لبنان يفقد ثروته البشرية

منشور 06 أيّار / مايو 2001 - 02:00

يفقد لبنان بسرعة رصيده الأكبر.. يهاجر المتعلمون باعداد كبيرة هربا من تراجع اقتصادي واغتراب سياسي وبلد محصور بين سوريا وإسرائيل يعاني من الاضطراب. 

وتقدر الحكومة ان 277 الفا على الاقل غادروا لبنان في عام 1999 وحده وهو رقم يصيب بالدوار في بلد عدد سكانه 5ر3 مليون نسمة.  

وقال جون سيكالي (26 عاما) العائد إلى الولايات المتحدة حيث يعمل استشاريا "اعطني سببا واحدا يدعو للبقاء... جئت فقط لزيارة امي. لم يبق أحد آخر هنا. كل أصدقائي هاجروا أيضا إلى الولايات المتحدة". 

وطبقا لارقام وزارة الشؤون الاجتماعية هاجر 895 الف لبناني خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في عام 1975 واستمرت 15 عاما. ولكن عددا مماثلا ترك البلاد في زمن السلم فيما بين عامي 1995 و1999.  

وقدر انيس ابي فرح استاذ الاحصاء في الجامعة اللبنانية ان 37 بالمئة من المهاجرين فيما بين عامي 1975 و1994 كانوا من خريجي الجامعات. 

ولم تفعل الحكومة شيئا لوقف نزيف العقول لا سيما انها ترزح تحت وطأة دين عام قدره 24 مليار دولار تراكم اثناء مشروع اعمار ما بعد الحرب. ويفاقم المشكلة الاقتصاد الذي بلغ معدل نموه صفرا في عام 2000. 

لكن الحكومة حاولت دون جدوى جذب استثمارات اجنبية قد توفر مزيدا من فرص العمل وتبقي الشبان في البلاد. 

ومن الناحية السياسية فان الاحباط والسخط بين مسيحيي لبنان الشبان ضد سوريا المجاورة التي تدير عمليا شؤون بلادهم يدفع الكثيرين منهم للبحث عن حياة جديدة في الدول الغربية. 

يقول مسيحيون شبان كثيرون انه لم يعد هناك مكان لهم في النظام اللبناني الذي همشهم سياسيا. وتعلو شكوى العمال من أن مئات الالاف من العمال السوريين المهاجرين يقبلون اقل الأجور ويغتصبون أعمالهم. لكن اللبنانيين عادة ما يستعلون على العمل اليدوي. 

ويوافق اللبنانيون على ان ظاهرة الهجرة ليست جديدة. 

فعلى مدى عقود دفعت موارد البلاد الطبيعية المحدودة المتعلمين بها الى الهجرة الى الخليج سعيا وراء المرتبات الاعلى حيث عملوا مهندسين واطباء بينما دفعت غير المتعلمين الى افريقيا وامريكا الجنوبية حيث انتعشت اوضاعهم كتجار. 

وفي هذا الوقت حيث تشجع العولمة تبادل الخبرات عبر الحدود تتوجه اعداد اكبر من المتعلمين الى بلدان متقدمة مثل استراليا وكندا والولايات المتحدة وفرنسا. 

واصدرت السفارة الكندية في بيروت في العام الماضي 1400 تأشيرة دخول لافراد في سن العمل او عائلات شابة. وتشجع كندا هجرة العمال المهرة اليها ويوجد لدى لبنان فائض منهم حيث يقدر عدد مهندسيه العاطلين عن العمل بثمانية الاف مهندس. 

وقال رياض طبارة رئيس مركز دراسات ومشروعات التنمية ان جاذبية الهجرة لا تتضح فقط من خلال اعداد الذين غادروا وانما ايضا من اعداد الذين قد يغادروا بمجرد ان يحصلوا على تأشيرة. 

ويشير بحث للمركز الى ان 44 بالمئة من اللبنانيين لا يشعرون بالسعادة هنا وترتفع النسبة بين المتعلمين.  

وقال ناجي بجاني استاذ ادارة الاعمال بجامعة نوتردام ان اللبنانيين القادرين على المنافسة الذين يبقون في لبنان يحصلون على رواتب اقل. هذا ان كانوا محظوظين وحصلوا على وظيفة استنادا الى الجدارة وليس من خلال العلاقات او الولاءات السياسية والدينية. 

واضاف "لكن الاكثر اهمية انه بدون (الواسطة) فانهم لن يرقوا من المستوى الادنى في الشركات المحلية التي ترفض تحديث نفسها ومواجهة العولمة." 

ولا تقتصر المشكلة على الحكومة وشركات القطاع العام لكنها شائعة ايضا في القطاع الخاص. ونظرا لان ملكية معظم الشركات اللبنانية وادارتها ما تزال عائلية فان المناصب العليا بها تخصص لاقارب او اصدقاء اومن ينتمون للديانة نفسها وغالبا ما يكون هؤلاء غير مؤهلين. 

وتعي ذلك كريستين حكيم طالبة الماجستير. وقالت "ان الاذلال الذي يشعر به المرء الذي يحرم من وظيفة لان المرشح لها يعرف المدير يقتل المعنويات." 

ومضت تقول "يعتقد الناس انهم سيحصلون على فرص افضل في الخارج وانهم سيصبحوا قادرين على ارسال اموال الى الاهل." 

والمفارقة ان اللبنانيين الذين يعتمدون اعتمادا كبيرا على الهجرة مستاءون كغيرهم من أبناء البلدان النامية التي تستاء من اعتمادها على محصول واحد أيضا. فالهجرة منفذ للمواطنين الذين لا يستطيع لبنان توظيفهم او تمثيلهم سياسيا وعائداتهم التي يرسلونها حيوية لعائلاتهم في لبنان. 

وقال طبارة ان لبنان يستوعب ما يصل الى ثلاثة مليارات دولار من أموال عائدة أليه سنويا. وحيث تتوقع الدولة أن تصل العائدات الحكومية إلى 2ر3 مليار دولار هذا العام طبقا لتقدير ميزانيتها لعام 2001 فان المتعلمين يمثلون محصولا نقديا لا يستطيع لبنان تحمل المضي بدونهم. 

واضاف طبارة قائلا "إن معدلات البطالة التي تقدر الآن بنسبة تتراوح بين 15 و20 بالمئة ستكون اكبر بدون الهجرة ويعيد هؤلاء الناس قدرا اكبر من الأموال إلى لبنان—(رويترز) 

 

مواضيع ممكن أن تعجبك