ما لا تعرفه عن قابوس بن سعيد.. ؟-خالد أبو الخير

تاريخ النشر: 27 ديسمبر 2019 - 10:59 GMT
السلطان قابوس بن سعيد
السلطان قابوس بن سعيد


تصعب الاحاطة برؤاه وانجازاته، فعبر عقود من العمل الجاد، حوّل عُمان إلى دولة حديثة، يشار لها بالبنان.
وإن كثرت في هذه الأونة التوقعات و"الطعنات" بشأن حالة السلطان قابوس بن سعيد الصحية، وخلافته، إلا أن الفارس الذي كانه، سيبقى لأجيال.. ينثر  إرثه ورؤاه النيرات .. الشاسعات.
ومن إرثه أنه أنشأ دولة المؤسسات، وأطلق الطاقات، ونهض بكل القطاعات، وقاد عُمان دولة ومجتمعا، من الفقر والفرقة والتمرد إلى بر الامان والاستقرار.
فن القيادة عنده ، يستند  إلى  روح الفريق وإطلاق المنافسة في آن واحد، وبث الحماسة والثقة بالنفس وإثارة التنافس بين المرؤوسين باعطاء الصلاحيات وتهيئة البيئة المناسبة ومن ثم المتابعة والمراقبة، واتخاذ القرارات الدقيقة في اللحظات الحاسمة.
خلال مسيرته الطويلة، أحدث فرقاً، نوعياً وكمياً.. فمن يصدق أن عمان اليوم ، ذات الإشراق والتطلع والحضور هي تلك التي كانت بالامس، يغشوها الفقر والتنازع والإقتتال.

الإبن الوحيد

هو قابوس بن سعيد بن تيمور بن فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد بن احمد بن محمد بن خلف بن سعيد بن مبارك آل بو سعيدي العتكي الأزدي بن المهلب بن أبي صفرة.
رأى النور عام 1940، وهو الابن الوحيد للسلطان سعيد ، تلقى دروسه الإبتدائية والثانوية في صلالة بمحافظة ظفار، وما تزال بالبال روائح البخور واللبان وأشجار النارجيل والموز والفافاي، وأثار خطى الفتى الذي كانه، تذرع سهليها صحلنوت واتين.. إلى الذرى.

نشأ متذوقاً للاداب والفنون والتاريخ وموقراً للتراث، بيد ان والده كان يخطط له ليكون قائداً للبلاد، فارسله في شهر أيلول/ سبتمبر من العام 1958 إلى بريطانيا لمواصلة تعليمه في مدرسة سافوك الخاصة، ومنها إلى أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية الشهيرة، التي تخرج منها برتبة ملازم ثان، إنضم بعدها إلى كتبية بريطانية  عاملة في ألمانيا الإتحادية ،  مارس خلالها العمل العسكري الفعلي.

لا بد من صلالة

بعيد إنتهاء خدمته العسكرية في ألمانيا عاد  إلى المملكة المتحدة مجدداً، ليتدرب على أسلوب الإدارة في الحكومة المحلية ،  وأكمل دورات تخصصية في شؤون الإدارة وتنظيم الدولة،ثم أنطلق في رحلة  حول العالم إستغرقت ثلاثة أشهر ، شكل خلالها الكثير من معارفه و روآه حول المجتمع المنشود.
مطلع عام  1964، شوهد الشاب الذي اشتد عوده والآخذ بتشكيل رؤاه السياسية والإجتماعية مجددا  في صلالة؛ التي لا بد منها وإن طال السفر!.
وجهه والده السلطان سعيد إلى التعمق  في دراسة الدين الإسلامي وتاريخ وحضارة سلطنة عُمان ، وقد  أشار في أحد أحاديثه إلى أن "إصرار والده على دراسة الدين الإسلامي وتاريخ وثقافة عُمان كان لها الأثر العظيم في توسيع مداركه ووعيه بمسؤولياته تجاه شعبه العُماني والإنسانية عموماً ".
لكن الرجل الذي  إنشغل بقراءة الكثير من الأفكار السياسية والفلسفية التي شكلت فكر العالم، داهمه الواقع، الذي لم يكن مستقراً .
فقد تزامنت عودته مع إخماد "ثورة الجبل الأخضر"  (1955-1964) ضد حكم والده،  ونفي زعيمها الإمام غالب الهنائي إلى السعودية، ولم يمض على عودته سوى أشهر قليلة  حتى اندلعت ثورة ظفار (1965-1975) .

 حاكم في ظرف مضطرب

تولى السلطان الشاب الحكم  في 23 يوليو/تموز 1970، أي في أوج ثورة ظفار، وكان أصغر الحكام العرب سناً، إنما مسلحاً بثقافة واسعة وتطلع لا يحد.
التحدي الأول الذي واجه حكمه كان  إنهاء الثورة، وتطلب ذلك منه حوالي خمس سنوات من الكفاح، ولم يلبث بعد أن انتهى منها، أن واجه تحديات لا تقل عنها شراسة، تمثلت في تحديث البلاد والنهوض بها من ركام ما كانت فيه.
منح نفسه  صلاحيات مطلقة في الحكم، من ضمنها تعيين أعضاء الحكومة بنفسه،  وحظر إنشاء الأحزاب السياسية، لكنه أنشأ مجلس شورى منتخباً يتألف من 84 عضوا، وأنهى عزلة البلاد، واستخدم عائداتها النفطية لتحديثها.
إبان أحداث ما سمي بالربيع العربي،  عام 2011 واجهت حكم السلطان موجة إحتجاجات تحرك خلالها مئات العمانيين في العاصمة مسقط مطالبين بتحسين الدخل ولجم ارتفاع الأسعار، كما شهدت ولاية صحار شمال العاصمة مظاهرات تحولت إلى أحداث عنف سقط فيها قتيل، حسب الرواية الرسمية، لكن السلطان تمكن من إحتوائها بإيفاد وزير الديوان لولاية صحار للقاء مجموعة من المحتجين والاستماع إلى مطالبهم، كما أصدر قرارا بتوفير خمسين ألف فرصة عمل للمواطنين.

الخلافة
والان يختلف   المتكلمون وتصطرع وسائل التواصل الاجتماعي في شأن السلطان قابوس بن سعيد، وحالته الصحية.
وفيما التزمت وسائل الإعلام العمانية الصمت، عدا ما نشرته وكالة الانباء العمانية عن تعزية السلطان برئيس الاركان الجزائري قايد صالح،  تسابقت آخرى عالمية إلى نشر أخبار وتقارير عدها كثيرون شائعات وضرباً بالودع، مع إنشغال بخلافة السلطان ؛ كونه لم يقترن قط ولم يترك خليفة، دون ادنى التفات إلى ان الوعكة التي ألمت به ربما لا تعدو ان تكون عابرة.
بيد أن من المهم التذكر، في هذا الضباب والغموض الذي يكتنف الحالة الصحية للسطان، والتضارب في التقارير العالمية،  أن شعبه يدعو له، وأن  الرجل ترك بصمته،  ليس ببلده وحده وإنما في المنطقة والعالم، بسياسة انتهجت الحياد والبناء والطيب سبيلا .
..  وإن أمسى اليوم  عليلا ، إلا أن التذكار الجميل.. يبقى جميلا.

 ينشر بالتزامن مع موقع " الرمسة"