خالد أبو الخير
تستعد حكومة عبدالله النسور الاردنية لتقديم استقالتها، ومن المؤكد أن خطاب الاستقالة لن يعدو أن يكون أكثر من إعادة وتكرار لعشرات الخطابات السابقة التي أعدتها حكومات مرت على الأردن مع بعض المحسنات البديعية والكنايات البلاغية التي لن يكون لوزير شؤون الإعلام والاتصال سميح المعايطة أي دور فيها.
من عشرات استقالات رؤساء الحكومات لا يمكن تمييز إلا قلة اتسمت باختلافها عن السياق الرسمي.
أقصر الحكومات عمرا هي الحكومة التي شكلها هزاع المجالي عام 1955، واستمرت خمسة أيام، في غمرة الاحتجاجات على حلف بغداد التي عمت العاصمة عمان ومدن الضفة الغربية، ورفض المجالي ضغوطات القائد الانجليزي للجيش العربي آنذاك كلوب باشا لاستخدام القوة ضد المتظاهرين، رغم أن المجالي نفسه كان يرى أن من مصلحة الأردن الدخول في الحلف.
وأكد المجالي في كلمة له أنه "يرفض تحت أي مبرر أن يكون سببا في إراقـة نقطة دم من مواطن بسبب حلف بغداد". وأعلن استقالته من إذاعة عمان. وسبقت استقالة المجالي استقالة مدوية لأحد وزراء حكومة ابراهيم هاشم الأولى التي شكـَّـلها في عهد الإمارة (18 ـ 10 ـ 1933 - 27 ـ 9 ـ 1938 م).
الوزير قاسم الهنداوي شارك في الحكومة ممثلا للمجلس التشريعي جريا على التقليد الذي كان مرعيا آنذاك الذي يقضي بضمّ بعض أعضاء المجلس التشريعي إلى الحكومة، لكنه استقال من الحكومة في 30 ـ 7 ـ م1934، ويمكنُ اعتبار استقالة الهنداوي من الحالات القليلة النادرة التي تمثــّـل استقالةَ حقيقية تستند إلى قناعة الوزير ويقدمها بمحض إرادته، ويمكن اكتشاف ذلك من خلال الإطـّلاع على نصّ كتاب الاستقالة التي جاء على النحو التالي:
فخامة رئيس المجلس التنفيذي (مجلس الوزراء).
لمَّا كانت الخُطـَّـة التي سارت عليها حكومتـُـكم منذ الأسبوع الثاني لتشكيلها تسيرُ مع الأهواء الخاصَّة، وتبتعدُ عن مصلحة البلاد الحقيقية كلَّ البعد، فإنني أرى الواجبَ يدعوني ألا أزيدَ في نكبة الأمَّة بالسير معكم، ولهذا أقدّمُ استقالتي من الحكومة. (التوقيع: قاسم الهنداوي).
ومن الاستقالات المميزة استقالة عبد الكريم الكباريتي من حكومته عام 1997.
شرح الكباريتي في كتاب استقالته "دوافع ومرامي سياسات حكومته في تحركاتها نحو الإصلاحات السياسية التي تزامنت مع الانفتاح الاقتصادي وذلك في ظلال أبعاد إقليمية سياسية مضطربة دعته كرئيس حكومة الى انتهاج إصلاحات مبرمجة، معرجا في خطابه بشأنها وقتذاك الى انه مارس سيادته كرئيس وزراء في العلن". وحظيت الاستقالة آنذاك برد "قوي" من الملك الراحل الحسين.
.."لقد قطعت على نفسي العهد وأمام مجلس الوزراء في جلسة السبت الأخيرة بألا أذهب مع الحكومة إلى البرلمان اذا حملت معها مشاريع قوانين ضد الحريات الإعلامية؛ لأن هذا يتعارض مع مواقفي ومبادئي التي لم أتخلّ عنها عندما انتقلت من الصحافة إلى الوزارة". وأضاف: "تشكل مشاريع القوانين المقترحة الخاصة بقانون المطبوعات وهيئة مكافحة الفساد وقانون العقوبات في نظري..."، بهذه العبارة استهل طاهر العدوان استقالته من حكومة معروف البخيت الثانية.." وهي لعمري تليق أيضا بحكومة النسور.
