لماذا يخسر العرب حروبهم؟ ''الحلقة الثانية''

منشور 17 تشرين الأوّل / أكتوبر 2002 - 02:00

اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية  

يتم اتخاذ القرار في المؤسسات العسكرية العربية على أسس مركزية ونادراً ما يفوض مسؤول كبير السلطة لمسؤولين دونه رتبة، كما أن من النادر جدا لضابط عربي رفيع المستوى اتخاذ قرار خطير من تلقاء نفسه حيث أنه بدلا من ذلك يفضل أن يوصف بأنه ضابط مجتهد، ذكي مخلص ومنصاع للأوامر. أما إذا قام بجلب الانتباه لشخصه كمسؤول مبدع يتخذ قرارات أحادية الجانب فإن ذلك سيجر عليه كثيراً من المتاعب.  

فكما هو الحال عليه في الحياة المدنية، فإن الانصياع هو الأسلوب السائد وأن المسمار الذي يبرز عاليا يضرب بالمطرقة.  

تتخذ القرارات في المؤسسات العسكرية العربية على أعلى المستويات ويتم تمريرها ولكن ذلك نادرا ما يحدث على شكل اتصالات جانبية، وكذلك تتدفق الأوامر والمعلومات من الأعلى إلى الأسفل حيث ليس بإمكان من يتلقاها إعادة تفسيرها، تعديلها أو تحويرها بأي شكل من الأشكال.  

يصاب المدربون الأميركيون في كثير من الأحيان بالإحباط عن محاولتهم الحصول من نظرائهم العرب على قرار وذلك لعدم إدراكهم بأن الضابط العربي يفتقر إلى السلطة لاتخاذ القرار. ويزداد هذا الإحباط لدى المدرب الأميركي بسبب التردد الذي يبديه نظيره العربي للاعتراف بأن لا سلطة لديه. 

وذكر كاتب المقال أنه اطلع في أحيان كثيرة على قرارات يمكن اتخاذها على مستوى الكتائب كالأمور الخاصة بالفصول الدراسية وأماكن انعقادها وكيف أن هذه الأمور كانت ترسل إلى وزير الدفاع لأخذ موافقته عليها، وقد أدت هذه الأمور إلى توصل المدربين الأميركيين إلى الاستنتاج بأن رقيبا في الجيش الأميركي يملك الصلاحيات التي يملكها عقيد في جيش عربي.  

تقوم السلطات العليا بفرض طرق التعليم والمواد التي يجب تدريسها. كذلك فإن الطبيعة المسيسة للمؤسسات العسكرية العربية تعني أن العوامل السياسية فيها ذات ثقل كبير وتتجاوز في أحيان كثيرة الاعتبارات العسكرية. فالضباط من أصحاب المبادرة والميل نحو اتخاذ قرارات أحادية الجانب يمكن أن يشكلوا خطراً على النظام. ويمكن مشاهدة هذا ليس على مستوى الاستراتيجية الوطنية ولكن في كافة مناحي العمليات العسكرية والتدريب.  

كذلك فإن المؤسسات العسكرية العربية تعاني من البيروقراطية المتنامية. في البلاد العربية لا يوجد من يتحمل المسؤولية عن برنامج للسياسة، العمليات، الحالة أو التدريب. وكثيراً ما يصاب المدربون الأميركيون بالإحباط حين يصادفون ضباطا عربا ينحون باللائمة على المعدات الأميركية أو أي مصدر خارجي في حالة فشل عمليات أو برامج قاموا بتنفيذها.  

ففي مناسبات عدة اشتكى ضباط عرب من عدم صلاحية معدات أميركية للتشغيل بسبب الافتقار إلى قطع الغيار.. مشيرين بأصابع الاتهام إلى نظام التزويد الأميركي على الرغم من أن المدرب الأميركي يمكن له إثبات دخول قطع غيار كافية إلى البلاد واختفائها بسبب نظام التزويد العربي الذي يحتضر. ويجدر بنا التنويه هنا إلى أن هذا النقد لا يقصد به التهكم على الإطلاق وكان دائما يوجه بصورة غير مباشرة وبطريقة مؤدبة.  

