورة اتخاذ قرارات هشة، تقود الأمة وتؤدي إلى تزايد حالة الإحباط، وتداعياتها السلبية، ويكون من نتائجها المزيد من الضعف، والمزيد من الشهداء، وأذكر أيضا، أن قرارات قادة العالم، والمراجع الدولية، ستكون مرتبطة إلى حد كبير بفاعلية هذا المؤتمر، وبالتالي فإن ما نتخذه من قرارات، سيكون له مفاعيل عربية، وإقليمية، ودولية، سلبية أو إيجابية، وذلك بالعودة إلى أداءنا كقادة عرب، أي إلى إمكانياتنا في اتخاذ موقف قوي، يعتقد البعض أن عناصر القوة غير متوفرة لدينا كعرب، مما يدل على أن الضعف الذي نعيشه هو شعور ذاتي، نقنع أنفسنا به لأسباب مختلفة، في
الوقت الذي نمتلك فيه الكثير من عوامل القوة، وهذه هي الهزيمة من دون حرب، هزيمة العقيدة والإرادة، وهي أصعب أنواع الهزائم، وأول ما نحن مطالبون بتحقيقه في هذه القمة، هو الاتفاق على صيغ محددة للتضامن فيما بيننا، والالتزام الجاد باحترام وتطبيق تلك الصيغ، وللوصول إلى ذلك لا بد من الاستناد إلى موقف استراتيجي دائم، وليس إلى حالات ظرفية طارئة، تظهر وتختفي مع تزايد وتناقص التهديدات الإسرائيلية، وبمعنى آخر لننتقل من حالة نكون فيها متآمرين، ومنفعلين، إلى حالة نكون فيها فاعلين ومؤثرين. لا بد من تعزيز الأمن القومي العربي، والتعامل مع أي عدوان تشنه اسرائيل على أية دولة عربية، على أنه عدوان على كل الدول العربية الأخرى، ولنضع في اعتبارنا أن ما تقوم به اسرائيل الآن في القدس، وبقية الأراضي الفلسطينية، هو اختبار لقدرة العرب على التعامل، مع حالات العدوان، ستبني عليه تماديها المستقبلي، على أمن وكرامة أي دولة من دولنا.
وليس المطلوب إعلان الحرب، ولا القرارات الارتجالية، إنما المطلوب هو القرارات المدروسة، التي تمكننا من استخدام الطاقات، والإمكانات المتوفرة، بالشكل الذي يضمن ردع اسرائيل على تكرار ما تقوم به الآن،وما قامت به في الماضي، من انتهاكات للقرارات والمواثيق الدولية، ولحقوق الإنسان ويلزمها بالسلام والعادل والشامل، بالشكل الذي يحقق الاستقرار في المنطقة، وليس مجرد البحث عن اتفاقات سلام، لا تحقق سلاما إلا على الورق، أما على الأرض، فهي تحقق كل ما تريده اسرائيل، وكل ما لا يرتضيه العرب.
كما يجب أن تؤمن هذه القرارات الدعم لصمود إخوتنا الصامدين في الأراضي المحتلة، ريثما يتحقق السلام الذي ننشده، والذي يعيد إليهم حقوقهم الكاملة، وفي هذا السياق، نقترح إنشاء صندوق قومي، تموله الدول العربية بنسبة مساهمتها في موازنة الجامعة العربية، بالإضافة إلى التبرعات التي من الممكن أن ترد إلى هذا الصندوق، ووضع آلية علنية للإشراف على إنفاق أموالها.
أيها الإخوة ..
لقد اختارت الأمة العربية قرارات السلام، على أساس تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ومبدأ الأرض مقابل السلام، الذي يؤكد على عودة جميع الأراضي التي احتلتها اسرائيل في حزيران 67، في الجولان، وفلسطين، ومن ضمنها القدس. بالإضافة إلى عودة الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحت الاحتلال، وضمان حقوق الشعب الفلسطيني في العودة، وتقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة، وعاصمتها القدس الشرقية كاملة، وتحرير جميع الأسرى العرب في المعتقلات والسجون الإسرائيلية، وبينما نحن نسعى إلى السلام، تسعى إسرائيل للحرب. وبينما اخترنا نحن السلام خياراً استراتيجياً، اختارته اسرائيل اختياراً تكتيكياً. أراد العرب الوصول إلى سلام عادل وشامل، وأرادت اسرائيل سلاماً مجتزأ ومنقوصاً، وقد أقامت بعض الدول العربية علاقات مع اسرائيل، بهدف دفع عملية السلام، بحسب ما سمعنا منهم، ولكن هذه العملية لم تتقدم، بل كانت دوماً في حالة تراجع، بفعل الممارسات الإسرائيلية، والتصلب، والتعنت المتزايد يوماً بعد يوم، وكنا نلقي باللوم على تبدل الأشخاص القائمين على السلطة في اسرائيل حيناً، وثبت عدم جدوى كل تلك التحليلات، والتبريرات، لذلك لا بد من وقف كل أشكال التعاون مع اسرائيل، بالإضافة إلى تفعيل قرار المقاطعة لها، وما طرحناه من أفكار، وما ذكرناه من مقترحات، من شأنه أن يدفع قادة اسرائيل إلى التفكير بالسير على طريق السلام العادل والشامل، ويجعلهم يدركون الفرق بين خيار السلام، وخيار الضعف بالنسبة للأمة العربية، ولا يفوتنا ونحن نطالب باجراءات رادعة مباشرة، أن نؤكد على إجراءات أخرى غير مباشرة، تؤدي إلى نفس الأغراض، وتساهم في تعزيز موقعنا في المنطقة والعالم، وتفرض على الجميع احترام آرائنا، وقراراتنا، وتضمن إمكانية التأسيس لواقع عربي متحرر من عقد الخوف، والتردد، والضعف، وبعض هذه الإجراءات هو في نفس الوقت، هدف نبتغي الوصول إليه، وعلى رأسها الهوية العربية، والقيام بكل ما يؤكد هذه الهوية ويرسخها، بالإضافة إلى تمتين العلاقات العربية العربية، والعمل العربي المشترك، من خلال تطوير العمل المشترك بين دولنا، ومن خلال تفعيل دور جامعة الدول العربية، سيكون للانعقاد الدوري للقمة دورا هاما في كل ذلك، ولا نرى مبرراً لعدم انتظام انعقادها، فالخلافات العربية العربية مهما بلغت من الحدة تبقى أقل أهمية من الخطر الخارجي، الذي يهدد جميع دولنا وشعوبنا، فنحن مهما اختلفنا، فإننا في النهاية سنعود ونلتقي.
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو، السادة أعضاء المؤتمر .
إننا إذ يجب علينا التأكيد للعالم مرة أخرى، أننا حريصون كل الحرص على تحقيق السلام، والأمن للجميع في المنطقة، والعالم أجمع، فإنه يجب علينا وبنفس المقدار الارتقاء إلى المستوى الذي يتطلبه أداء الواجب القومي الأول، وهو صون الحقوق العربية، والذود عن مقدساتنا، وكرامتنا، وتحقيق إرادتنا في تقرير مستقبلنا ومصيرنا، وتأمين غد آمن لأجيالنا المقبلة.
والسلام عليكم.