لليلى شرف استقالاتان مدويتان، الأولى من منصبها كوزيرة إعلام في حكومة احمد عبيدات احتجاجا على السياسية الإعلامية، ومعلنة في الوقت نفسه باستقالتها رفضها للتراجع الإعلامي الذي وصلت إليه الصحافة والتلفزيون في ذاك الوقت.
عنوان لافت اقترفه الزميل عبدالله العتوم آنذاك في صحيفة القبس الكويتية، جاء كالتالي: "الحكومة الأردنية تجتمع لأول مرة بلا شرف".
الاستقالة الثانية لــ"شرف" كانت في مجلس الاعيان، في أعقاب اقالة ابنها فارس من موقعه كمحافظ للبنك المركزي: "نعم قدمت استقالتي من مجلس الأعيان؛ لأني لا أريد أن أخدم في دولة الفساد"، مبينة أنها ستخدم الأردن من خلال عملها في مؤسسات المجتمع المدني". كما قالت في تصريح لها في حينه.
ولكن حقاً.. كيف يقدم المرء استقالته؟ سواء كتابة أو تصرفاً.
تقول أدبيات هذا الفن، أي فن كتابة خطاب الاستقالة: إن على كاتبها أن يتحلى باللياقة ويكون مهنيا ولبقاً، ويتذكر دائما أن نهاية وظيفته.. لا تعني عدم عودته اليها، او انتفاء المصلحة مع الجهة التي تعمل بها.
لكن وليم فولكنر الكاتب الروائي الشهير، الذي كان يعمل في يوم من الأيام مديراً لمكتب بريد جامعة مسيسبي، كتب خطاب استقالة مختلفاً في رسالة ما زالت موجودة في الجامعة؛ يطلع عليها كبار الزائرين، جاء فيها ما يلي: عليّ اللعنة، لو أني رضيت البقاء رهن إشارة كل متجول لئيم، معه من النقود سنتان اثنان، يريد استثمارهما في طابع بريد. ولهذا يا سيدي فإنني أقدم استقالتي".
كاتب هذه السطور استقال مرة من جريدة "الحدث" الاسبوعية، رحم الله أيام "الحدث"، وجاءت كما يلي:
السيد رئيس التحرير.. في احدى قصص الكاتب فرانز كافكا يدور الحديث التالي بين السيد والعبد:
السيد: أيها العبد اسرج الحصان أريد أن أذهب بعيداً من هنا؟
العبد: الى أين يا سيدي؟
السيد: أيها الغبي.. ألم أقل بعيدا من هنا؟ وعليه أقدم استقالتي.
لكن رئيس التحرير آنذاك نضال منصور رفض الاستقالة بأن كتب عليها: "أرفض هذه الاستقالة الأدبية". ما دعاني إلى تحرير كتاب استقالة
آخر.. ليس أدبياً.
استقالة غريبة جرت خلال مباراة فريقي مصافي الوسط وكركوك التي جرت ضمن مباريات دوري النخبة في العراق.
فبعد تسجيل مصافي الوسط الهدف الثاني، خرج مدرب كركوك حميد سلمان من المبارة وترك فريقه وأبلغ مساعديه أنه استقال من تدريب الفريق، الأمر الذي ترك اللاعبين والنادي في حيرة وتشتت، وسبب حرجاً كبيرا، ويذكر أن المباراة انتهت بنتيجة ثلاثة أهداف دون رد.
المضيف الجوي الأمريكي "ستيفن سلاتر" الذي كان يعمل في شركة "جت بلو". أصبح فجأة حديث وسائل الإعلام.
كان "ستيفن" يقوم على خدمة الركاب في رحلة طيران عادية، وعند هبوط الطائرة تدخل بحكم واجبه الوظيفي ليمنع راكبة من إنزال متعلقاتها من خزانة الأمتعة قبل توقف محركات الطائرة؛ وبلامبالاة سحبت الراكبة حقيبتها بقوة فخبطته في رأسه وأدمته. فما كان منه إلا أن فتح باب الطوارئ، وانزلق خارجًا بطريقة استعراضية، مهرولاً على مدرج المطار كأنه أحد أبطال "هوليوود"؛ معلنًا عن تقديم استقالته. ومن أجمل الاستقالات، استقالة رئيس وزراء ياباني إثر فشله، كما قال في خطاب الاستقالة، بالوفاء بعهد انتخابي قطعه للناخبين!
يبقى لو أن جميع السياسيين تصرفوا على طريقة رئيس الوزراء الياباني هذا.. لما بقي منهم أحد.