خلال غزو الكويت، قام العراقيون باحتلال مدينة الخفجي في الشمال الشرقي للمملكة العربية السعودية بعد أن هجرها السعوديون. في حينه طلب اللواء خالد بن سلطان، القائد السعودي الميداني من الجنرال الأميركي نورمان شوارسكوف إرسال رسالة يقول فيها إن إخلاء المدينة السعودية جاء بناء على أوامر من الجنرال الأميركي. وفي تقريره عن معركة الخفجي أنحى اللواء خالد بن سلطان باللائمة على الأميركيين لسقوط المدينة في أيدي العراقيين.  

وفي الحقيقة فإن المشكلة تمثلت في أن القوات السعودية الخفيفة في تلك المنطقة انسحبت من ساحة المعركة حيث إن القوة العراقية كانت تتفوق من حيث العدد والعدة، ولكن الكبرياء السعودي تطلب أن يوضع اللوم على الأجانب.  

أما في ما يتعلق بالمعدات العسكرية فهناك فجوة حضارية هائلة بين أنظمة الصيانة في الولايات المتحدة والبلاد العربية. ولا تعود الصعوبات التي يواجهها العسكريون العرب مع المعدات الأميركية إلى أن العرب لا يقومون بأعمال الصيانة بل بسبب وجود فجوة حضارية واسعة بين الطرفين: فالمفهوم الأميركي لنظام الأسلحة لا يمكن نقله بسهولة فهو نظام أسلحة يحمل معه وسائل لوجستية وصيانة، سياسات وحتى فلسفة، وكلها تستند إلى الثقافة الأميركية التي تتطلب مستوى معينا من التعليم وحساً بالمسؤولية على مستوى الوحدات الصغيرة، عملية تخصيص الأسلحة والعقيدة. وتستند المعدات الأميركية وطرق صيانتها على مفهوم الترميم على أدنى مستوى، ولذا فإن ذلك يتطلب تفويضا للسلطة. فالمعدات التي تخصص لكتيبة أميركية (تتكون من 600-800 فرد) يمكن أن تعادل ضعفي أو ثلاثة أضعاف المعدات المخصصة لكتيبة عربية. كذلك فإن الخبرة والمبادرة والأهم من ذلك وهي الثقة التي يعكسها تفويض المسؤولية إلى المستويات الأدنى تكاد تكون معدومة في المؤسسات العسكرية العربية. وإذا لم تتوفر المعدات المطلوبة وقطع الغيار أو الخبرة للمحافظة على المعدات بصورة جيدة فإن قائد الوحدة يبحث عن كبش فداء.  

يقول الكاتب إن كل ما تقدم يفسر ما كنت أسمعه في مصر مراراً بأن المعدات الأميركية "حساسة للغاية"، وبصورة عامة فإن التردد العربي في الإعراب صراحة عن عيوب التدريب لدى المؤسسات العسكرية يجعل من الصعوبة بمكان للخبراء الأجانب دعم البرامج التدريبية أو تقييم احتياجات هذه المؤسسات.  

يتجلى الافتقار إلى التعاون في فشل الجيوش العربية في تحقيق النجاح بعمليات عسكرية مشتركة بين وحداتها المختلفة. 

وهناك ثلاثة عوامل تعيق التنسيق اللازم للعمليات المشتركة في الجيوش العربية:  

* فقدان الثقة بين العرب في من هم خارج إطار عائلتهم يؤثر بشكل كبير على العمليات الهجومية. ففي حضارة يستند فيها كل شيء بما في ذلك التجارة والعلاقات الاجتماعية، على التركيبة العائلية، فإن عدم الثقة بالآخرين يؤدي إلى دفع ثمن باهظ في المعركة.  

فالعمليات الهجومية تتألف من إطلاق النيران والمناورة. ويجب أن يكون عنصر المناورة مدعوماً بوحدات أو قوة نارية، ولذا فإذا انعدمت الثقة في ذلك الدعم فإن جعل القوات تتقدم إلى الأمام ضد العدو المتخندق يمكن أن يتحقق فقط إذا خرج الضباط وأخذوا زمام المبادرة، وهذا شيء غير متوفر لدى العسكريين العرب. (ومن الاستثناءات على ذلك قوات النخبة المحدودة في جميع أنحاء العالم العربي والتي تناط بها حماية الأنظمة بدل حماية الأوطان).  

 النظام الفسيفسائي المعقد للناس يخلق متاعب إضافية لعملية التدريب حيت أن الحكام في الشرق الأوسط يستغلون الولاء الطائفي والقبلي للمحافظة على نفوذهم.  

الأقلية العلوية تحكم سوريا وشرقيو نهر الأردن يحكمون الأردن بينما يسيطر السنة على العراق والنجديون على السعودية. ولهذا الاعتبارات أثرها على التعيينات والترقيات. فعلى سبيل المثال تربط الأقليات الشركسية في الأردن والدروز في سوريا رخاءها بالنخبة الحاكمة وتقوم بأدوار الحماية لها بينما يحرم الشيعة في العراق من المناصب القيادية.  

وعلى أية حال، فإن توخي الدقة في تعيين الضباط استناداً إلى اعتبارات طائفية يعمل ضد مصلحة التعيينات التي تستند إلى الكفاءة.  

كذلك فإن فقدان الثقة ينشر على مستوى الدولة حيث أن المؤسسات العسكرية العربية تبدي قليلاً من الثقة الواحدة تجاه الأخرى فالكذبة التي أطلقها جمال عبدالناصر عام 1967 للملك حسين بأن الطيران المصري كان فوق تل أبيب (كان في الواقع مدمراً) من أجل إقحامه في الحرب تعتبر مثالاً كلاسيكيا على الخداع. كذلك كان أسلوب السادات المخادع مع السوريين لإغرائهم بدخول الحرب عام 1973 (حيث أخبرهم أن المصريين كانوا يخططون لحرب شاملة)، كان كذبة أخرى.  

وبهكذا تاريخ فليس من المستغرب أن يكون هناك القليل أو ينعدم التدريب المشترك بين الجيوش العربية، فعلى سبيل المثال، خلال حرب عام 1967، لم يكن هناك ضابط أردني واحد للتنسيق في مصر ولم يكن هناك تجاوب أردني للقيادة المصرية. 

 يعتمد حكام الشرق الأوسط بشكل روتيني على أساليب توازن القوى للمحافظة على السلطة.  

فيلجأون إلى استخدام المنظمات التنافسية، ازدواجية الوكالات وأنظمة قهرية وفقا لمزاج الحاكم مما يجعل أي قاعدة لبناء شكل من أشكال القوة الشخصية صعبا إن لم يكن مستحيلا ويبقي القيادة مترددة وغير متوازنة ولا تتمتع بالأمن. وينطبق الشيء ذاته على المؤسسة العسكرية حيث إن القادة ينظرون بحذر إلى القيادات المشتركة، التمارين العسكرية المشتركة، القوات المشتركة وغيرها كسلاح ذي حدين، حد مصوب نحو العدو الخارجي والآخر نحو العاصمة. والقوات البرية تعتبر قوة صيانة للنظام وفي نفس الوقت مصدر تهديد له. ويمكن ملاحظة هذا الوضع جليا في السعودية حيث القوات البرية والطيران تحت إمرة وزير الدفاع الأمير سلطان بينما يأتمر الحرس الوطني بالأمير عبدالله نائب رئيس مجلس الوزراء وولي العهد. أما في مصر فقوات الأمن المركزي فتعمل كعامل توازن مع الجيش، وفي العراق وسوريا يعمل الحرس الجمهوري بمثابة عنصر توازن.  

لا يوجد حاكم عربي واحد يسمح بإجراء عمليات عسكرية مشتركة أو تدريب يصبح أمراً روتينيا لأن ذلك من شأنه أن يخلق نوعاً من التآلف ويقلل من المنافسة ويزيل الشك ويمحو المؤسسات المتشرذمة.  

وفي الحقيقة يخلص السياسيون عقبات للحفاظ على الانقسام. فعلى سبيل المثال، للحصول على طائرة من القوة الجوية لأغراض تدريب القوات المحمولة جوا أو لمجرد طلب إداري لدعم التدريب يجب إجراء تنسيق بين رؤساء دوائر الخدمات في وزارة الدفاع. أما إذا تطلب الأمر عدداً كبيراً من الطائرات، فربما يحتاج الأمر إلى موافقة رئاسية.  

تعتبر الانقلابات العسكرية في أيامنا هذه أنماطاً خارجة على العصر ولكن الخوف منها يبقى قوياً. فالتدريبات العسكرية واسعة النطاق للقوات البرية تظل على الدوام مصدر قلق للحكومات العربية وتتم مراقبتها عن كثب خاصة إذا كانت الذخائر المستخدمة حية.  

وفي المملكة العربية السعودية لا بد من الحصول على إذن من خلال نظام معقد لقادة المناطق العسكريين والمحافظين حيث يوجد لكل منهم قنوات قيادة مختلفة عن الآخرين وذلك للحصول على إذن للقوافل البرية والحصول على الذخائر وإجراء التمرينات ويعني ذلك أنه إذا ما قدر لانقلاب أن ينجح فلا بد له من تجمع عدد كبير من المتآمرين الموالين. وقد أثبت هذا النظام أنه عصي على الانقلابات ولا يوجد أي سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن هذا النظام سوف لن يكون كذلك ي المستقبل.  

تعتبر المعلومات التي تنشرها المؤسسة العسكرية الأميركية بشكل روتيني بما في ذلك التقريرات، التنقلات وأسماء قادة الوحدات مواضيع سرية من الدرجة الأولى في البلاد العربية. فقبل حرب عام 1973 فوجئ الرئيس المصري أنور السادات بفشل وزير دفاعه محمد صادق بنقل أوامر الحرب من الرئيس إلى مساعديه المباشرين بعد أسبوعين من صدورها، وقال السادات معلقا على ذلك، "هل يجب إبقاء الحرب سرية على أولئك الناس الذين سيخوضونها".  

ويقول الكاتب يمكن لنا أن نرى أحد نظرائنا العرب أو الأشخاص الرئيسيين الذين كنا نتصل بهم وقد اختفى دون تفسير أو سابق إنذار. ويمكن أن يكون الأمر مجرد نقل إلى وحدة أخرى ولكن الغموض الذي يكتنف هذه العملية يفتح الباب على مصراعيه للأجانب لتصور سيناريوهات مريعة يمكن أن تكون صحيحة.  

ومن الأفضل عدم الاستفسار كثيرا حيث إن المستشارين أو المدربين الفضوليين قد يجدون أن حصولهم على المعلومات في الدولة المضيفة يمكن أن يكون مقيداً. ومن المعتقد أن العلاقات الحميمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تساهم في الميل إلى هذه السرية حيث إن العرب يعتقدون أن المعلومات التفصيلية حولهم تنتقل إلى الموساد الإسرائيلي عبر خط ساخن وسري. ويفسر هذا بدوره حقيقة تعرض بعض المستشارين الأميركيين الذين يعملون مع القوات العربية في كثير من الأحيان إلى أسئلة حول رأيهم في المشكلة الفلسطينية، والسيطرة اليهودية على الولايات المتحدة.  

ثمة تراخ فيما يتعلق بإجراءات السلامة وكذلك عدم اكتراث وإهمال بالنسبة للحوادث أثناء التدريب في معسكرات الجيوش العربية والتي يمكن منع حدوثها بمجرد اتخاذ القليل من الإجراءات الوقائية. فبالمقارنة مع الأميركيين الذين يعتبرون مدركين إن لم نقل مفرطين بأمور السلامة، تبدو المجتمعات العربية غير آبهة بالإصابات وأهمية السلامة أثناء التدريب. ويمكن تفسير ذلك بعدة طرق منها اعتقاد الناس في هذه المجتمعات بالقضاء والقدر.  

لكن السبب الحقيقي يتعلق بالدين. فكما يعرف كل عسكري مخضرم، فإن أخلاقيات الوحدة العسكرية توضع دائما في المقدمة أو كما يقول المثل القديم، "الوحدات تفعل تلك الأشياء التي يحرص القائد عليها"، ولذا فعندما تظهر القيادة السياسية العليا عدم اكتراث كامل برفاهية جنودها، فإن مثل هذه المواقف تتسرب إلى المستويات الأقل رتبة. ومن الأمثلة على ذلك عندما قامت الحكومة السورية بسحب قوات النخبة من مرتفعات الجولان في حرب 1967 والإعلان الزائف بأن القوات الإسرائيلية احتلت مدينة القنيطرة مما يضعهم خلف المجندين السوريين الذين كانوا مازالوا في مواقعهم. وقد اتخذت القيادة السورية هذه الخطوة للضغط على القوى العظمى لفرض هدنة على الرغم من أن ذلك أدى إلى حدوث اضطراب في صفوف القوات السورية وخسارة مرتفعات الجولان.  

