ماذا إن وقعت الحرب؟

تاريخ النشر: 19 نوفمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

نبيل الملحم 

 

وراء الأضواء تتعالى لغة الحرب في المنطقة، والحرب ليست بياناً، كما لا تتطلب الإعلان عنها، فهي تحبل في الظلام وتولد في الظلام، وتعلن نتائجها تحت الأضواء المبهرة، ومع ذلك فللحرب رائحتها التي تتولد من الاستقرار، والحدس، وقوانين المتحول، وحركة الناس، والأحداث، والأسباب، والدوافع، وموازين القوى، وقراءة الخيارات، بما فيها الخيارات الأخرى المعاكسة لقرقعة المدفع. 

فاروق الشرع وزير الخارجية السوري قال بأنه لم يعد أمام إسرائيل سوى استخدام القوة الغاشمة، وعندما قال الرجل ذلك ربط الممر الإسرائيلي هذا بحرب الجنوب اللبناني، كما بالانتفاضة الفلسطينية، كما بانتكاسات العملية السلمية، باعتبار ما سبق هو هزائم إسرائيلية.. الخروج منها سيكون على ظهر الدبابة، وبالتالي فإن الشرع رجح، ودون أن يصرح، غلبة الحرب كاحتمال على الاحتمالات الأخرى، وهو الاحتمال الذي بات الرأي العام على الأقل في سوريا ولبنان يرجحه، دون أن نضيف الرأي العام الفلسطيني، لأنه ليس بانتظار الحرب، فالرصاص ينهمر على بواباته، والحرب لم ترخ سدولها في مدنه وقراه، وإن كانت الحرب عنده بالتقسيط مع أن النتائج بالجملة. 

الحرب قادمة، وليس آمنون كابليون وحده من اليهود من يعتبر أن الظروف الراهنة، التي تواجهها إسرائيل أكثر سوءا من الظروف التي نشأت وفق الأسطورة الإسرائيلية، ما بعد موت الملك سليمان في عام 1922 قبل الميلاد، وأدت إلى مملكتين يهوديتين تأكلان بعضهما بعضاً، فاليهودية آخر دولة لاهوت في التاريخ.. باتت أمام خيارها الأصعب وهو أن تندمج بالمحيط فتلغي يهوديتها، أو أن تسمك بالكنيس وبالثكنة معا، وليس رجلاً عادياً ذلك الألماني الذي يدعي كارل ماركس، اليهودي الذي اعتبر أن تحرر اليهود لا يكون إلا بتحررهم من يهوديتهم، فكيف سيكون حالهم إذا ما فعلوا واغتسلوا من الحاخامات، وقدموا المرثية للوعد الإلهي الذي طالما تسوقوا باسمه؟ 

اليهود الآن هما يهودان، وإن كان كلاهما لا يتورع عن انتظار الماشيح المنتظر، اليهودي الأول هو الذي يعتبر أن نموذج الدولة اللاهوتية قد اندثر، ويطالب الولايات المتحدة الأميركية بأن تغسل يديها منه ومن دمه، وهذا حال جوناثان غولد اليهودي الأميركي الذي فعل ذلك فعلا، واليهودي الآخر الذي يذهب بالحماقة حتى آخرها، ودون استبعاده لاستعجال القيامة من أجندته المقدسة، ويبدو أن الاتجاه الغالب هو هذا الاتجاه، وهو ما يستعجل الحرائق، وإن نالت من ملابسه أولاً، وهذا ما أحدثه أرييل شارون بدءاً من اقتحامه المسجد الأقصى، وصولاً إلى احتمال أن يذهب ايهود باراك إلى طاعته، وتتشكل الحكومة الحربية الإسرائيلية التي ستكون أولى مهامها إحراق المنطقة، وهي المنطقة التي قبلت بإسرائيل جاراً، منذ كامب ديفيد أنور السادات، وصولاً إلى مؤتمر مدريد، مروراً بعشر سنوات من التفاوض، دون أن تقبل إسرائيل بدول المنطقة، بما فيها تلك التي استضافت سفراء إسرائيليين، ومكاتب تجارية إسرائيلية، واستبدلت مقدمة ابن خلدون بشرق أوسط شيمون بيريز، ليكون بيريز المعزول إسرائيليا أكثر شعبية لدى العرب، الذين أرادوا السلام، حين صار السلام أطول من قاماتهم، فيما الحرب هي الوحيد المتاح بعد اليأس، الذي لم يتبق سواه أمامهم، وهذه الحرب التي قد تقع بفعل الاستعداد الإسرائيلي، الذي بات مكشوفاً للحظتهم (الإلهية).. فماذا إن وقعت؟ 

كل العرب يقرون بأن ما ليس لهم ليس لهم، وبالتالي فان ما سيخسرونه هو قيودهم :  

- قيود أنظمة عربية لن تفككها إلا حماقة قصوى. 

- وقيود أوضاع عالمية وإقليمية لن يعيد تفكيكها وتركيبها إلا الحماقة القصوى. 

- وقيود نفسية صار العربي فيها هو الأحوج ليجرب فك القيود وإن لم يستطع إليها سبيلاً. 

ويقابل ذلك احتمالات شتى، أبسطها أن الدخول في هذا النوع من التجربة، لا بد وأن يفتح الطريق الآخر نحو إسرائيل، وقد دخلت (الماسادا)، فيما العالم سيتخلخل ليعيد التأمل، فيما لم يأخذ الوقت الكافي لتأمله، وهو : تأمل النصوص اليهودية، التي أخذت شكل السكاكين، فيما العالم مازال يتأملها باعتبارها لحظة الحرير القصوى. 

الحرب قد تكون على أبوابنا .. ماذا لو وقعت ؟ 

- دمار شامل ممكن ، وليس للعرب من الدمار ما يتجاوز دمار لحظتهم الراهنة. 

- دمار شامل ممكن، وليس ثمة وعد الهي لأي من البشرية الحمقاء، التي أنطقت الله ما لم ينطق، وطاقة الرياح التي تجرف الغبار النووي ستجرفه باتجاه إسرائيل فيما لو استخدمت قنبلتها النووية، ومن قال إن الإسرائيليين لم يفكروا ذات يوم باستخدامها؟ 

كان ذلك حين تجاوز الجيش المصري خطوط بارليف.. وحين اخترق الجندي المصري الرمال المستحيلة.