كما ينفض طائر ماء البحيرات عن ريشه-خالد أبو الخير

منشور 18 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2018 - 12:50
خالد أبو الخير
خالد أبو الخير

يفتعل الصباحات، مستدركا بعض ما فاته من سهر ليل طال.

 

ينفض الوسن عن عينيه مثلما نفض طائر غريب ماء البحيرات عن ريشه، غير أن الطرقات افترقت بهما، إذ يهم، عنوة، بممارسة طقس التحضر للانخراط في طابور  ينطلق الطائر محلقا صوب الآفاق جميعا.. حراً كالنسيم.

 

ليس بوسعه تذكر متى نفض عن أهدابه آخر وصايا «شوبنهاور» و»المعري» و»كيكغارد» وما خطه «جبران» و»الشنفرى» و»لي بو» وشطراً من جثة «لوركا» في غرناطته، ليفتح عينيه على وسعهما وينخرط دونما شفقة في واقعه المرير، واقعه المسجى.. كنهارات يحفها الجليد والهراء والبلادة، مبتدرا نفسه بالسؤال: أليس اعتياد الجليد عادة!

 

ودون كثير تمحيص، يمكن لي، لكم، ان تدركوا أن العواطف اليومية باتت جليداً، وأن الأخبار اليومية باتت جليداً، بل الطعام اليومي الذي نتناوله على عجل و»تيك أويه»، كأن احداً يلاحقنا! بات جليداً، والجثث اليومية والتصريحات التي تنقلها تلك الأخبار باتت هي الآخرى جليداً، لا تحرك بكم ساكناً، ولا تستدعي أكثر من تصفح عابر ونسيان.

 

أين اختفى تفاعلنا ومواقفنا ومسارعتنا إلى التعبير عما يخنقنا، وضد ما يبث غازات التبريد في عروقنا وفيما نتنشقه.. أين ومتى يمكن أن نتنفس هواء بكراً وعليلاً؟ هواء لم تلوثه عوادم السيارات وأدخنة المصانع والعلاقات المصطنعة، والنفاق المصلحي  وتوربينات السياسة وصندق النقد.

 

كثيرون يفحصون مستوى الضغط والسكري ويحللون البول والدم ووظائف الاعضاء، بيد أن أحداً لا يفكر للحظة بتحليل مستوى الحياة في دمنا، مستوى التصلب والجليد في قلوبنا، مستوى الفتور، وهل ثمة طبيب يقدر بمجرد جس خوافقنا أن ينبئنا.

 

حين لاحت السخرية، كمركب إنقاذ.. تملى في المرآة، مستذكراً ما خطه ذات يفاعة:

 

المدى كلمة..

 

قلها وانمحي.

 

.. في الاعالى، ما زال الطائر يحلق حراً دون ان يلتفت لمن هم تحت.


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك