كما يطرب الناس يطربون !

تاريخ النشر: 05 ديسمبر 2020 - 12:13 GMT
صدام حسين وأحمد حسن البكر وحافظ الأسد
صدام حسين وأحمد حسن البكر وحافظ الأسد

زهير ماجد

 

                           أحببت بغداد بعد أن عايشتها لسنتين متتاليتين في منتصف السبعينات من القرن الماضي .. في أحد أيامها الخوالي أوقفني صديق عراقي يعمل موظفا في الاذاعة وكان يحمل اشرطة مسجل عليها مجموعة من الاغاني للمطرب فريد الاطرش .. سألته عنها فقال ان طالبها ذواقة ، قلت من يكون فقال انها للسيد النائب .. وكان هذا اللقب يطلق يومها على الرئيس صدام حسين باعتباره نائبا للرئيس احمد حسن البكر .

                   ومرة قال الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر للصحافي محمد حسنين هيكل يوم كان وزيرا للاعلام ، أنا معجب بصوت المطربة عفاف راضي أرجو ان تحافظوا عليها وان تقدموا لها ما تحتاج .. وكان المصريون يأملون من هذه المطربة ان تكون فيروز رقم اثنين . والمعروف ايضا ان عبد الناصر كان من رواد ام كلثوم، ومن عشاق عبد الحليم حافظ ومن محبي عبد الوهاب .

                 واما الرئيس السوري حافظ الاسد فكان لايمضي يومه بدون ان يستمع الى المطربة فيروز ،وخصوصا في شآمياتها المشهورة بتمجيد الشام .. وليس بعيدا عن سوريا ، فان السياسي السوري فخري البارودي هو من صنع المطرب صباح فخري، الذي لكثرة امتنانه له حمل اسمه . والمعروف ان هذا السياسي لايقرب لمطرب القدود الحلبية لا من قريب ولا من بعيد، سوى اكتشافه لصوت صباح فخري المميز والقوي .

               كثيرة هي التفاصيل المشابهة ، اذ ليس القادة والزعماء والسياسيون الكبار، سوى نسخة من ميول الناس وأفكارهم وعواطفهم وماذا يحبون ويكرهون ، وخصوصا في مجال الفن .. صحيح أن الناس  لا تعرف الكثير عما يختبيء في قصورهم وبيوتهم ومطابخهم ، الا ان الذي يجب ان نعرفه ان كثيرا منهم لايخلو منزله من الصوت الفني الذي يهوى سماعه ، ولا من الشخصية الفنية التي يهتم بها .

              اعتقد ان السياسة تنسجم كثيرا مع خيارات الناس العاديين فكيف بالسياسيين .. وان في صلب السياسة ذوق فني لابد ان يتوفر لدى السياسي .. عالم الفن يعني الحياة ، شكسبير في مسرحيته " يوليوس قيصر " يقول عنه انه رجل خطر كونه يحب الموسيقى .. أصدق شكسبير لأني أعرف ماذا يعني الفن بالنسبة للسياسي ، الذي ليس هواية فقط ، بل احيانا نوع من الاحتراف .. وكم من فنان وصل الى قمة الحكم ، كما هو حال الممثل الاميركي رونالد ريغان الذي تبوأ عرش حكم الولايات المتحدة في مطلع الثمانينات من القرن الماضي ، وكنت قد قرأت ان بعض الحكام في اوروبا سابقا كانت اصواتهم جميلة .

           كنت أدخل احيانا الى مكاتب بعض السياسيين ، فاستمع الى موسيقى خافتة ، اعرف انها شغالة على مدار الساعة .. اصحاب المهن الصعبة يحتاجون خلال اوقات عملهم الى مايحسسهم بالهدوء والسكينة ، والى مايرفع لديهم الرغبة في العمل . الموسيقى عالم رحب يغسل الوجدان وينمي الطاقة الانسانية كلما توغلت فينا . ناهيك عن بقية الفنون .. القادة والزعماء الكبار والسياسيون المتمكنون اذا ما فاتحناهم عن حميمياتهم فسنجد الكثير من الارتباطات بالفن والادب والثقافة ، وخصوصا بالغناء والموسيقى ، كما فعل الزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو، يوم تحدث لمجلة لايف بوي الاميركي فرفع مبيعها اضعافا .

             هذا العالم الجميل الذي يخيل الي انه في صلب الانسان وفي ضميره وفي معنى حيويته ، قد تتحول البشرية الى عالم متناحر اذا استغنت عنه او انهت العلاقة معه . على الرغم من سيطرته علينا ، تعيش الكرة الارضية حدة الصراع الدائم الذي يأبى ان يتوقف ، ولنا فيه كلام آخر  

 

    زهير ماجد  * صحفي وكاتب عربي من لبنان- عن الأغوار نيوز