إن من الصعب المغالاة في الفجوة التي تفصل بين الثقافة العسكرية الأميركية ونظيرتها العربية، ففي مجالات عديدة ومهمة، يجد الخبراء الأميركيون طلاباً عرباً متحمسين في الفصول الدراسة ولكنهم يفشلون في تطبيق ما تعلموه فيما بعد حيث أن الثقافة العسكرية في بلادهم تحول بينهم وبين ما تعلموه. الضباط العرب غير معنيين برفاهية وسلامة رجالهم. فالعقل العسكري العربي لا يشجع على المبادرة على مستوى الضباط الصغار.  

يتهرب الجميع من المسؤولية بدل أن يسعوا إليها ويتحملوها. إن الجنون السياسي والتكهن بنتائج العمليات بدل الانفتاح والعمل الجماعي هي قواعد التقدم والبقاء في المؤسسات العسكرية العربية. إن هذه ليست قضايا تتعلق بعلم الوراثة ولكنها مسائل لها علاقة بالثقافة التاريخية والسياسية.  

عندما كان السوفيات في السابق ذوي نفوذ في بعض المؤسسات العسكرية العربية، قاموا بتعزيز الميزات الثقافية لدى العرب. والسوفيات شأنهم شأن العرب يعملون بدافع من المخاوف السياسية التي تصل حد الجنون. وتفهمت النخبة السياسية والعسكرية العربية الخطوات التي اتخذها السوفيات للسيطرة على مصادر هذه المخاوف (الحقيقية أو الخيالية). مثل بناء قيادة مركزية صارمة، وشعر العرب أيضاً بالجاذبية نحو احتقار الضباط السوفيات لجنودهم العاديين وعدم ثقتهم بالمؤسسات الخاصة بالضباط الذين تدرجوا في مراكزهم العسكرية حتى وصلوا إلى مراكز عليا.  

تستند الثقافة السياسية العربية إلى درجة عالية من القناعة الاجتماعية وتشبه إلى حد كبير الثقافة السوفياتية البائدة وهي بعيدة كل البعد عن الثقافة الأميركية المتقدمة، والديمقراطية والقائمة على أساس الكفاءة.  

لا يرى الضباط العرب أية فائدة من تبادل المعلومات فيما بينهم، وفي هذه الحالة يكونون مثل زعمائهم السياسيين الذين لا يخفون المعلومات عن حلفائهم وحسب، بل يخدعونهم بشكل روتيني. ويعكس التدريب العسكري في الجيوش العربية هذه الحقيقة وهي أن الجنود العرب وضباطهم مقيدون بمهام ضيقة توكل إليهم من رؤسائهم بدل أن يقوموا هم أنفسهم بالإعداد قدر المستطاع للمسؤوليات المتعددة التي تفرضها المعركة وما يستجد فيها. ويؤدي هذا إلى جعلهم أقل فاعلية في ساحة المعركة ومنعزلين مما يعرض حياتهم للخطر الشديد.  

أما التغيير فمن غير المحتمل أن يحدث في الثقافة السياسية العربية على الرغم من الخبرة التي اكتسبتها مجتمعات أخرى في هذا المجال بما فيها الأميركية والتي تشير إلى أن المؤسسة العسكرية يمكن أن يكون لها تأثير ديمقراطي على الثقافة السياسية الأوسع حيث يقوم الضباط بإعطاء تدريباتهم في محيطهم المهني ومن ثم إلى المجتمع الأوسع.  

وإلى أن يحين الوقت الذي تبدأ فيه السياسات العربية بالتغيير على مستويات أساسية فإن الجيوش العربية، مهما كانت شجاعة أو مهنية ضباطها ورجالها، ستبقى بعيدة عن اكتساب الصفات التي تحتاجها القوات الحديثة لتحقيق النصر في ساحة المعركة لأن ذلك يعتمد على غرس الاحترام، الثقة والانفتاح بين أفراد القوات المسلحة على كافة المستويات. 

ترجمة واعداد "البوابة" عن موقع "اميركان دبلوماسي.


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك